صلى الله عليه وسلم ، هذا التواصل تم عبر «كود» أو شفرة لنظام لغوي؛ فالمرسل غير قابل لإخضاعه للدراسة العلمية، والمدخل الطبيعي للدراسة العلمية للنص القرآني من خلال الحقائق اللغوية، بتحليل سياق النص والثقافة التي نزل فيها. والسياق يعني الحالة الاجتماعية السياسية التي شكلت أوضاع من أرسل النص إليهم، بما فيهم المتلقي الأول للنص. والثقافة تعني رؤية العالم المتضمنة في اللغة. والبداية تكون من الحقائق الإمبريقية حول النص. والسؤالان المهمان في هذا السياق هما: السؤال الأول: كيف يمكن التوفيق بين الطبيعة الإلهية للنص وبين مكوناته من الثقافة التي نزل فيها وبلغتها؟ السؤال الثاني: كيف يمكن التوفيق بين الجوانب الثقافية واللغوية للحياة العربية للمتلقين للوحي، وبين صلاحه لكل زمان ومكان وعابر لكل لغة وكل ثقافة أو قومية؟ وتناولت المسألتين بالمناقشة في البحث. لقد كانت محاولة «محمد عبده» قاصرة ومحدودة لتقديم أساس لاهوتي/عقدي للتفسير الأدبي للقرآن الكريم في كتابه «رسالة التوحيد»؛ لأن جهده لم يكن نقديا ولا مبدعا، بل انتقائيا لما يراه نافعا للوقت، فأخذ من مدارس كلامية/لاهوتية مختلفة دون إدراك التناقض، وهذا الغياب للنظرية مؤسسة كلاميا/لاهوتيا هو سر أزمة اتجاه المنهج الأدبي في تفسير القرآن الكريم.
5
الندوات والمؤتمرات والكتابة باللغة الإنجليزية والتدريس في «لايدن»، شغلتني عن أبحاثي. كتبت عن «الإسلام وحقوق الإنسان» مقالة نشرت سنة ست وتسعين، ودراسة عن «الصفات الإلهية في القرآن، تحليل للبناء اللغوي» نشرت في ألمانيا، ومقالة عن «قضية أبو زيد» نشرت في لندن، ودراسة باللغة الإنجليزية عن «البنية النصية للقرآن» نشرت ضمن كتاب «أوروبا والإسلام في الماضي والحاضر» بهولندا عام سبعة وتسعين، وكتبت مقالة بالعربية بعنوان «من علمانية بداية القرن إلى أصولية نهايته» نشرتها «عبلة الرويني» بالعدد الثاني من مطبوعاتها «حرية» التي تحررها عن لجنة الدفاع عن حرية الفكر والاعتقاد، من مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان بالقاهرة، يناير سبعة وتسعون. وفي المؤتمر السنوي للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط في شهر يوليو، كان لقائي الأول بابنتي شيرين أبو النجا منذ تركت مصر. وتذكرت حين قالت لي وهي مدرس مساعد: «ممكن أناديك بابا؟» واستمرت علاقة الأبوة والبنوة بيننا، وأثناء القضية كانت نعم السند ونعم الابنة. كان المؤتمر عن إعادة النظر إلى الإسلام، وشاركت بمحاضرة عن «العلمانية ومشروع الإصلاح الديني».
عدت إلى «لايدن» يوم عيد ميلادي، أعطتني «ابتهال» مقالا في جريدة الأهالي، «رسالة إلى د. نصر أبو زيد»، حركت داخلي شجونا أكثر، فكتبت لكاتب الرسالة «مرتد كلمة لن أنساها أبدا»: «أنا غاضب أم حزين، أم هي حالة من الخصام، مع قناع الوطن القاسي، الطارد، القاتل أحيانا، حفاظا في النفس، على وجه الوطن الطيب، الكريم، المتسامح، المعطاء؟ نعم أنا غاضب من هذا القناع المتوحش البربري، وحزين لأنه يخفي الوجه الجميل ... أسعدتني رسالتك؛ فقد ساعدتني، كما ترى، في إظهار كوامن الشجن الرابض في النفس ... هنا أتمتع بمناخ أكاديمي في مجال الدراسات الإسلامية؛ فإما مشغول في الإعداد لمؤتمر، وإما أعد محاضرة، وإما أراجع كتابا بطلب من إحدى المجلات الأكاديمية ... هذا المناخ من المستحيل أن يتوافر في مصر الآن. فهل يمكن أن أعود لأدرس تخصصي؟ لعلهم سيطلبون مني أن ألزم بيتي لأسباب أمنية فأتقاعد قبل سن التقاعد ... أليس من حقي أن أكون غاضبا وحزينا؟ ثم أليس من حقي بعد ذلك كله أن أستثمر غضبي وحزني استثمارا إيجابيا يجعل للغربة معنى وللمنفى الاختياري قيمة؟» نشرتها «الأهالي» في عدد نهاية يوليو.
كتبت عرضا نقديا لكتاب «فاطمة المرنيسي» نشر في مجلة «نور»، ع12، خريف سنة سبع وتسعين، بعنوان «الإسلام والديمقراطية والمرأة، دوائر الخوف عند فاطمة المرنيسي»، والذي سيطرت لفظة الخوف على عناوين فصوله، وإن كانت فاطمة تركز على قضايا المرأة، فهذا الكتاب يدخل بها إلى عمق العلاقة بين الحاكم والمحكومين في سياقها السوسيوتاريخي، للمس أزمة المرأة في الواقع والتاريخ، بحثا عن الديمقراطية والإسلام، وعن الخوف من الحداثة والتحديث، وعن الخوف من العلم الحديث، ويصبح السؤال: ما علاقة ذلك بقضايا المرأة؟ فإن كانت عملية التحديث تعني إجراءات عملية - ذات طابع سياسي اجتماعي - تفرضها ضرورات نفعية، فإن الحداثة تمثل التأسيس المعرفي للتحديث داخل ثقافة ما؛ أي نقل الخبرة الحداثية من النفعي المباشر إلى مجال الوعي. في تحليلها لإشكالية الحداثة، اتخذت من حرب الخليج نقطة مهمة، في حين أغفل الكتاب حدث إنشاء دولة إسرائيل بالدعم الغربي وهزيمة سنة سبع وستين، واتخاذها من عام 622 ميلادية بداية التاريخ، وكأن العالم لم يكن له وجود قبل ذلك ؛ مما جعل مفهوم الجاهلية عندها مفهوما غير زمني، مفهوما يتلخص في الشرك والوثنية والجهل. ومن الأهمية بمكان أن نفرق بين الإسلام - في نصوصه الأساسية - وبين الفكر الإسلامي، ونكف عن النظر إلى التاريخ بوصفه تاريخ ملائكة أبرار «لا يعصون الله ما أمرهم»، وإلى التراث بوصفه مخزن المعارف والحقائق الثابتة الخالدة. وهي الصورة التي ثبتها في الأوهام نموذج استخراج الثروة العربية - البترول - التي كانت مخبوءة، والتي لم تحتج إلا للحفر لتتحول إلى ملايين بلا عرق أو عمل أو كفاح؛ لأنه حتى الحفر قام به الأجانب نيابة عنا.
نشر البحث الذي عرضته في ألمانيا العام الماضي عن «الاحتمالات النقدية للوصول إلى فكر ديني مستنير»، ودراسة أخرى نشرت في ألمانيا عن «مفهوم حقوق الإنسان، عملية التحديث في سياق الهيمنة الغربية»، وعرض نقدي لكتاب «مايكل ليكر» «عن المسلمين الأوائل واليهود في المدينة المنورة». وأصبحت أتحدث بلسانين، فكتبت لمجلة «سطور» مقالتين؛ الأولى عن «الثقافة بين التجانس والتهجين»، تعرضت فيها للدور الذي تقوم به الثقافة الشعبية المعيشة، وكيفية الاندماج فيها بتركيزها على فعل التواصل، وبين الثقافة الرسمية التي تركز على شكل الخطاب، فتسعى إلى السيطرة والهيمنة. واستعرضت الصراع بين الثقافتين في تجربة المسلمين من القدم حتى العصر الحديث، وكيف أن الثقافة السائدة هي هجين، لا هي ثقافة رسمية تصوغ رؤية نقدية للعالم، ولا هي ثقافة شعبية تحمي بالتواصل البناء الاجتماعي من التفكك، فهجين الثقافة السائد هو نوع من فقر الروح وتخلف العقل.
المقالة الثانية كانت عن «إشكالية التراث، التأويل العلمي والقراءة النفعية»، عرضت باختصار نشأة مصطلح التأويل في الثقافة العربية والغربية، واتساع المصطلح في العصر الحديث من مجال الدراسات الدينية حتى صارت التأويلية هي جوهر ولب نظرية المعرفة؛ أي قراءة لأي ظاهرة بوصفها بناء معقدا من العلاقات، بين الذات والموضوع، والسياق ونسق المعاملات، والرسالة. وهو ما لم تصل مفاهيمه إلى مفاهيم التأويل والتفسير في ثقافتنا الحديثة والمعاصرة. وتناولت تعامل التيارات المختلفة مع التراث، من تيار القطيعة المعرفية مع التراث إلى تيار «الإسلام هو الحل» أو «التراث هو الحل»، أو تيار التقليد. وأيضا التيار الثالث؛ تيار التوفيق واستلهام التراث. ومشكلته أيضا أن التوفيق عنده يتم على أساس المنفعة الأيديولوجية، وليس بالمعنى المعرفي؛ مما جعل التوفيق يفضي إلى التلفيق. إلا أني وجدت أن لكل من التيارات الثلاثة مفهومه للزمن والتاريخ؛ فعند تيار الانقطاع الزمن ينفصل فيه الحاضر عن الماضي انفصالا تاما، وعند تيار التقليد أو «الإسلام هو الحل» يعتبر الزمن الحاضر نقطة تراجع واضمحلال، وأن الكمال في الماضي الذي يجب أن يعاد بناء الحاضر على مثاله ليصير المستقبل آمنا. أما التيار التوفيقي فالزمن عنده هو الحاضر، وهو نقطة التقاء الماضي بالمستقبل؛ فهو نقطة تفاعل خبرات لا سكون فيها، ومع إدراكه على المستوى النظري للعلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر والمستقبل يظل مسكونا بهاجس الماضي؛ فالتراث الأكثر امتلاء بالعافية وبالخبرة، وأيضا ممتلئ بهاجس الآخر الغربي الطامع المستعمر المهدد للهوية. ففي الحالات الثلاث، التراث لا ينطق بل تنطق به الأيديولوجيا، ولا سبيل لتغيير ذلك إلا بتغيير شروط العملية المعرفية للتعامل مع التراث.
لم أصدق أذني حينما اتصل بي من القاهرة صحفي أخبرني أنه ذهب إلى الجامعة يسأل عن كتبي، ففوجئ أنها سحبت من الجامعة، وحاول أن يلتقي عميد الجامعة ولكنه لم يستطع، فنشر الصحفي الموضوع بعنوان «ثقة نصر أبو زيد كاملة في جامعته التي لا تثق فيه». وفي زيارة «ابتهال»، الأستاذة بنفس الجامعة، للقاهرة كانت غاضبة جدا لسحب كتبي من مكتبة الجامعة. أصرت على لقاء العميد، وواجهته بحقيقة سحب الكتب، وسألته عن السبب، وحين أجابها «أنه لا يعرف من فعل هذا»، فقالت: «إن لم تكن تعرف، فلتأمر بتحقيق لتعرف من قرر هذا القرار؟ أنا لا أتحدث عن «أبو زيد» زوجي، أنا أتحدث عن «أبو زيد» الأستاذ في هذه الجامعة، لو الأمر كذلك فلماذا لا تفصل كل الأساتذة الذين درسوا له وأعطوه الماجستير والدكتوراه، وبالمرة تغلق القسم؟» عملت على تنظيم ندوة علمية بجامعة «لايدن» عن «الدراسات القرآنية على أبواب القرن الواحد والعشرين»، وجعلنا من أحد محاورها محورا عن الدراسات الأدبية، فكنت الوحيد من العرب والمسلمين المشارك في هذا المحور بجوار باحثين من ألمانيا وكندا وجنوب أفريقيا، فقلت إن الدراسات القرآنية ستزدهر خارج الدراسات العربية وخارج العالم العربي.
6
دعيت إلى زيارة جامعة بولاية واشنطن عام ثمانية وتسعين. وفي ندوة حضرها بعض المصريين، سألني أحدهم وكان من الدبلوماسيين: هل حقيقي أنك قلت لزوجتك إنك لو مت ألا تعيد جسدك للدفن في مصر؟ قلت: «نعم.» ثار الرجل علي وقال: «لا بد أن يثور المصريون جميعا عليك.» قلت له: «أنت ترى مصر مقبرة، لكني أحب مصر أن تكون وطنا، وليست مجرد مقبرة.» والتقيت جمعا من المصريين في ندوة عامة بجامعة كولومبيا بنيويورك، وأقاموا إجراءات أمنية كموقعة حربية. كان لقاء أعاد لي حميمية الحوار مع جمهور من المصريين. والتقيت «ماري آن ويفر» عن طريق الصديق «فكري أندراوس» التي كتبت مقالا في مجلة النيويوركر العريقة عني، نشر في عدد الثامن من يونيو ثمانية وتسعين. أعددت دراسة للنشر في مجلة «ألف» بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في عدد سنة ثمان وتسعين، بعنوان «قضية المرأة بين سندان الحداثة ومطرقة التقاليد، دراسة في تاريخ النصوص» كتبتها بالعربية؛ لأن سلسة الهزائم العربية المتوالية أججت من جديد طرح أسئلة الهوية والتراث والخصوصية، لكن هذه المرة من منظور عرقي طائفي في الغالب؛ مما ينعكس على المرأة والأقليات. والحالة الدولية تغذي ذلك التوجه. وللأسف، فقوانين الأحوال الشخصية عندنا تستند إلى مرجعية الشريعة دون أن تصاغ الشريعة صياغة قانونية منضبطة، لا تسمح إلا بقدر من الاجتهاد في تنزيل النص القانوني على الواقعة المنظورة أمام القاضي. ودون تحقيق الصياغة القانونية الدقيقة المنضبطة تلك، سيظل القضاء في مجال الأحوال الشخصية بناء هشا رخوا تخضع الأحكام فيه لاتجاه تفكير القاضي المتأثر حتما بالمناخ الاجتماعي والسياسي العام.
Unknown page