ويرجع هذا الاتفاق بين المؤرخين على تحديد زمن ميلاد الإمام ابن حزم ومكانه، إلى أنَّ هذا التحديد هو الذي ذكره الإمام بنفسه. حيث قال: "وُلدتُ بقُرْطبة في الجانب الشرقي من رَبَض منية المغيرة، قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح، آخر ليلة من شهر رمضان المعظّم... سنة أربع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة". وكان الإمام ابن حزم قد كَتَبَ هذا إلى تلميذه صاعد بن أحمد.
ثالثاً: نشأته:
نشأ الإمام ابن حزم في بيت عِزِّ مكين، وجاه عريض، فعاش في نعمة سابغة، وحياة مترفة، وفي وسط أُسرة حاكمة ثرية؛ وذلك لمكانة والده الذي كان عالماً جليلاً، وكان من وزراء الدولة العامرية، ومن عقلاء الرجال الذين نالوا حظاً وافراً من الثقافة
(١) رَبَض منية المغيرة: أحد أرباض قرطبة، والتي تبلغ ستة وعشرين ربضاً تقريباً، وكان هذا الربض للخاصّة وعلية القوم، وهو ملاصق للزاهرة، في الجانب الشرقي من قرطبة.
ينظر: دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة، د. الطاهر أحمد مكي، ص ٣٣، ٧٦.
(٢) الصلة ٢/ ٣٩٦ "بتصرف".
وينظر: طبقات الأمم، ص ٧٧، جذوة المقتبس، ص ٣٠٨، بغية الملتمس، ص ٤١٦، المعجب، ص ٩٦، وفيات الأعيان ٢/ ١٥٥، سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٥، نفح الطيب ٢/ ٢٩٣.
(٣) هو أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صاعد التغلبي، القرطبي، الأندلسي، قاضي طليطلة، كان عارفاً بالأخبار، ذكياً، من أهل الرواية والدراية، من مؤلفاته: طبقات الأمم، جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم، مقالات أهل الملل والنحل. توفي بطليطلة سنة ٤٦٢ هـ.
ينظر في ترجمته: الصلة ١/ ٢٣٢، هدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي ١/ ٤٢١، الأعلام ٣/ ١٨٦.
(٤) أبو عمر الوزير أحمد بن سعيد بن حزم، والد الفقيه أبي محمد، كان وزيراً في الدولة العامرية، ومن أهل العلم والأدب والخير، وكان له في البلاغة يد قوية، مات سنة ٤٠٢ هـ.
ينظر ترجمته في: جذوة المقتبس، ص ١٢٦، الصلة ١/ ٣٠، شذرات الذهب ٥/ ١١.
(٥) الدولة العامرية: نسبة إلى المنصور بن أبي عامر، واسمه: أبو عامر محمد بن عبد الله القحطاني المعافري القرطبي، حاجب الخليفة الأموي هشام المؤيد، كان له همّة يُحدث بها نفسه وغيرها بإدراك معالي الأمور، قام بأعمال الخليفة المؤيد بالله، واستولى على الأندلس، وبنى لنفسه مدينة سماها الزاهرة. مات سنة ٣٩٣ هـ.
ينظر: جذوة المقتبس، ص ٧٨، سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٥، نفح الطيب ١/ ٣٨٦.