اللّيلة، ولا نستحسن أن نأخذ شيئا منكما مع هذا. فقلقت، ودخلت إلى أبي في غير تلك الصّورة، فقال: مالك؟ فأخبرته الخبر. فقال: اردد الدّارهم على أبي بكر. فدفعتها إلى من جاء بها فردّها عليه.
وكان أبي يصوم تلك الأيّام كلّها، فلما غابت الشّمس تطهّر ولم يفطر، وصلّى المغرب، وصلّيت معه، ثم أقبل على الصّلاة والدّعاء إلى أن صلّى عشاء الآخرة، ثمّ دعاني، فقال لي: اجلس يا بني جاثيا على ركبتيك.
ففعلت، وجلس هو كذلك، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال: يا ربّ، محمد بن القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا، فاحكم بيننا.
لا يزيد عليها، ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته ولم يزل يكرّرها بصياح وبكاء، واستغاثة إلى أن ظننت أنّه قد مضى ربع الليل، فو الله ما قطعها حتّى سمعت صوت الباب يدقّ فذهب عليّ أمري، ولم أشكّ في أنّه القتل، وفتحت الأبواب (١)، ودخل قوم بشموع، فتأمّلت فإذا فيهم سابور (٢) غلام القاهر بالله، فقال: أين أبو الطاهر؟ فقام أبي، وقال: ها أنا ذا. فقال: أين ابنك؟ فقال: هو ذا. فقال: انصرفا إلى منزلكما. فخرجنا وإذا هو قد قبض على الوزير محمد بن قاسم، وحدره إلى دار القاهر فانصرفنا.
وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ثم مات.
٣٧١ - وقال الأصمعيّ: أتي عبد الملك بن مروان برجل قد قامت عليه
(١) جاء في الهامش:
نم قرير العين ممّن ... بات في ضرّك ساهرٌ
وكل الباغي لباري ... وكفى بالله ناصر
(٢) سابور الخصي خادم القاهر بالله، كان أثيرا عنده، وكان يكلفه بالقبض على من يريد اعتقاله أو قتله.
٣٧١ - عيون الأخبار ١/ ٩٩، الأجوبة المسكتة ١١١، العقد الفريد ٢/ ١٦٧، الفرج بعد الشدة-
1 / 155
[تمهيد]
[مقدمة]
الفصل الأول في الشكر واستدامته النعم وصرفه المحن والنقم
الفصل الثالث في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب
الفصل الرابع في السجن والتعويق ومن خرج إلى سعة من ضيق
الفصل الخامس في نفاق الأصحاب والإخوان وتغيرهم مع تغير الزمان
الفصل السادس في القناعة والياس مما بأيدي الناس
الفصل السابع في مكارم الأخلاق والكرم ومحاسن الأخلاق والشيم
الفصل الثامن في التقوى والأمانة وقمع الهوى والديانة
الفصل التاسع في ذم الدنيا والزهادة فيها وتقلب أحوالها بأهاليها وما قيل من تنبيه ووعظ