Umm al-qurā
أم القرى
Shtëpia botuese
دار الرائد العربي
Botimi
الثانية
Viti i botimit
١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م
Vendi i botimit
لبنان/ بيروت
مُقَدّمَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد أفضل المخلوقين، وعَلى آله وَأَصْحَابه أنصار دينه الْأَوَّلين، وعَلى أتباعهم فِي مسالكهم إِلَى يَوْم الدّين.
أما بعد فَأَقُول، وَأَنا هُوَ الرحالة المتكنى بالسيد الفراتي:
إِنَّه لما كَانَ عهدنا هَذَا، وَهُوَ أَوَائِل الْقرن الرَّابِع عشر، عهدا عَم فِيهِ الْخلَل والضعف كَافَّة الْمُسلمين، وَكَانَ من سنة الله فِي خلقه أَن جعل لكل شَيْء سَببا، فَلَا بُد لهَذَا الْخلَل الطَّارِئ، والضعف النَّازِل، من أَسبَاب ظاهرية غير سر الْقدر الْخَفي عَن الْبشر؛ فدعَتْ الحمية بعض أفاضل الْعلمَاء والسراة وَالْكتاب السياسيين للبحث عَن أَسبَاب ذَلِك، والتنقيب عَن أفضل الْوَسَائِل للنهضة الإسلامية، فَأخذُوا ينشرون آراءهم فِي ذَلِك فِي بعض الجرائد الإسلامية الْهِنْدِيَّة
1 / 3
والمصرية والسورية والتاتارية، وَقد اطَّلَعت على كثير من مقالاتهم الغراء فِي هَذَا الْمَوْضُوع الْجَلِيل، وَاتَّبَعت أَثَرهم بنشر مَا لَاحَ لي فِي حل هَذَا الْمُشكل الْعَظِيم.
ثمَّ بدا لي أَن أسعى فِي توسيع هَذَا الْمَسْعَى بِعقد جمعية من سراة الْإِسْلَام فِي مهد الْهِدَايَة أَعنِي " مَكَّة المكرمة ". فَقَعَدت الْعَزِيمَة متوكلًا على الله تَعَالَى على إِجْرَاء سياحة مباركة بزيارة أُمَّهَات الْبِلَاد الْعَرَبيَّة، لاستطلاع الأفكار وتهيئة الِاجْتِمَاع فِي موسم أَدَاء فَرِيضَة الْحَج، فَخرجت من وطني، أحد مدن الْفُرَات، فِي أَوَائِل محرم سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة وَألف وكلي السن تنشد:
(دراك فَمن يدنف لعمرك يدْفن ... وَمَا نَافِع نوح مَتى قيل قد فني)
(دراك فَإِن الدّين قد زَالَ عزه ... وَكَانَ عَزِيزًا قبل ذَا غير هَين)
(فَكَانَ لَهُ أهل يُوفونَ حَقه ... بهدى وتلقين وَحسن تلقن)
(إلام وَأهل الْعلم أحلاس بَيتهمْ ... أما صَار فرضا رأب هَذَا التوهن)
(هلموا إِلَى بذل التعاون إِنَّه ... بإهماله إِثْم على كل مُؤمن)
(هلموا إِلَى (أم الْقرى) وَتَآمَرُوا ... وَلَا تقنطوا من روع رب مهيمن)
(فَإِن الَّذِي شادته أسياف قبلكُمْ ... هُوَ الْيَوْم لَا يحْتَاج إِلَّا لألسن)
1 / 4
فَأتيت بَلْدَة لَا اسميها، وَمَا أطلت الْمقَام فِيهَا حَيْثُ وَجدتهَا كَمَا وصف أُخْتهَا أَبُو الطّيب بقوله:
(وَلم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عِنْد مثلهمو مقَام)
(بِأَرْض مَا اشْتهيت رَأَيْت فِيهَا ... فَلَيْسَ بفوتها الْإِكْرَام)
فَخرجت مِنْهَا سالكا الطَّرِيق البحري من إسكندرون معرجًا على بيروت فدمشق ثمَّ يافا فالقدس، ثمَّ جِئْت إسكندرية فمصر، ثمَّ من السويس يممت الحديدة فصنعاء فعدن، وَمِنْهَا قصدت عمان فالكويت، وَمِنْهَا رجعت إِلَى الْبَصْرَة وَمِنْهَا إِلَى حَائِل إِلَى الْمَدِينَة على منورها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَكَّة المكرمة فوصلتها فِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة؛ فَوجدت أَكثر الَّذين أجابوا الدعْوَة مِمَّن كنت اجْتمعت بهم من أفاضل الْبِلَاد الْكَبِيرَة الْمَذْكُورَة وسراتها قد سبقوني بموافاتها، وَمَا انتصف الشَّهْر وَهُوَ موعد التلاقي إِلَّا وَقدم الْبَاقُونَ مَا عدا الأديب الْبَيْرُوتِي الَّذِي حرمنا الْقدر ملاقاته لسَبَب أَنبأَنَا عَنهُ فعذرناه.
وَفِي أثْنَاء انتظارنا منتصف الشَّهْر، سعيت مَعَ بعض الإخوان الوافدين فِي تحري وتخير اثنى عشر عضوا أَيْضا لأجل إضافتهم
1 / 5
للجمعية، وهم من مراكش وتونس والقسطنطينية وبغجة سراي وتفليس وتبريز وكابل وكشغر وقازان وبكين ودلهي وكلكته وليفربول.
وَإِذ كنت الْمُبَاشر لهَذِهِ الدعْوَة بادرت واتخذت لي دَارا فِي حَيّ متطرف فِي مَكَّة، مُنَاسبَة لعقد الاجتماعات بِصُورَة خُفْيَة، وَمَعَ ذَلِك استأجرتها باسم بواب داغستاني روسي لتَكون مصونة من التَّعَرُّض رِعَايَة للِاحْتِيَاط.
وَقد انْعَقَد من منتصف الشَّهْر إِلَى سلخه اثْنَا عشر اجتماعًا غير اجْتِمَاع الْوَدَاع، جرت فِيهَا مذاكرات مهمة، صَار ضَبطهَا وتسجيلها بِكَمَال الدقة كَمَا سَيعْلَمُ من مطالعة هَذَا السّجل المتضمن كَيْفيَّة الاجتماعات مَعَ جَمِيع المفاوضات والمقررات، غير مَا آثرت الجمعية كتمه كَمَا سيشار إِلَيْهِ.
1 / 6
الِاجْتِمَاع الأول
يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر ذِي الْعقْدَة سنة ١٣١٦
فِي الْيَوْم الْمَذْكُور انتظمت الجمعية للمرة الأولى وأعضاؤها اثْنَان وَعِشْرُونَ فَاضلا، كلهم يحسنون الْعَرَبيَّة، فَبعد أَن عرفت كلا مِنْهُم لباقي إخوانه، وتعارفوا بالوجوه، بادرتهم بتوزيع اثْنَيْنِ وَعشْرين قَائِمَة مهيئات قبلا، مطبوعات بمطبعة الجلاتين الَّتِي استعرتها من تَاجر هندي فِي مَكَّة لأجل طبع هَذِه الْقَائِمَة وأمثالها من أوراق الجمعية، محررًا فِي نسخ الْقَائِمَة مُخْتَصرا تراجم إخْوَان الجمعية جَمِيعهم، بِبَيَان الِاسْم وَالنِّسْبَة وَالْمذهب والمزية الخصوصية، وموضحًا فِيهَا أَيْضا مِفْتَاح الرموز الَّتِي يحْتَاج الإخوان لاستعمالها.
وأعضاء الجمعية هم: " ٤٤٣١٣٨١٥١٢٧٩٨١٢١٧٦٦٣٥٥٨٤٥٢٢ ٨٤١٣٢٥٩٣٦٥٧٢٧٨٣٥٢٦٤٣٣٢٣٢٧٤٠٤٩١٩٨٦٧٥٦٢٣٢١ "
واعني بذلك: " السَّيِّد الفراتي: والفاضل الشَّامي، البليغ الْقُدسِي، الْكَامِل
1 / 7
الإسكندري، الْعَلامَة الْمصْرِيّ، الْمُحدث اليمني، الْحَافِظ الْبَصْرِيّ الْعَالم النجدي، الْمُحَقق الْمدنِي، الْأُسْتَاذ الْمَكِّيّ، الْحَكِيم التّونسِيّ، المرشد الفاسي، السعيد الإنكليزي، الْمولى الرُّومِي، الرياضي الْكرْدِي، الْمُجْتَهد التبريزي، الْعَارِف التاتاري، الْخَطِيب القازاني، المدقق التركي، الْفَقِيه الأفغاني، الصاحب الْهِنْدِيّ، الشَّيْخ السندي، الإِمَام الصيني.
ثمَّ بادرت الإخوان جاهرًا بِكَلِمَة شعار الْأُخوة الَّتِي يعرفونها مني من قبل وَهِي (لَا نعْبد إِلَّا الله) مسترعيًا سمعهم، وخاطبتهم بِقَوْلِي:
" من كَانَ مِنْكُم يعاهد الله تَعَالَى على الْجِهَاد فِي إعلاء كلمة الله وَالْأَمَانَة لإخوان التَّوْحِيد أَعْضَاء هَذِه الجمعية الْمُبَارَكَة فليجهر بقوله: على عهد الله بِالْجِهَادِ وَالْأَمَانَة، وَمن كَانَ لَا يُطيق الْعَهْد فليعنزلنا "؛ وَمَا جال نَظَرِي فيهم إِلَّا وسارع الَّذِي عَن يَمِيني إِلَى عقد الْعَهْد ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثمَّ وَثمّ إِلَى آخِرهم.
ثمَّ التمست مِنْهُم أَن ينتخبوا أحدهم رَئِيسا يُدِير الجمعية ومذاكراتها، وَآخر كَاتبا يضْبط المفاوضات ويسجل المقررات؛ فَأَجَابَنِي الْعَلامَة الْمصْرِيّ: " إِن معرفَة الإخوان بَعضهم بَعْضًا جَدِيدَة الْعَهْد، وَإنَّك
1 / 8
أشملهم معرفَة بهم، فَأَنا أترك الانتخاب لَك "؛ وَمَا أتم رَأْيه هَذَا إِلَّا وَأجْمع الْكل على ذَلِك، فَحِينَئِذٍ أعلنت لَهُم أَنِّي أتخير للرئاسة الْأُسْتَاذ الْمَكِّيّ، وأتخير نَفسِي لخدمة الْكِتَابَة، تفاديًا عَن أتعاب غَيْرِي فِي الْخدمَة الَّتِي يمكنني الْقيام بهَا، واستأذنت الأفاضل الأعجام مِنْهُم بِنَوْع من التَّصَرُّف فِي تَحْرِير بعض ألفاظهم، فأظهر الْجَمِيع الرضاء والتصويب، وَصرح الْأُسْتَاذ بِالْقبُولِ مَعَ الامتنان من حسن ظنهم بِهِ، وَاسْتولى على الجمعية السُّكُوت ترقبًا لما يَقُول الرئيس.
أما الْأُسْتَاذ الرئيس فقطب جَبينه مستجمعًا فكره، ثمَّ اسْتهلّ فَقَالَ:
الْحَمد لله عَالم السِّرّ والنجوى، الَّذِي جَمعنَا على توحيده وَدينه وأمرنا بالتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نَبينَا مُحَمَّد الْقَائِل (الْمُسلم للْمُسلمِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا)، وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين جاهدوا فِي الله انتصارًا لدينِهِ، لم يشغلهم عَن إعزاز الدّين شاغل، وَكَانَ أَمرهم شُورَى بَينهم يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم اللَّهُمَّ إياك نعْبد لَا نخضع لغيرك، وَإِيَّاك نستعين لَا نَنْتَظِر نفعا من سواك وَلَا نخشى ضرًا، اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي لَا خفيات وَلَا ثنيات
1 / 9
فِيهِ صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم بِنِعْمَة الْهِدَايَة إِلَى التَّوْحِيد، غير المغضوب عَلَيْهِم بِمَا أشركوا وَلَا الضَّالّين بعد مَا اهتدوا، سُبْحَانَكَ رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيء لنا من امرنا رشدا.
وَبعد فيا أَيهَا السادات الْكِرَام، كل منا يعلم سَبَب اجتماعنا هَذَا من سَابق مفاوضات أخينا السَّيِّد الفراتي، الَّذِي أجبنا دَعوته لهَذِهِ الجمعية شاكرين سَعْيه.
وَلذَلِك لَا أرى لُزُوما للبحث عَن السَّبَب، كَمَا لَا أجد حَاجَة لتنشيط همتكم وتأجيج حميتكم لأننا كلنا فِي هَذَا العناء سَوَاء، وَلَكِن أذكركم بخلاصة تَارِيخ هَذِه الْمَسْأَلَة فَأَقُول:
إِن مَسْأَلَة تقهقر الْإِسْلَام بنت ألف عَام أَو أَكثر، وَمَا حفظ عز هَذَا الدّين الْمُبين كل هَذِه الْقُرُون المتوالية إِلَّا متانة الأساس، مَعَ انحطاط الْأُمَم السائرة عَن الْمُسلمين فِي كل الشؤون، إِلَى أَن فاقتنا بعض الْأُمَم فِي الْعُلُوم والفنون المنورة للمدارك، فربت قوتها، فنشرت نفوذها على أَكثر الْبِلَاد والعباد من مُسلمين وَغَيرهم؛ وَلم يزل الْمُسلمُونَ فِي سباتهم إِلَى أَن استولى الشلل على كل أَطْرَاف جسم المملكة الإسلامية؛ وَقرب الْخطر من الْقلب، اعني (جَزِيرَة
1 / 10
الْعَرَب)، فتنبهت أفكار من رزقهم الله بَصِيرَة بالعواقب ووفقهم لنيل أجر الْمُجَاهدين، فهبوا ينشرون المواعظ والتذكرة والمباحث المنذرة، فَكثر المتنبهون، وتحركت الخواطر، لَكِنَّهَا حَرَكَة متحيرة الْوَجْه، ضائعة الْقُوَّة، فَعَسَى الله أَن يرشد جمعيتنا للتوصل لتوحيد هَذِه الوجهة وَجمع هَذِه الْقُوَّة.
وبتدقيق النشريات والمقالات الَّتِي جَادَتْ بهَا أَقْلَام الْفُضَلَاء فِي هَذَا الْمَوْضُوع ترى كلهَا دَائِرَة على أَرْبَعَة مَقَاصِد ابتدائية فَقَط:
الأول مِنْهَا: بَيَان الْحَالة الْحَاضِرَة، وَوصف إعراضها بِوَجْه عَام وَصفا بديعًا يُفِيد التأثر وَيَدْعُو إِلَى التدبر، على أَن ذَلِك لَا يلبث إِلَّا عَشِيَّة أَو ضحاها.
وَالثَّانِي: بَيَان أَن سَبَب الْخلَل النَّازِل هُوَ الْجَهْل الشَّامِل بَيَان إِجْمَال وتلميح، مَعَ أَن الْمقَام يَقْتَضِي عدم الاحتشام من التَّفْصِيل والتشريح.
وَالثَّالِث: إنذار الْأمة بِسوء الْعَاقِبَة المحدقة بهَا إنذارًا هائلًا تطير مِنْهُ النُّفُوس، مَعَ أَن الْحَال الْوَاقِع لَا تغني فِيهِ النّذر.
وَالرَّابِع: تَوْجِيه اللوم والتبعة على الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء والكافة لتقاعدهم عَن اسْتِعْمَال قُوَّة الِاتِّفَاق على النهضة، مَعَ أَن الِاتِّفَاق وهم
1 / 11
متشاكسون مُتَعَذر لَا متعسر
فَهَذِهِ الْمَقَاصِد القولية قد استوفت حَقّهَا من أَنْوَاع بَدَائِع الأساليب، وآن أَوَان استثمارها، وَذَلِكَ لَا يتم إِذا لم يشخص الْمَرَض أَو الْأَمْرَاض الْمُشْتَركَة، تشخيصًا مدققًا سياسيًا، بالبحث أَولا عَن مراكز الْمَرَض، ثمَّ عَن جراثيمه، ليتعين بعد ذَلِك الدَّوَاء الشافي الأسهل وجودا والأضمن نتيجة، وبالتنقيب ثَانِيًا عَن تَدْبِير إِدْخَاله فِي جسم الْأمة بحكمة تصرع العناد وَالوهم، وتتغلب على مقاومة أَعْضَاء الذَّوْق والشم.
ثمَّ أظنكم أَيهَا السَّادة تستحسنون الاكتتام الَّذِي اخْتَارَهُ أَكثر هَؤُلَاءِ الْكتاب الأفاضل، لِأَن لذَلِك محسنات بل مُوجبَات شَتَّى يَنْبَغِي أَن تستعملها جمعيتنا أَيْضا؛ فلنحرص كلنا على الاكتتام لِأَن من موجباته الْتِزَام كل منا المشرب الْعمريّ، أَعنِي القَوْل الصَّرِيح فِي النَّصِيحَة للدّين بِدُونِ رِيَاء وَلَا استحياء وَلَا مُرَاعَاة ذوق عَامَّة أَو عتاة، لِأَن حَيَاء الْمَرِيض مهلكة، وكتم الْأَمر المستفيض سخافة، وَالدّين النَّصِيحَة، وَلَا حَيَاء فِي الدّين.
وَمن مُوجبَات الاكتتام أَيْضا أَن كل مَا يخالج الْفِكر فِي مَوْضُوع مَسْأَلَتنَا مَعْرُوف عِنْد الْأَكْثَرين، وَلَكِن بِصُورَة مشتتة،
1 / 12