Tisāʿiyyāt ibn al-ʿaṭṭār

تساعيات ابن العطار

[تساعيات ابن العطار]

بسم الله الرحمن الرحيم

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت

قال الشيخ الإمام العلامة بقية السلف، وعمدة الخلف، علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن العطار الشافعي رضي الله عنه.

الحمد لله القديم الإحسان، ذي الطول والفضل والامتنان، الذي من علينا بالإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان. أحمده حمدا يقوم بآلائه في السر والإعلان، وأشكره شكرا أستمد به الزيادة من فضله لا النقصان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة راسخة في القلب واللسان، ثابتة القواعد والأركان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد بني عدنان، المبعوث بالحكمة والبيان، المكرم بالرسالة إلى الناس كافة في كل الأقطار والبلدان، المخصوص بالقرآن، المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان، فلم يزل داعيا إلى توحيد الملك الديان، مجاهدا في الله تعالى حق جهاده كاسرا للصلبان، قائما بالحق مزهقا للباطل حتى دحض أهل الزيغ والطغيان، ورجعوا عن عبادة الأوثان، إلى طاعة الرحمن، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الممدوحين في القرآن، والتابعين لهم بإحسان، ما اختلف الملوان، وما تكررت نعمه .. .. وتعاقب الجديدان.

أما بعد:

فإن الاشتغال بالحديث وعلومه مندوب إليه يرغب فيه الفحول من الذكران، ويزهد فيه الأغبياء الأرذال أهل الحرمان، أهله منصورون

Faqja 15

مثابون عليه، وأعداؤه مقهورون محتاجون إليه، ذكر الله عز وجل أهله في كتابه، فقال عز من قائل:

{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.

ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطابه، فقال في الحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم : ((نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها)).

فنفروا في طلبه وقاموا بالنذارة، رجاء دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالنضارة، وأحسنوا -في تبليغهم أحاديثه- السفارة.

قال سفيان الثوري رحمه الله.

ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه)).

وقال أبو يعقوب البويطي: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . هو بمنزلته.

قال لنا الشافعي: جزاهم الله عنا خيرا؛ إنهم حفظوا لنا الأصل،

Faqja 16

فلهم علينا فضل.

وقال علي بن المديني -الإمام المشهور بالعلم والفضل-:

ليس قوم خيرا من أصحاب الحديث، الناس في طلب الدنيا وهم في إقامة الدين.

وقال عمر بن حفص بن غياث: سمت أبي يقول - وقد قالوا له: يا أبا عمرو ما ترى أصحاب الحديث كيف تغيروا؟! قد فسدوا! قال: هم على ما هم عليه خير القبائل.

واعلم أن الإسناد خصيصة لهذه الأمة وسنة بالغة من السنن المؤكدة، وطلب العلو فيه سنة أيضا؛ ولذلك استحبت الرحلة.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف.

وقال سعيد بن المسيب سيد التابعين رحمه الله: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.

وقال محمد بن أسلم الطوسي -وهو العالم الرباني-: قرب الإسناد قرب إلى الله عز وجل.

واعلم أنه ليس العلو في الحديث قرب الإسناد، بل ما ذكره الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك وهو: صحة الرجال، فإن اجتمعا في خبر فناهيك به رفعة، وشد يديك عدة وعمدة.

Faqja 17

وقد ثبت في ((الصحيح)): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).

ومقتضى هذا: أن من أدرك إسنادا عاليا في الصغر رجي عند الشيخوخة والكبر أن يكون من قرن أفضل من القرن الذي هو فيه، ومن القرن الذي يأتي بعده ويليه، كما أن الرواية عن الصحابي أعلى وأجمل من الرواية عن التابعين؛ لرؤيته النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا الرواية عن التابعين أولى وأجمل من الرواية عن تابع التابعي؛ لرؤيته الصحابي. وعلى هذا فليقس من باقي القرون إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد ورد في طلب العلو سنة صحيحة ثابتة في ((صحيح البخاري)) تعليقا و((مسلم)) -رحمهما الله- من حديث أنس رضي الله عنه قال:

((كنا قد نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، وكانوا أجرا على ذلك منا. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتان رسولك فزعم: أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله. قال: فالبذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب فيها الجبال، وجعل فيها المنافع، آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك: أن علينا صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: صدق .. .. )) الحديث بطوله.

فهذا الدليل على طلب المرء العلو من الإسناد والرحلة فيه؛ فإن الرجل المذكور في الحديث من أهل البادية -هو ضمام بن ثعلبة- لما جاءه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فرض عليهم لم يقنعه ذلك حتى

Faqja 18

رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع منه، فلو كان طلب العلو غير مستحب لأنكر عليه صلى الله عليه وسلم سؤاله عما أخبره رسوله عنه. والله عز وجل أعلم.

وقد أجمع أهل النقل على طلبهم العلو ومدحه؛ إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحلوا، وقد وجدنا الأئمة المقتدى بهم في هذا الشأن سافروا الآفاق في سماعه، ولو اقتصروا على النزول لوجد كل واحد منهم ببلده من يخبره بذلك الحديث، قد خرج جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله من المدينة -وهو من أجلاء الصحابة- إلى مسلمة بن مخلد وهو بمصر- في حديث واحد بلغه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقتنع بالسماع عمن بلغه إياه مع وثوقه به وعدالته عنده؛ إذ لو لم يكن المبلغ ثقة عنده عدلا لم يخرج بقوله من المدينة إلى مصر.

واعلم أن رتبة المحدث رتبة رفيعة ليس فوقها رتبة؛ لأنه لا تقام سنة، ولا تمات بدعة، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، إلا وهو دليل على فضلهم؛ لأنهم الذين رووه ونقلوه ودونوه حتى بلغ إلى من عمل به، مع ما في ذلك من كون أسمائهم مقترنة باسم النبي صلى الله عليه وسلم .

قال يحيى بن أكثم: قال لي الرشيد يوما: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين. قال: فتعرف أجل مني؟ قلت: لا. قال: لكني أعرفه، رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت: يا أمير المؤمنين هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي عهد المسلمين؟! قال: نعم، ويلك! هذا خير مني؛ لأن اسمه مقترن باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت أبدا، ونحن نموت

Faqja 19

ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر.

واعلم أنا ذكرنا لعلو السند شرطين:

أحدهما: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث العدد بإسناد متصل نظيف.

والثاني: عدالة رجاله أو كونهم مستورين، بحيث يدخلون في حد الحسن، فإن كانوا ضعفاء لم يعد ذلك عاليا. فكم من حديث يظهر لغير النقاد أنه لقرب إسناده عال وليس كذلك، بل ينبغي الإعراض عنه كحديث خراش عن أنس رضي الله عنه وما شاكله من النسخ الضعيفة، وإنما يكتبها حفاظ الآثار للمعرفة بها، وليبينوا كونها ضعيفة أو موضوعة لتجتنب.

وقد أخبرنا بحديث خراش الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن المطهر بن أبي عصرون الشافعي الموصلي بقراءتي عليه في العشرين من المحرم سنة تسعين وستمائة، قلت له: أخبرك أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل البزاز الهروي إذنا، قال: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي، أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي بتخريج أبي سعد السكري، أخبرنا أبو بكر الطرازي، أخبرنا أبو سعيد الحسن بن علي بن زكريا ابن صالح العدوي ببغداد، حدثنا خراش بن عبد الله الطحان، حدثنا مولاي أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(الوجه الحسن يجلو البصر، والوجه القبيح يورث الكلح).

Faqja 20

فقد وقع لنا هذا الحديث ثمانيا، وهو عزيز الوجود لنا، لكنه شبه الريح، وقد قال في إسناد مثله -سنذكره إن شاء الله تعالى- الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي:

((هذا إسناد شبه الريح؛ لأن خراشا مجهول، والعدوي كذاب والحمل فيه عليه، والمتن موضوع وضعه العدوي)).

هذا آخر كلامه. والله أعلم.

وقال أبو سعد السكري: ((هذا غريب من حديث أنس لم نكتبه إلا من حديث خراش بن عبد الله عنه، عال من حديث أبي سعيد عنه وبه يعرف)).

أخبرنا أبو العباس بن أبي الخير بن إبراهيم الحداد الحنبلي قراءة عليه وأنا أسمع في الثاني من شوال سنة سبع وستين وستمائة، قيل له: أخبرك الإمام أبو جعفر محمد بن إسماعيل بن محمد الطرسوسي إذنا فأقر به، قال: أخبرنا الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الخطيب الصريفيني إملاء من حفظه ببغداد، حدثني أبو حفص عمر بن إبراهيم الكتاني المقرئ، حدثني أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، حدثني خراش بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الصوم جنة).

Faqja 21

وهذا -أيضا- ثماني لنا، وفيه الكلام المتقدم في الحديث قبله.

قال المقدسي أبو الفضل ابن طاهر:

((قوله: ((الصوم جنة)) صحيح من طريق أبي هريرة، فركب العدوي إسنادا وجعله عن أنس بعلو)).

قلت:

حديث ((الصوم جنة)) رواه البخاري في التوحيد عن أبي نعيم الفضل بن دكين، ولفظه: ((يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنة، وللصائم فرحتان)) الحديث والله أعلم.

قال الحافظ أبو الفضل محمد ابن طاهر المقدسي:

((فإذا ورد عليك أحاديث هذا مع أمثاله -مثل: كثير بن سليم، ويغنم بن سالم بن قنبر، وفرج وموسى بن عبد الله الطويل، وأبي الدنيا عثمان بن الخطاب، وخراش بن عبد الله-، فلا تفرح بها ولا تعرج عليها. وهؤلاء قوم معرفون عند أهل النقل ب ((طيور السن))، ورواياتهم شبه الريح، يدعون أعمارا طويلة، ويروون أحاديث دخيلة، لم يحتج بحديثهم محتج، ولم ينقل في كتب الأئمة عنهم شيء، وإنما تنقل أحاديثهم للمعرفة والاستدلال بها على كذبهم وضعفهم، أعاذنا الله وإياك من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم )). هذا آخر كلامه.

واعلم أن العلماء قسموا العلو أقساما:

أحدها: ما ذكرناه، وهو: القرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح أو حسن.

Faqja 22

وهذا القسم أعلاها.

الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث. وإن كثر العدد بعده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة. وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة.

الرابع: العلو بتقدم السماع.

الخامس: العلو بتقدم وفاة الراوي.

وبسط الكلام على هذه الأقسام معروف في كتب علوم الحديث وغيرها، وسيعلم بعضه من الكلام على الأحاديث التي سنخرجها إن شاء الله تعالى.

وأن أشرع -إن شاء الله تعالى- في تخريج أحاديث معظمها من القسم الأول (تساعية الإسناد)، وهي أعلى ما يقع لأمثالنا.

وقد كنت سئلت عن تخريج أربعين حديثا تساعية بالقاهرة المحروسة، فخرجت لهم اثنين وعشرين حديثا؛ لأن سماعاتي كلها لم تكن حاضرة عندي بها، واعتذرت بذلك لهم فقبلوه، وسمعوها مني وكتبوا بها نسخا، ولله الحمد والمنة على ذلك وغيره من وجوه الخيرات، إنه قريب مجيب الدعوات.

Faqja 23

الحديث الأول

1- أخبرنا قاضي القضاة أبو الفرج أبو محمد عبد الرحمن ابن الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام المقدسي الحنبلي الإمام المفتي الخطيب، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الأصبهاني إذنا، قال: أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الجوزدانية قراءة عليها وأنا أسمع، قالت: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن زياد التاجر، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني رحمه الله، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار).

وأخبرناه أبو الفرج ابن أبي عمر القاضي وأبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف الخطيب ببيت الأبار، قالا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد البغدادي. وقال: ابن أبي عمر: وأبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد اللغوي، قالا: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أيوب بن ماسي، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي، حدثنا الأنصاري، حدثني سليمان التيمي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).

هذا حديث صحيح، عال تساعي، متواتر، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلائق من الصحابة رضي الله عنهم.

أخرجه البخاري في ((صحيحه)) عن مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد.

فوقع له ثلاثيا وبدلا عاليا في الرواية الأولى، ووقع لنا تساعيا في الروايتين المذكورتين على شرط الصحيح فيهما، ولله الحمد.

واسم أبي عاصم المذكور في الرواية الأولى: الضحاك بن مخلد. والله عز وجل أعلم.

Faqja 25