Al-Talkhīṣ li-wujūh al-takhlīṣ

التلخيص لوجوه التخليص

Redaktori

د . إحسان عباس

Shtëpia botuese

المؤسسة العربية للدراسات والنشر

Botimi

الثانية

Viti i botimit

1987 م

Vendi i botimit

بيروت / لبنان

- 5 - رسالة التلخيص لوجوه التخليص

[ 235 ب ] بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم صلى على محمد وعلى آله

قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم رحمه الله : سلام عليكم أيها الاخوة الفضلاء ، والصدقاء الكرام ، المغتبط بودهم ، الذي هو أفضل من القرابة الواشجة والمجاورة الدائمة ، فقد بشر الله عز وجل المتحابين فيه بأتم البشرى ، وأنه يظلهم يوم لا ظل إلا ظله . فأني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو الموفق للخير ، الواهب للنعم ، وأسأله الصلاة على نبيه ورسوله وصفيه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأستوهبه تعالى لي ولكم المزيد من كل حسنة مقربة منه ومبعدة ( 1 ) من سخطه . قال أبو محمد : أما بعد ، فإن كتابكم ورد علي وفي أوله وصفكم لي بما لست أهله عند نفسي ، ولكني احدث بنعمة الله تعالى علي مؤتمرا لأمره إذ يقول عز وجل { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : 11 ) ، فأقول : بلى ، عن الله تعالى عندي نعما أنا أسأله ثم أرغب إليكم بالأمانة التي عرضها الله تعالى { على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } ( الأحزاب : 72 ) أن تسألوه تعالى لي ولكم إذ يخفف في سجودكم في أواخر ليلكم ، أن لا يجعل ما وضع عندنا من مادة الفهم في دينه فتنة لنا في دينه ، ولا حجة علينا في الآخرة ، وأن يجعل ما أودعنا من ذلك عونا على طاعته في هذه الدار ، وزلفى لديه تعالى في دار القرار ، آمين آمين . والذي ذكرتم من وجوب الإرشاد للمسترشد ، ولزوم البيان لمن سأل ، فنعم ، سمعا وطاعة لأمر الله تعالى إذ يقول : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم } ( البقرة : 159 ، 160 ) ، أعاذنا الله وإياكم من كل ما يؤدي للفتنة ، ورزقنا البيان الموجب لمرضاته وتوبته ، آمين .

Faqja 143

ولقد ذكر بعض ( 1 ) أهل العلم وابتغاء الخير في الشيخ الفاضل أبي الخيار مسعود ابن سليمان بن مفلت ( 2 ) رضي الله عنه معتمدا قويا ومعتقدا ( 3 ) كافيا ، برد الله مضجعه ، [ 236 / أ ] ونفعه بفضله وعمله ، وصحة ورعه وفهمه ، وصدعه بالحق ، رفع الله بذلك درجته . وأما ما ذكرتم من صفتي عنكم فأقول على ذلك ما قال سفيان ابن عيينة ، رحمه الله ، إذ رأى حاجة الناس إليه بذهاب السالفين من أئمته ، فأنشد رافعا صوته بحضرة الجماعة ( 4 ) : خلت الديار فسدت غير مسود . . . ومن الشقاء تفردي بالسؤدد ورأيت المسائل التي سألتم عنها ، فوجدتها مسائل لا يستغني من له أقل اهتمام بدينه عن البحث عنها والوقوف عليها . ولقد أجدتم ( 5 ) السؤال ، وأنا أسأل الله تعالى [ أن ] يوفق لإصابة الجواب عنه يا رب العالمين . ورأيتكم سألتم في بعض تلك المسائل بألفاظ شتى والمعنى واحد ، فنصصت ألفاظكم فيها لتقفوا على ذلك إن شاء الله تعالى .

1 - سألتم - وقفنا الله وإياكم - عن أقرب ما يعتب به العبد المجرم ربه تعالى ، وعن أفضل ما يستنزل به عفوه وفضله عز وجل ، ويستدفع به سخطه وغضبه ، وعن انفع ما يشتغل به من كثرت ذنوبه ، وعن خير ما يسعى به المرء في تكفير صغائره وكبائره . فهذه أيها الصفوة الفاضلة أربع مسائل فرقتم بينها ومعناها واحد . فالجواب إن شاء الله تعالى عن ذلك . قال تعالى : { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . وحدثنا الرجل الصالح [ أبو ] محمد [ عبد الله ] بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ( 6 ) ، عن عبد الوهاب بن عيسى ،

Faqja 145

عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، عن قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر ، أنبأنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( 1 ) : ' الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر ' ، فكان هذا الحديث موافقا لقول الله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) . فصح أن بأداء الفرائض واجتناب الكبائر - أعاذنا الله وإياكم منها - تحط السيئات التي هي دون الكبائر . فبقى أمر الكبائر ، فوجب النظر فيها ، فوجدنا الناس قد اختلفوا فيها ( 2 ) . فقالت طائفة : هي سبع ، واحتجوا بحديث النبي عليه السلام ( 3 ) [ 236 ب ] : ' اجتنبوا السبع الموابقات ، فذكر عليه السلام الشرك ، والسحر ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ' وروي عن ابن عباس أنه قال : هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع . فوجب النظر فيما اختلفوا فيه من ذلك ، ورده إلى القرآن وحديث النبي الصحيح عنه كما أمرنا ربنا عز وجل : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ( النساء : 59 ) ، فلما فعلنا ذلك ، وجدنا الحديث المذكور الذي احتج به من قال : إن الكبائر سبع ، لا أكثر ليس فيه نص على أنه لا موبقات إلا ما ذكر فيه ، ولا فيه ما يمنع من وجوب موبقات أخر إن جاء بذلك نص آخر . وأما لو لم يأتنا آخر في أن ليس ها هنا كبائر غير السبع المذكورة ، لوجب علينا الاقتصار على ما في ذلك الحديث فقط . وإما وجدنا نصا آخر بإثبات كبائر لم تذكر في هذا الحديث ، فواجب علينا إضافتها إلى الموبقات المذكورة فيه ،

Faqja 145

لأنه ليس شيء من كلامه عليه السلام أولى بالقبول من بعض ، بل الكل واجب قبوله ، ولا تعارض في شيء منه ، لأنه كله من عند الله عز وجل ، قال الله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ( النجم : 3 ) ، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ، قال الله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . فصح بهذا ما قلنا من ضم ما يوجد في النصوص ضما واحدا ، وقبوله كله وإضافته بعضه إلى بعض ، فنظرنا في ذلك فوجدناه عليه السلام قد ادخل في الكبائر وبنص لفظه غير الذي ذكر في الحديث الذي ذكرنا آنفا ، فمنها : قول الزور ، وشهادة الزور ، وعقوق الوالدين ، والكذب عليه السلام ، وتعريض المرء أبويه للسب بأن يسب آباء الناس . وذكر عليه السلام الوعيد الشديد بالنار على الكفر ، وعلى كفر نعمة المحسن بالحق ، وعلى النياحة في المآتم ، وحلق الشعور فيها ، وخرق الجيوب ، والنميمة ، وترك التحفظ من البول ، وقطيعة الرحم ، وعلى الخمر ، وعلى تعذيب الحيوان بغير الذكاة لأكل ما يحل أكله ، أو ما أبيح أكله منها ، وعلى إسبال الإزار ، على سبيل البخترة ، وعلى المنان بما يفعل من الخير ، وعلى المنفق سلعته بالحلف الكاذب ، وعلى مانع فضل مائه من الشارب ، وعلى الغلول ، وعلى مبايعة الأئمة للدنيا فإن أعطوا منها وفي [ 237 / أ ] لهم وغن لم يعطوا منها لو يوف لهم ، وعلى المقتطع بيمنه حق امرئ مسلم ، وعلى الإمام الغاش لرعيته ، وعلى من ادعى إلى غير أبيه ، وعلى العبد الآبق ، وعلى من غل ، وعلى من ادعى ما ليس له ، وعلى لاعن ما لا يستحق اللعن ، وعلى بغض الأنصار ، وعلى تارك الصلاة ( 1 ) ، وعلى تارك الزكاة ، وعلى بغض علي . ووجدنا الوعيد الشديد في نص القرآن قد جاء على الزناة والمفسدين في الأرض بالحرابة ، فصح لي أن كل ما يوعد الله به النار فهو من الكبائر ( 2 ) . فلما صح هذا كله بنص القرىن ، إذ من اجتنبها أدخله الله مدخلا كريما ، ونص الحديث أيضا ، وجب النظر في ذلك على المؤمن المشفق من عذاب ربه تعالى ومن نار هي أحر من نار هذه بسبعين ضعفا ، ومن الوقوف بأصعب الأحوال وأشد الأهوال واعظم الكرب واكثر الضيق وأكثر العرق

Faqja 146

في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من شر ذلك اليوم ، وأن يرزقنا فيه الفوز والنجاة . فوالله أيها الأحبة إن أحدنا ليشتد روعه ويخفق قلبه من وعيد آدمي ضعيف مثله لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا يقدر أن يتمادى شهرا واحدا في عذاب من عاداه وكاشفه بأكثر من الحبس ، فكيف بذلك اليوم المذكور ، وبعذاب أهونه الوقوف في حال دنو الشمس من الرءوس ، وبلوغ العرق إلى أكثر مساحة الأجسام ، في يوم طوله خمسون ( 1 ) ألف عام ، ثم بعد ذلك يرى مصيره إما إلى جنة أو إلى نار فأين المفر إلا إلى الله وحده لا شريك له فوجدناه تعالى قال : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } ( الأنبياء : 47 ) ، وقال تعالى : { فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ماهيه * نار حامية } ( القارعة : 6 - 11 ) ، فعلمنا بهذا وبقوله تعال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) ، أن من استوت حسناته وسيئاته وفضلت له حسنة واحدة لم ير نارا فيا لها من سرور ما أجله ، وهذا هو معنى قوله عليه السلام ( 2 ) : ' إن بغيا سقت كلبا فغفر الله لها ، وإن رجلا أماط غصن شوك عن الطريق فأدخله الله الجنة ' وذلك أن هذين فضل لهما هذان العملان بعد موازنتهما سيئاتهما بحسناتهما ، فخلصا من النار [ 237 ب ] ودخلا الجنة . فوجب علينا إذ قد جاءتنا عهود ربنا بهذا كله ، أن نطلب الأعمال الماحية أو الموازنة للسيئات ، فيثابر المرء منها على ما وفقه الله تعالى للمثابرة عليه . فوجدناه ، عليه السلام ، قد سئل عن أحب الأعمال إلى الله تعالى ، فذكر الصلاة لميقاتها ، والجهاد ، وكثرة السجود ، وذكر عليه السلام انه ( 3 ) : ' لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها ، ورجل أوتي مالا فسلطه الله على هلكته في الحق ' ، وذكر لعمر ، رضي الله عنه ، تحبيس أصل ماله وتسبيل ثمرته ، وذكر عليه السلام أنه ( 4 ) ' لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو سبع أو إنسان إلا كان له

Faqja 147

صدقة ' . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وجب إتحافكم به ، فهو من أفضل الهدايا ، وذلك ما حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن نامي بالإسناد المتقدم إلى مسلم ، أنبأنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي ، ثنا محمد بن ميمون ثنا واصل الأحدب مولى أبي عيينة ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي الأسود الدؤلي ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( 1 ) : ' يصبح على كل سلامي من احكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بمعروف صدقة ، ونهي عن منكر صدقة ، ويجزئ من كل ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ' . وحديث رويناه من طريق مالك عن سمي مولى أبي بكر ( 2 ) ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن النبي عليه السلام قال ( 3 ) : ' من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، في كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى به إلا من عمل ( 4 ) أكثر من ذلك ' . وصح عنه عليه السلام أنه قال لأصحابه رضي الله عنهم ( 5 ) : ' أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة قالوا : وكيف يا رسول الله قال : إن ' قل هو الله أحد ' تعدل ثلث القرآن ' وانه عليه السلام ذكر لهم سبحان الله والحمد لله والله أكبر ، عددا يبلغ مائتين وخمسين مرة لكل واحدة منهن عشر حسنات فذلك ألفان وخمسمائة حسنة كل يوم ، وأنه عليه السلام قال ( 6 ) : فأيكم يعمل في يومه ألفين وخمسمائة سيئة أو كلاما هذا معناه ؛ وأمر عليه السلام الفقراء إذ شكوا إليه [ أن ] الأغنياء يعتقون وتصدقون ، وهم لا يقدرون على ذلك [ 238 / أ ] فأمرهم عليه السلام أن يقولوا في دبر كل صلاة :

Faqja 148

الله اكبر أربعا وثلاثين مرة ، وسبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة ، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة فتلك مائة . وقد نص الله أن الحسنة بعشرة أمثالها ، فعلى هذه للمائة المذكورة ألف حسنة ( 1 ) . وحض النبي على قول لا حول ولا قوة إلا بالله ، وأخبر أنها من كنوز الجنة ( 2 ) . وحض عليه السلام على الاستغفار ، وأخبر عليه السلام أنه ربما استغفر في اليوم مائة مرة . فهذه وصايا نبيكم الذي بنا رءوفا رحيما حريصا على صلاحنا ، الذي لا ينطق عن الهوى عن هو إلا وحي يوحى ، فعليكم بها ، ودعوا أقوال البطالين الكذابين المفسدين في الأرض القائلين إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة البطالين ، كذبوا وأفكوا ، بل هم البطالون المبطلون حقا ، العائجون عن سبيل ربهم وعن صراط نبيهم المستقيم ، بل الاستغفار تركه علامة الفاسقين المصرين المستخفين ، نعوذ بالله من مثل سيرتهم . فهذه وفقنا الله وإياكم حظوظ رفيعة مع سهولة مأخذها ، وقرب متناولها ، لا تقطع بأحد منكم عن عمله ، ولا تقطع جسمه ، ولا ترزؤه كلفة ، إذ أحصاها عالم الغيب والشهادة عز وجل اجتمع بها ما يرجى تثقيل ميزان الحسنات ، فتحبط بذلك السيئات ، فلعل النجاة تحصل . ولسنا نقول هذا على الاقتصار على ذلك دون الاستكثار من سائر أعمال الخير ، ومن تلاوة القرآن ما أمكن ، فإنا روينا عن ابن عباس رضي الله عنه ، أو عن أنس بن مالك - الشك مني - انه قال ( 3 ) : إنكم لتعلمون أعمالا هي أدق في عيونكم من الشعر ، كنا نعهدها على عهد رسول الله من الموبقات ، فاعلموا أيها الإخوة أن الأمر والله جد ، وان المنتشب صعب ، وأن التخليص عسير إلا بتوفيق الله عز وجل برحمته لعمل الخير ، بقبول اليسير منا ، وتجاوزه عن كثير ذنوبنا ، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، ولكن الله تعالى قال وقوله الحق : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى } ( سورة النجم : 39 - 42 ) و { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } ( سورة النمل : 90 ) ، وقال تعالى { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } ( سورة يس : 54 ) .

Faqja 149

فيستحب للمسلم الذي يطلب النجاة أن يأتي بما لعله أن يوازي ذنوبه ويوازن سيئاته ، وأن يواظب على قراءة القرآن فيختمه في كل شهر مرة ، فإن ختمه في أقل فحسن ما بين ما ذكرنا إلى أن يختمه في ثلاث لا أقل ، ولا يسع أحدا أن يختمه في أقل من ذلك ، ويواظب مع ذلك [ 238 ب ] على قراءة قل هو الله أحد ، ولو في كل ركعة من صلاته مع أم القرآن وسورة أخرى ، فإنا روينا أن رجلا من الأنصار كان يفعل ذلك ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعله ذلك فقال : إني أحبها ، فقال عليه السلام : عن حبك إياها أدخلك الجنة ، أو كما قال . وإن لم يفعل فليقرأها في كل يوم مرة ، فإنها تعدل في الآخر ثلث القرآن ، وهذا الآخر لا يحقره إلا مخذول ، فإن كثر منها فحظه أصاب ؛ وليكثر من الصلاة على النبي متى ذكر ، فإنا روينا عنه انه قال ( 1 ) : من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا . أفيزهد أحدكم عند الأكل والشرب وعند المسرة ترده ، [ إلا ] محروم . وليكثر من حمد الله عز وجل عند الأكل والشرب وعند المسرة ترده ، فقد روينا عن النبي عليه السلام في ذلك كلاما معناه أن العبد لا يزال يفعل ذلك حتى يرضى الله عنه ، أو كلاما هذا معناه ، وليكثر من قول لا إله إلا الله ، فإنها ألفاظ تتم بحركة اللسان دون حركة الشفتين فلا يشعر بذلك الجليس . وليواظب على صلاة الفرض في الجماعة ، فإنه صح عن النبي عليه الصلاة أن صلاة الصبح في الجماعة تعدل قيام ليلة ، وصلاة عشاء الآخرة في الجماعة تعدل قيام نصف ليلة ( 2 ) ، فأيكم أيها الأخوة يطيق القيام ما بين طرفي ليلة لا ينام فيها أو نصف ليلة كذلك فقد حصل له هذا الأجر تاما بأهون سعي وأيسر شيء . وليكثر من ألفاظ رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهي انه دخل على إحدى أمهات المؤمنين وهي في مصلاها تذكر الله عز وجل ، فقال لها رسول الله : لو قلت كلمات ثلاثا فوزنت ( 3 ) بما قلت لرجحتهن - أو قال : لعدلتهن ( 4 ) - وهي : ' سبحان الله عدد خلقه ، ورضى نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته ' ، فنحن نستجب أن يقولها العبد ثلاثا كل يوم ، وليواظب جهده ، وقد صح أن العبد يحاسب

Faqja 150

يوم القيامة ، فإن وجد في فرائض صلاته نقص جبر من تطوع عن كان له ، وكذلك في صيامه وزكاته وسائر أعماله ، ورويناه من طريق تميم الداري عن رسول الله ، ويبين صحة هذا قوله تعالى : { إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } ( آل عمران : 195 ) ، ولا يلتفت إلى قول من يصد عن سبيل الله : ' لا صلاة لمن لا يتم الفرض ' ، فهذا قول لم يأت به نص ولا إجماع ، وإنما هذا فيمن ضيع الفرض في آخر وقته أو حلول وقته الذي لا فسحة فيه واشتغل بالنفل [ 239 / أ ] كإنسان لم يبق عليه من صلاة الفرض إلا مقدار ما يصليها فقط ، فترك الفرض واشتغل بالتطوع ، أو وجد الصلاة المنكوبة تقام أو تصلى فتركها وأقبل على ما ليس بفرض من الصلاة ، كمثل ما يأمر به بعض الناس : من وجد الإمام في الركعة الأولى من صلاة الصبح أن [ يركع ] ركعتي الفجر ، فهذا هو الخطأ ، فهذا لا يقبل منه ، لأنه لم يصل الصلاة التي أمر بها ، ومن لم يفعل ما أمر به وفعل غير ما أمر به لم يقبل منه : قال عليه السلام ( 1 ) : ' من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ' وكإنسان صام رمضان في الحضر تطوعا لا بنية الفرض ، فهذا لا يقبل منه . وأما من عليه من الفرض أو سلفت عليه فروض قد عطلها ، فيستحب له التطوع ما أمكنه ، كما روينا في الحديث المأثور آنفا من جبر الفرض بالتطوع . واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الله عز وجل ابتدأنا بمواهب خمس جليلة ، لا يهلك على الله بعدهن إلا هالك ، وهي انه تعالى غفر الصغائر باجتناب الكبائر فلو أن امرءا وافى عرصة القيامة بملء الأرض صغائر إلا أنه لم يأت كبيرة أو أتاها ثم تاب منها ، لما طالبه الله بشيء منها ، وقال تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) . والثانية : من اكثر من الكبائر ، ثم منحه الله التوبة النصوح على حقها وشروطها قبل موته ، فقد سقط عنه جميعها ، ولا يؤاخذه ربه تعالى بشيء منها ، وهذا إجماع من الأمة . والثالثة : أن من عمل من الكبائر ما شاء الله ، ثم مات مصرا عليها ، ثم استوت حسناته وسيئاته لم يفضل له سيئة ، مغفور له ، غير مؤاخذ بشيء مما يفعل ، قال الله

Faqja 151

تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) ، وقال تعال : { فأما من ثقلت موازينه } ( القارعة : 6 ) . والرابعة : انه تعالى جعل السيئة بمثلها والحسنة بعشر امثالها ، ويضاعف الله تعالى لمن شاء . والخامسة : انه تعالى جعل الابتداء على من أحاطت به خطيئته ، وغلب شره على خيره ، بالعذاب والعقاب ، ثم نقله عنه بالشفاعة إلى الجنة فخلده فيها ، ولم يجعل ( 1 ) ابتداء جزائه على حسناته بالجنة ، ثم ينقله منها إلى النار . فهل بعد ذلك الفضل منزلة نسأل الله أن لا يدخلنا في عداد من يعذبه بمنه . فهذا أصلحنا الله وإياكم جواب [ 239 ب ] ما سألتم عنه مما يكفر الذنوب الكبائر ، وفيما يأتي بعد أيضا من الجواب في سائر ما سألتم عنه ، أشياء تستضيف إلى ما قد ذكرنا بحول الله تعالى وقوته .

2 - وسألتم عن العمل الذي إذا قطع المرء به باقي عمره رجوت له الفوز عند الله عز وجل ، وأيقنت له به ، وعن السيرة التي أختارها وأحسد عليها من أعطيها ، من أبواب التخلص من سخط الله في القول والعمل . وهاتان مسالتان وإن كنتم فرقتم بينهما فهي واحدة فأقول - وبالله [ تعالى ] التوفيق - : إني قد أدمت البحث عما سألتم عنه مدى دهر طويل ، وفتشت عنه القرآن والحديث الصحيح ، فلاح لي بعد طلب كثير ، وتحصل لي بعد طلب شديد ما أخاطبكم به ، أسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته آمين . وقد كنت جمعت في هذا فصلا نسخته لكم على هيئته ، وهو أن فتشت على مراتب الحقائق في دار القرار في الآخرة - وإما الدنيا فمحل مبيت بؤسها منقض ( 2 ) ، وسورها منسي كأن ذلك لم يكن - فوجدتها عشر مراتب ، منها ثلاث هي مراتب الملك ، والعلو ، والسبق . فأولها : مرتبة عالم يعلم الناس دينهم ، فإن كل من عمل بتعليمه أو علم شيئا مما كان هو السبب في علمه ، فذلك العالم والمتعلم شريك له في الأجر إلى يوم القيامة على آباد الدهور ، فيا لها منزلة ما أرفعها ، أن يكون المرء أشلاء متمزعة في قبره أو مشتغلا

Faqja 152