[1 - سورة الفاتحة]

[1.1]

النزول: روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال:

" لم ينزل { بسم الله الرحمن الرحيم } على أحد قبلي الا على سليمان ".

[1.2]

الكلام: في التفسير للحمد: { الحمد } والمدح اخوان وهو الثناء الحسن على الجميل من نعمه وغيرها، تقول: حمدت الرجل على انعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته، وأما الشكر فهو على النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح، قال:

افادتكم النعماء مني ثلاثة

يدي ولساني والضمير المحجبا

{ رب } الرب السيد المالك، وقيل: سيد الخلق ومالكهم، وقيل: منشئهم ومربيهم. { العالمين } هم الجن والانس والملائكة. وروي عن زيد بن علي (عليه السلام) أنه قال: " لله تعالى أربعة عشر ألف عالم: الجن والإنس منها عالم واحد " وعن وهب: " لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم: الدنيا منها عالم واحد " وقيل: كل ذي روح لأن لفظ الرب يدل عليه، وقيل: الخلق جميعهم، وقيل: أهل كل زمان.

[1.3-7]

Faqe e panjohur

{ الرحمن } المنعم بنعم الدنيا والدين. { الرحيم } واسع الرحمة. { ملك } قرأ عاصم مالك بالألف. { يوم الدين } يوم الجزاء، وقيل: يوم القهر، وقيل: يوم الحساب، ومنه: " كما تدين تدان ". { إياك نعبد } أي نخضع لك بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، إلتفات خرج من الغيبة إلى الخطاب، والإلتفات يكون من الغيبة الى الخطاب مثل هذا، ومن الخطاب الى الغيبة مثل قوله تعالى:

حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم

[يونس: 22] ومن الغيبة الى المتكلم مثل قوله تعالى:

والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد ميت

[فاطر: 9] وقد التفت امرئ القيس ثلاثة التفاتات في ثلاثة أبيات وهو قوله:

تطاول ليلك بالاثمد

ونام الخلي ولم يرقد

وبات وباتت له ليلة

كليلة ذي العابر الارمد

وذلك من نبإ جاءني

Faqe e panjohur

وخبرته عن أبي الاسود

العابر: انسان العين، والرمد: وجع العين، وكان من حقه ان يقول: تطاول ليلي بالاثمد، لأنه يخاطب نفسه. { واياك نستعين } اي نطلب المعونة منك على عبادتك.

{ اهدنا } اي دلنا { الصراط المستقيم } الطريق الواضح، ومنه:

ولا تقعدوا بكل صراط توعدون

[الأعراف: 86] وقيل: طريق الإسلام، وقيل: القرآن، وقيل: طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصحابه، قال أمير المؤمنين على صراط:

إذا اعوج الموارد مستقيم

وقيل: الدين الذي لا يقبل الله من العباد غيره. { صراط الذين أنعمت عليهم } قرأ ابن مسعود صراط من أنعمت عليهم، وقرأ حمزة الزراط بالزاي، وابن كثير بالسين عليهم: قرأ حمزة برفع الها حيث وقع وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وعن ابن عباس هم أصحاب موسى قبل ان يغيروا، وقيل: هم الانبياء. { غير المغضوب عليهم } هم اليهود. { ولا الضالين } هم النصارى، وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود والنصارى، ولا الضالين هم الكفار، وقيل: هم اهل البدع، يستحب للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة: آمين، بعد سكتة على نون ولا الضالين، ليميز ما هو قرآن بما ليس بقرآن، تجريد.

[2 - سورة البقرة]

[2.1-3]

الكلام: في أوائل السور مثل { الم } و { الر } و { حم } و { طس } و { طسم } و { المص } و { كهيعص } قيل: هي أسماء للسور، وقيل: أسماء لله تعالى، روي: ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان يقول في دعائه: " يا حم يا طس يا كفها " ، وقيل: مأخوذة من اسماء الله تعالى، وقيل: أسماء كانت العرب تكاتب بها فنزل القرآن عليها فلم يأتوا بمثله فدل على انه معجز. { ذلك الكتاب } اشارة الى ما تقدم إنزاله، وقيل: ذلك بمعنى هذا. { لا ريب فيه } اي لا شك فيه، قال الشاعر:

Faqe e panjohur

ليس في الحق يا أميمة ريب

انما الريب ما يقول الكذوب

{ هدى للمتقين } قيل: جمع التقوى في قوله تعالى:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان

[النحل: 90] الآية. وعن ابن عباس: المتقي الذي يتقي الشر والكبائر والفواحش، قال في الثعلبي عن ابن عمر: المتقي ان لا ترى نفسك خيرا من أحد، وقال أيضا: المتقي الذي يقول لكل من رآه من المسلمين هو خير مني، وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى الا اذا كان يحب لو جعل ما في قلبه على طبق فيطاف به في السوق لم يستح من شيء عليه، روي ذلك في الثعلبي ايضا وخص المتقون بالذكر لانتفاعهم، وقيل : المتقي الذي يحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشريك لشريكه قال الشاعر:

حل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى

كن شبه ماش فوق ارض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

{ بالغيب } قيل: هو اللوح، وقيل: هو القرآن وسائر ما اخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من البعث وغيره، وقيل: قول لا اله الا الله، وقيل: الآخرة وما فيها، وقيل: خوف الله بالسر والعلانية. { ويقيمون الصلاة } اقامتها تعديل أركانها وحفظها من ان يقع الزيغ في فرائضها وسننها، وقيل: انه ادامتها. { ومما رزقناهم ينفقون } من الزكاة، وقيل: على سبيل البر.

[2.4-13]

Faqe e panjohur

{ والذين يؤمنون بما أنزل إليك } يعني يؤمنون بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويصدقونه ولا يكذبونه. { وما أنزل من قبلك } من الكتب على لسان كل نبي. { وبالآخرة هم يوقنون } يعرفونها بالأدلة. { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } والمفلح الفائز بالغنيمة، وقيل: الظافرون بالمراد، وقيل: الفائزون بالجنة الناجون من النار.

{ إن الذين كفروا } الآية، قيل: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، وقيل: في اليهود، وقيل: في قوم من المنافقين، وقيل: في مشركي العرب، وقيل في قادة الاحزاب، وقيل: في حيي بن اخطب، وقيل: هو عام في جميع الكفار. { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } قيل: هو ذم لهم لأنها كالمختوم عليها، وقيل: نكتة سوداء جعلها الله في قلوبهم علامة للملائكة انه لا يفلح، وقيل: هو ذم لهم كما قال الشاعر:

ختم الاله على لسان عذافر

ختما فليس على الكلام بقادر

يعني فلم يختم. { ومن الناس من يقول آمنا بالله } الآية، نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، افتتح سبحانه أول سورة البقرة بالذين اخلصوا دينهم فيه، وثنى بالذين كفروا ظاهرا وباطنا، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية وبين فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم، واستهزأ بهم، ودعاهم صما بكما عميا وضرب لهم الأمثال الشنيعة ، وقصة المنافقين معطوفة على قصة الذين كفروا كما يعطي دلالة على الجملة. { يخادعون الله } قيل: تقديره يخادعون رسول الله، وقيل: ذكر الله هنا للتعظيم والانكار. { وما يشعرون } اي لا يعلمون انهم يخدعون انفسهم لأن وبال ذلك عليهم والشعور علم مشقق من الشعار. { في قلوبهم مرض } المرض الغل والحسد والميل الى المعاصي والعزم عليها كما قال:

حامل اقواما حياء وقد أرى

قلوبهم تغلي على مراضها

{ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس } قيل: هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن تبعه. { قالوا } هؤلاء المتقدم ذكرهم عبد الله بن أبي وأصحابه. { أنؤمن كما آمن السفهاء } فرد الله عليهم بقوله: { ألا إنهم هم السفهاء } وقيل: اراد كما آمن الناس عبد الله بن سلام وأصحابه، قال اليهود: أنؤمن كما آمن السفهاء.

[2.14-20]

{ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } الآية، نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه. روي عن ابن عباس ان عبد الله بن ابي وأصحابه خرجوا فاستقبلهم نفر من الصحابة (رضي الله عنهم) فقال: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، وأخذ بيد عمر وقال مرحبا بالفاروق وسيد بني عدي، واخذ بيد أبي بكر وقال مرحبا بسيد بني تميم وثاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، واخذ بيد علي (عليه السلام) وقال: مرحبا بابن عم رسول الله وحبيبه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال له علي (عليه السلام): " يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فإن المنافقين في النار وانهم شر خلق الله ". فقال: مهلا يا ابا الحسن لا تقل هذا فوالله ان إيماننا كإيمانكم، فتفرقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتم ما فعلت؟ فأثنوا عليه وقالوا: لا نزال بخير ما دمت فينا، ورجع المسلمون فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية. { وإذا خلوا إلى شياطينهم } مضوا معهم، يقال: خلا معه وإليه وبه، قال الاخفش: يقال: خلا به اذا انفرد به، قال الحسن: " الشياطين مردة الجن وابليس أصلهم، وشياطين الانس مردتهم، وآدم أبوهم ". { الله يستهزئ بهم } أي يجازيهم على استهزائهم. { ويمدهم } يعني يمهلهم. { في طغيانهم يعمهون } قيل: يحادون، وقيل: يترددون. { اولئك الذين اشتروا الضلالة } مجاز بالشراء لما مالوا اليها قال الشاعر:

Faqe e panjohur

كما اشترى المسلم اذا تبصر

{ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } الآية: اي هؤلاء المنافقون مثلهم في كونهم من جملة المسلمين في الدنيا وتميزهم عنهم في الآخرة كمثل رجل بقي هو وأصحابه في الطريق في ليلة مظلمة فأوقد نارا لينظر هو واصحابه الطريق. { فلما أضاءت } النار { ما حوله } أطفأ الله تلك النار فعادت الظلمة كما كانت فكذلك اذا مات هؤلاء المتقدم ذكرهم عادوا الى الظلمة، وبقوا في العقاب الدآئم أجارنا الله منه. { صم بكم عمي فهم لا يرجعون } يعني هؤلاء المنافقين، قيل: صم عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمي عن الابصار له. { أو كصيب } قيل: مثل ثان للمنافقين. { من السماء } قيل: سحاب من السماء ذا مطر، وقيل: كمطر من السماء. { فيه } يعني في الصيب. { ظلمات ورعد } قيل: صوت ملك يزجر السحاب، وقيل: الرعد هو الملك. { وبرق } قيل: محاريق من حديد، وقيل: سوط من نار، رواه أمير المؤمنين علي (عليه السلام). { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } أي مخافة الموت أن تناله الصاعقة فتهلكه، فيجعل اصبعه في أذنه كيلا يسمع منه شيئا كذلك هذا الجاهل يفر عن سماع القرآن والحق. { يكاد البرق يخطف أبصارهم } أي تكاد الدلائل والآيات تخطف قلوب هؤلاء، المتقدم ذكرهم لما فيها من الازعاج الى النظر، والدعاء الى الحق كما يكاد البرق يخطف أبصار أولئك. { كلما أضاء لهم مشوا فيه } قيل: اذا آمنوا صار الإسلام لهم نورا، واذا ماتوا عادوا الى الظلمة.

[2.21-25]

{ يأيها الناس } قيل: هم أهل مكة، وقيل: هو عام. { اعبدوا ربكم } اي وحدوه وأطيعوه. { لعلكم تتقون } أي لكي تتقوا الله تعالى. { الذي جعل لكم الأرض فراشا } اي بساطا. { والسماء بناء } أي سقفا. { فلا تجعلوا لله أندادا } أي أضدادا. { وأنتم تعلمون } انه الخالق دون الأوثان، وقيل: تعلمون أنه المنعم عليكم دون الأوثان فإنها لا تنفع ولا تضر فكيف تستحق العبادة. { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } الآية، اعلم ان الله عز وجل تحدى العرب بأن يأتوا بمثله ثم حطهم مرتبة أخرى فقال: { فأتوا بسورة من مثله } وبالاتفاق ان العرب كانوا في النهاية من الفصاحة بحيث لا يكون قبلهم ولا بعدهم أفصح منهم وأقل سورة ثلاث آيات. { وادعوا شهداءكم } يعني واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها. { من دون الله إن كنتم صادقين } بأن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) افتراه، وقيل: أعوانكم، وقيل: ناس يشهدون لكم. { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } فنفى عنهم انهم لم يفعلوا كما هو عالم لما فيه من الاعجاز فارجعوا الى عقولكم. { واتقوا الله } بفعل طاعتكم لله ولرسوله. { التي وقودها الناس } اي حطبها. { والحجارة } قيل: هي الاصنام، وقيل: هي الكبريت، وقيل: هي حجارة يعذبون بها، وقيل: هي كنوز الذهب والفضة. { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قيل: اخلصوا الأعمال. وعن علي (عليه السلام): " اقامة الصلاة المفروضة " ، وقيل: الطاعة فيما بينهم وبين ربهم، وقيل: العمل الصالح الذي يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والاخلاص. { من تحتها الانهار } أي من تحت أشجارها فحذف المضاف، وقيل: من تحت منازلها وهم في الغرفات. { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } قيل: في الجنة من قوله: { بكرة وعشيا } ، وقيل: في الدنيا. { وأتوا به متشابها } قيل: مشبها في الصورة واللون مختلفا في الطعم، وقيل: متشابها في الأسماء، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): ليس في الدنيا مما في الجنة الا الأسماء. { ولهم فيها أزواج } قيل: الحور العين، وقيل: نساء الدنيا المؤمنات مطهرات من الحيض والبول والغائط وجميع الأقذار.

[2.26-29]

{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة } الآية، قيل: نزلت في اليهود وذلك ان الله تعالى لما ذكر في كتابه الكريم الذباب والعنكبوت ضحكوا وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله تعالى، قال جار الله: والحياء تغير وانكسار يعتري الانسان من خوف ما يعاب به او يذم، واشتقاقه من الحياة، قال: فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والذم؟ قلت: مجاز. وفي حديث:

" ان العبد اذا رفع يده الى الله تعالى يطلب داعيا اليه، استحيى الله ان يرد يده صفرا حتى يهب فيهما خيرا "

وهو مجاز على سبيل المثل، وكذلك معنى قوله: { إن الله لا يستحي } أن يترك ضرب المثل بالبعوضة، او هو جواب للكفرة، وفي خلقه ما هو أصغر منها ف

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36] والبعوضة النهاية في الصغر وهي النامس وانشد لبعضهم:

Faqe e panjohur

يا من يرى مد البعوض جناحها

في ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى عروق نياطها في نحرها

والمخ في تلك العظام النحل

اغفر لعبد تاب من فرطاته

ما كان منه في الزمان الأول

{ الذين ينقضون عهد الله } العهد ما ركبه في عقولهم من الحجة على توحيده واتباع نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجوز ان تكون الآية في اليهود. { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } قيل: هو عام في كل ما أمر الله ان يوصله. { أولئك هم الخاسرون } الخاسر ضد الرابح، وأصل الخسران النقص، ومنه خسر الصبي سنه اذا قلعها. { كيف تكفرون بالله } استفهام معناه التوبيخ. { وكنتم أمواتا } يعني نطفا. { فأحياكم } في الدنيا. { ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم. { ثم يحييكم } في القبور والنشور، وقيل: يحييكم في القبور. { ثم إليه ترجعون } بالبعث والنشور. { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } يعني لأجلكم وانتفاعكم به في دينكم ودنياكم، فالانتفاع الدنيوي ظاهر بأنواع المشتهيات والمستلذات وما يتبعها، والديني من وجهين: أحدهما النظر في المخلوقات من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر العالم، وثانيهما مما يرى من العقارب والحنشان ونحوها مما يقع بمشاهدته بذكر أهوال الآخرة وما فيها من هذه الأنواع، فكان المنة بهذه أبلغ وأوضح، انه خلق بعضه للانتفاع، وبعضه للاعتبار لا كما يزعم من استدل بها على إباحة كل الحيوانات، لأن الاجماع على خلافه. { ثم استوى الى السماء } اي قصد اليها بإرادته ومشيئته بعد خلق الارض من غير ان يريد خلق شيء آخر ، والمراد بالسماء جهات العلو. { وهو بكل شيء عليم } فمن ثم خلقهن خلقا مستويا محكما من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم.

[2.30-39]

{ وإذ قال ربك للملائكة } قيل: هو خطاب لجميع الملائكة، وقيل: هو عام لمن كانوا سكان الأرض من الملائكة. { إني جاعل في الأرض } قيل: هي الأرض التي عليها مستقر الخلق، وقيل: هي مكة. { خليفة } اي قوما يخلف بعضهم بعضا اذا مات واحد خلفه الآخر، وقيل: خليفة عليكم، وقيل: خليفة عني يأمر وينهي ويحكم، ويجري الانهار، ويغرس الاشجار. { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } أي من يفسد ذريته لأن آدم (عليه السلام) لم يكن بهذه الصفة، ولا رسل الله وأنبياؤه (عليهم السلام) والمؤمنون، وفي معرفتهم بذلك أقوال: قيل: رأوا ذلك في اللوح المحفوظ، وقيل: قاسوا وكانت الجن على هذه الصفة واول من قاس الملائكة، وقيل: عرفوا ذلك من لفظ الخليفة فان الخليفة من يقوم مقام الاول. { ونحن نسبح بحمدك } قال الحسن: " يقولون سبحان الله وبحمده " ويدل عليه الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

" انه سئل أي الكلام أفضل؟ فقال: " ما اصطفاه الله تعالى للملائكة سبحان الله وبحمده "

Faqe e panjohur

{ ونقدس لك } اي ننزهك فقال الله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } اي اعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم. قال جار الله: فإن قلت: فهلا يتولهم تلك المصالح؟ قلت: كفى العباد أن يعلموا أن افعال الله كلها حسنة وحكمة وان خفي عليهم وجه الحسن، والحكمة على انه تعالى قد بين لهم بعض ذلك بما اتبعه بقوله: { وعلم آدم الأسماء كلها } في تسميته بآدم أقوال: أحدها لأنه خلق من أديم الارض، وقيل: من الآدمة في اللون، وقيل: لاجتماعة بحواء، { الأسماء } أي اسماء المسميات، أراد الأجناس التي خلقها الله تعالى وعلمه ان هذا اسم فرس، وهذا اسم بعير، وهذا اسم كذا، وهذا اسم كذا، وقيل: علمه أسماء الملائكة وذريته وكان آدم (عليه السلام) يتكلم بسبع مائة الف لغة أفضلها العربية. { ثم عرضهم على الملائكة } أي المسمين بالاسماء، لأن العرض على الاسماء لا يصح. { فقال أنبئوني } قال جار الله: وانما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الانباء على سبيل السكت. { إن كنتم صادقين } يعني في زعمكم اني استخلف في الارض مفسدين سافكين للدماء أراد الرد عليهم وانه اعلم منهم بذلك. { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } السجود لله على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم (عليه السلام) وابوا يوسف واخوته له، وقيل: كان انحناء يدل على التواضع. { إلا إبليس } استثناء متصل وكان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن وكان اسمه عزرايل، وكان من ذوي الأجنحة الأربعة، وقيل: استثناء منقطع فان الله تعالى لما خلق الارض أسكن الجن فيها فعصوا وسفكوا الدماء، وأفسدوا فيها، فبعث الله عليهم جندا من الملائكة فقتلوهم، وأسروا عدو الله ابليس، نعوذ بالله منه، وأقام يعبد الله تعالى معهم تارة في الارض وتارة في السماء، قيل: خمسة آلاف عام، وقيل: ثلاثة آلاف عام، وكان أشد الملائكة عبادة واجتهادا، وهو معنى قوله:

كان من الجن

[الكهف: 50] ومعنى قوله: { وكان من الكافرين }. { اسكن انت وزوجك الجنة } هي حواء خلقت من باقي الطين الذي خلق منه آدم (عليه السلام) وقيل: من ضلع آدم وهي القصيرة، { الجنة } قيل: كانت جنة في السماء غير جنة الخلد، وقيل: كانت جنة في الأرض. { ولا تقربا هذه الشجرة } قيل: هي الحنطة، وقيل: العشب، وقيل: التين، وقيل: النخلة. { وقلنا اهبطوا } خطاب لآدم وحواء وابليس. { فتلقى آدم من ربه كلمات } قيل: تلقن، وقيل: قبل، واختلفوا في هذه الكلمات على أقوال: فالذي ذكره الفقيه احمد بن مفضل رحمه الله ورواه ايضا في الثعلبي وهو ايضا رواية اهل البيت (عليهم السلام): " ان آدم لما خرج من الجنة رأى عن يمين العرش أشباحا خمسة، فقال آدم: يا رب ما هؤلاء؟ قال: صفوة من نوري فأنا الله المحمود وهذا محمد، وأنا المتعالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، ولي الاسماء الحسنى وهذا الحسين، قال آدم (عليه السلام): فبحقهم اغفر لي ". وقيل: هو قوله تعالى:

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

[الأعراف: 23] وقيل: ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء. ذكر الثعلبي: أن آدم (عليه السلام) لما هبط الى الارض مكث في الارض ثلاثمائة سنة لا يرفع له رأسا حياء من الله. قال ابن عباس: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائة سنة، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة. { فتاب عليه } وتجاوز عنه. { إنه هو التواب الرحيم } يقبل توبة عباده، رحيم بخلقه، وانما جرى على آدم ما جرى تعظيما لخطيئته، ولطفا لذريته في اجتناب الخطايا، وان آدم خرج من الجنة بذنب واحد فكيف يدخلها من له خطايا جمة ولله القائل:

يا ناظرا يريق بعيني راقد

وشاهدا للأمر غير شاهد

تصل الذنوب الى الذنوب وترتجي

درك الجنان بها وفوز الخالد

أنسيت ان الله اخرج آدما

Faqe e panjohur

منها الى الدنيا بذنب واحد

[2.40-46]

{ يا بني اسرائيل } اي يا أولاد يعقوب، قال في الثعلبي معنى اسرائيل صفوة الله تعالى، وقيل: معناه عبد الله، وقيل: سمي بذلك لأن يعقوب وعيصا كانا توأمين، فأراد يعقوب ان يخرج فمنعه عيص، وقال: والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن امي ولأقتلها، فتأخر يعقوب وخرج عيص قبله ويعقوب بعده، فسمي يعقوب وأولاد يعقوب نسبهم إلى الاب كما قال تعالى:

يا بني آدم

[الأعراف: 26] { اذكروا نعمتي } يعني ما أنعم الله به عليهم في الدنيا والدين، وما يصل إليهم من الرزق حالا بعد حال، وما أنعم عليهم وعلى آبائهم مما عد عليهم من الانجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق، ومن العفو عند اتخاذ العجل والتوبة عليهم وغير ذلك، وما أنعم الله عليهم من ادراك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر به في التوراة والانجيل. { وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم } الآية، نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من أحبار اليهود، وكان لهم مال يأخذونه من عوامهم كل سنة، فخافوا ان صدقوا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يفوتهم ذلك، فكتموا أمره وأظهروا عداوته ، فنزل قوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي } الآية. { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } الآية، نزلت في اليهود، قيل: بالتمسك بكتابكم، وتتركون التمسك به انتم لانكاركم ما فيه من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيل: بالطاعة، وقيل: بالصدقة، وقيل: هو عام في كل من أمر بالشيء ولا يفعله. { واركعوا مع الراكعين } خطاب لليهود لأنه لم يكن في صلاتهم ركوع. { واستعينوا بالصبر والصلاة } يعني الصلاة والصبر، وقيل: اجابة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

[2.47-54]

{ واتقوا يوما لا تجزي نفس } الآية، نزلت في اليهود حيث انهم ادعوا انهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: سيشفع لنا آباؤنا، فأنكر الله عليهم، وقيل: الآية عامة. { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } يعني قومه وأهله وأتباعه وأهل دينه. { يسومونكم } يعذبونكم. { سوء العذاب } أي أشده ونهايته وهو ذبح العيال. { وإذ فرقنا بكم البحر } يعني اذكروا ما أنعم الله به على آبائكم مما عدد عليهم من الانجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق، ومن العقوبة من اتخاذ العجل والتوبة عليهم وغير ذلك، وما أنعم عليهم من إدراك زمن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر به التوراة والانجيل، وفيه حذف والكلام فيه يطول وذكر الثعلبي ان أصحاب موسى الذين فرق بهم البحر ستمائة ألف مقاتل وعشرون ألف مقاتل، وفرعون وأصحابه يقدمهم هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل والله أعلم، أهلكهم الله تعالى على يد موسى في البحر. { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } وذلك أن بني اسرائيل لما أمنوا عدوهم دخلوا مصرا بعد هلاك فرعون وجنوده، ولم يكن لهم كتاب يهتدون به، فوعد الله موسى (عليه السلام) أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي، وآتيكم بكتاب فيه بيان لكم ووعدهم أربعين ليلة: ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة، واستخلف عليهم هرون (عليه السلام) وقوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل } وكان العجل من ذهب يخور احتاله السامري، وقيل: هو من قوله:

فقبضت قبضة من أثر الرسول

[طه: 96] { من بعده } اي من بعد مضيه الى الطور. { وأنتم ظالمون } بإشراككم. { ثم عفونا عنكم } حين تبتم من بعد ارتكابكم الامر العظيم، وهي عبادة البقر التي هي أمثلة للعرب: أبلد من ثور. { وإذ آتينا موسى الكتاب } التوراة. { والفرقان } هو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، وقيل: الفرقان القرآن، تقديره: آتينا موسى الكتاب ومحمد الفرقان، وقيل: التوراة والانجيل. { وإذ قال موسى لقومه } عند ان رجع من جبال الطور وذلك ان موسى (عليه السلام) صار بين امرين فأصحابه من بعده عبدوا العجل، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فرجع موسى وتابوا فأوحى الله اليه أن { اقتلوا أنفسكم } وقيل: الذين لم يعبدوا العجل قتلوا الذين عبدوا العجل، وموسى وهارون يقولان يا رب البقية هلك بنو اسرائيل، وكانت القتلى سبعين ألف. { بارئكم } البارئ الخالق الذي خلق الخلق.

[2.55-60]

Faqe e panjohur

{ واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } يعني عيانا، وفي هذا الكلام دليل واضح على ان من اجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الاجسام والاعراض تعالى الله عن ذلك، القائلون بالرؤية هم السبعون الذين صعقوا لقوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون } قيل: اماتهم، وقيل نار من السماء وقعت عليهم فأحرقتهم، فخروا صعقين ميتين يوما وليلة، وموسى (عليه السلام) لم تكن صعقته موتا ولكن غشي عليه، وذلك ان موسى (عليه السلام) لما صعقوا جعل يتضرع ويبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني اسرائيل اذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ويقولوا أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا، ولم يزل موسى يتضرع حتى احياهم الله جميعا رجلا بعد رجل، ينظر بعضهم الى بعض كيف يحيون. { وظللنا عليكم الغمام } في التيه تقيكم حر الشمس، وذلك انهم كانوا في التيه، وليس لهم كن من الشمس، فشكوا ذلك الى موسى فأنزل الله تعالى عليهم غماما ابيض، فقالوا لموسى: هذا الظل حصل فأين الطعام فأنزل الله تعالى { المن } قيل هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد وقيل: الخبز الرقاق، وقيل: المن العسل، وقيل: ماء يشربونه، وقيل: شيء يقع على الأشجار بالأسحار، فقالوا: يا موسى هذا المن فأين اللحم؟ فدعا الله موسى فأنزل الله تعالى عليهم { السلوى } قال عكرمة: هو طير اكبر من العصفور. { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم } يعني ظلموا بأن كفروا هذه النعم. { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } قيل: بيت المقدس، وقيل: اريحا، وقيل: الاردن، وقيل: فلسطين. { وادخلوا الباب سجدا } امروا بالسجود عند الانتهاء الى الباب تواضعا لله تعالى، وقيل: بخشوع. { حطة } يعني حط عنا ذنوبنا. وعن ابن عباس قول لا اله الا الله فانها تحط الذنوب. { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } قيل: قالوا: مكان حطة حنطة حمراء استهزاء منهم. { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا } قيل: الرجز العذاب، وروي انه مات منهم أربعة وعشرون ألفا في ساعة، وقيل: سبعون، وقيل: سبعون ألفا عطشا. { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } الالف واللام في الحجر، قيل: للجنس أي حجر كان، وقيل: للعهد وكان حجرا مربعا، وقيل: مدورا، وقيل: كان مربعا له أربعة وجوه كان ينبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين، وكانوا ستمائة ألف وسبعة، وقيل: اهبط آدم من الجنة واهبط معه الحجر وتوارثوه حتى وصل الى شعيب، فدفعه الى موسى مع العصا، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل اذ رموه بالأدرة. روي ان موسى ذهب يغتسل فوضع ثيابه على حجر فمر الحجر بثوبه، فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو اسرائيل الى موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، قال: فقام بعدما نظروا اليه فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا وهو من قوله عز وجل:

آذوا موسى

[الأحزاب: 69] الآية والله أعلم بصحة الخبر.

[2.61-66]

{ يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها } البقل المعروف. { وفومها } قيل: الحنطة، وقيل: الثوم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود وثومها. { تستبدلون الذي هو أدنى } أدون منزلة، وأدون قدرا. { اهبطوا مصرا } قيل: هي مصر المعروفة، وقيل: انها مصر من أمصار الشام. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } جعلت الذلة محطية بهم، مشتملة عليهم، والمسكنة هي الفقر. { إن الذين آمنوا } بألسنتهم وهم المنافقون. { والذين هادوا } وهم اليهود وسموا بذلك لأنهم يهودون اي يتحركون اذا قرأوا التوراة، وقيل: نسبوا الى يهود بن يعقوب. { والنصارى } قيل: سموا بذلك لأن الحواريين قالوا: نحن أنصار الله، وقيل: نسبوا الى بلدهم قرية يقال لها ناصرة. { والصابئين } وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة. { من آمن بالله } من هؤلاء. { وعمل صالحا } ايمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام. { فلهم أجرهم } الآية، { وإذ أخذنا ميثاقكم } بالعمل على ما في التوراة. { ورفعنا فوقكم الطور } وهو الجبل وذلك ان الله تعالى أنزل التوراة على موسى فأمر قومه بالعمل بها فقالوا: يا موسى تكليفها شديد وأبوا، فأمر الله تعالى جبرائيل فقطع جبلا على قدر معسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة. وعن ابن عباس أمر الله جبلا فقطع من أصله حتى قام على رؤوسهم حتى كأنه ظلة فلما رأوا ذلك قبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعنا، روي ذلك في الثعلبي. { خذوا ما آتيناكم } من الكتاب { بقوة } اي بجد وعزيمة. { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } لأن ناسا منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حد لهم، وذلك ان الله تعالى ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر الا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت كما قال تعالى:

تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم

[الأعراف: 163] فاتخذوا حياضا عند البحر وكان الحيتان يدخلها يوم السبت فيصطادوها يوم الاحد فذلك اعتداءهم. { فقلنا لهم كونوا قردة } قيل: صاروا قردة لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا، وقيل: عاشوا وصار لهم أولاد ونسل، وقيل: الخاسئون هم الذين لا يتكلمون، وقيل: الخاسئ المتباعد بطرد، قيل: قرية السبت ايلة، وقيل: الطبرية وكانوا سبعين ألفا. { فجعلناها } يعني المسخة. { نكالا } عبرة. { لما بين يديها } لما قبلها. { وما خلفها } وما بعدها من الأمم والقرون، وقيل: عقوبة منكلة لما بين يديها يعني لأجل ما يقدمها من ذنوبهم. { وموعظة للمتقين } الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

[2.67-74]

{ وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } الآية، قال الثعلبي: وذلك أنه وجد قتيل من بني اسرائيل اسمه عاميل ولم يدروا من قتله واختلفوا في سبب قتله، قيل: كان رجلا كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وقيل: كان لعاميل هذا ابنة يضرب بها المثل في بني اسرائيل في الحسن والجمال فقتل ابن عمها أباها لينكحها، وقيل: قتله ابن أخيه لينكح ابنته فلما قتل حملوه من قرية الى قرية أخرى وألقوه هناك، وقيل: بل بين قريتين فسألوا موسى عن ذلك فسأل ربه وأمرهم بذبح بقرة فقال لهم موسى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } قالوا: يا موسى أتهزأ بنا سألناك عن القتيل وتأمرنا بذبح بقرة؟! وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم):

" لو اعترضوا أدنى بقرة لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم "

Faqe e panjohur