Qawāṭiʿ al-adilla fī uṣūl
قواطع الأدلة في الأصول
Redaktori
محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي
Shtëpia botuese
دار الكتب العلمية،بيروت
Botimi
الأولى
Viti i botimit
١٤١٨هـ/١٩٩٩م
Vendi i botimit
لبنان
Rajone
•Turkmenistan
Perandori & epoka
Seljuqs (Persia, Iraq, Syria), 431-590 / 1040-1194
المجلد الأول
مقدمة المؤلف
...
قال الشيخ.
بسم الله الرحمن الرحيم١.
وهو حسبي وكفى رب يسر ولا تعسر.
الحمد لولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خليقته محمد وآله.
أما بعد٢ فإني رأيت الفقه أصل العلوم وأشرفها قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وجعله فرضا على فرق الناس قاطبة ليقوم طائفة من كل فرقة به وينتصبوا في قومهم منصب الانبياء في اممهم منذرين ومحذرين دعاة إلى الله تعالى قائمين بدينه ياتين سبيله موضحين للخلق نهجه فصار الفقهاء خلفاء الرسل انذارا وتحذيرا وارثى علومهم قياما به وحملا سالكى طريقتهم بثا ونشرا وهذه مرتبة لا توجد لفرقة من الفرق وناهيك بها من مرتبة ولأن علم الفقه علم على منهج الازدياد لأنه العلم بأحكام الحوادث ولا حصر ولا حد للحوادث ولا حصر ولا حد للعلم بأحكامها ومواجبها وعلم الأصول في الديانات وأن كان علما شريفا في نفسه وهو أصل الأصول وقاعدة كل العلوم ولكنه علم محصور مبناه لأنه معارف محصورة أمر الله ﵎ بها لا مزيد فيها ولا نقصان منها وأما علم الفقه فعلم.
١ الباء فيه قيل: إنها زائدة فلا تحتاج إلى ما تتعلق به أو للاستعانة أو للمصاحبة متعلقة بمحذوف اسم فاعل خبر مبتدأ محذوف أو فعل أي: أؤلف أو أبدأ أو حال من فاعل الفعل المحذوف أي أبتدئ متبركا ومستعينا بالله أو مصدر مبتدأ خبره محذوف أي ابتدئى باسم الله ثابت والله علم ذات الواجب والمستحق لجميع المحامد وأكثر أهل العلم على أنه اسم الله الأعظم.
والرحمن الرحيم: اسمان بنيا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة اللازم أو بجعله لازما ونقله إلى فعل بالضم.
انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/٢٩٢ - ٣٤٤ كشاف القناع للشيخ البهوتي ١/١٠، ١١ قيد الطبع بتحقيقنا.
٢ تسمى فصل الخطاب انظر السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف ص ٦٢.
1 / 17
مستمر على ممر الدهور وعلى تقلب الاحوال والاطوار بالخلق لا انقضاء وانقطاع له وقد جعل الله تعالى اجتهاد الفقهاء في الحوادث في مدرج الوحى في زمان الرسل صلوات الله عليهم فقد كان الوحى هو المطلوب فى زمان الرسل ﵈ كشان أحكام الحوادث وحمل للخلق عليها فحين انقطع الوحى وانقضى زمانه وضع الله ﵎ الاجتهاد من الفقهاء فى موضع الوحى ليصدر منه بيان أحكام الله تعالى ويحمل الخلق عليها قبولا وعملا ولا مزيد على هذه المنقبة لا متجاوز عن هذه المرتبة:
شاء وزاد الله جنته سؤددا ... وذلك مجد يملأ الحجر واليدا
نعم وما يشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر في بحر فطنته استخرج درا وغيره يستخرج بالخراز وطالب الزيادة في منهج الزيادة معان منصور مطالب الزيادة على مالايزيد عليه مبعد مخذول والله تعالى يفتح عين بصيرة من احب عباده بطوله وفضله ويعمى عين من يشاء بقهره وعدله وقد سبقت منى مصنفات في مسائل الخلاف التي هي بيننا وبين اصحاب الراي نبهت فيها على معاني الفقه واستخرجت لطالبيها قلائد١ وقرائد٢ طالما كانوا في طلبها فاعتاصت عليهم إلى أن يسر الله ذلك وتمهدت له قواعدها وطابت لهم مشارعها ونسقت معاني الفقه نسوقا وتعرقت عروقا اظن أن لامزيد عليها ولامحيد للمحققين عنها وقد كان جماعة من اصحابي احسن الله تعالى لهم التولي والحياطة يطلبون مجموعا في أصول الفقه يستحكم لهم بها معانيه ويقوى افرعها ويجتمع اشدها وينسق فروعها ويرسخ أصولها فإن من لم يعرف أصول معاني الفقه لم ينج من مواقع التقليد وعد من جملة العوام وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم يداخل حقيقة الأصول على مايوافق معاني الفقه وقد رايت بعضهم قد اوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل٣ وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا.
١ ما يوضع في اليد.
٢ ما يوضع في العنق.
٣ جميع مسألة وهي لغة السؤال.
وعرفا مطلوب خيري يبرهن عليه في العلم انظر السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف ص ٦٢.
1 / 18
قبيل لهم فيه ولا وفير ولا نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ثوبى زور وعادة السوء قطاع لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد واصابة الصواب فاستخرت الله تعالى عند ذلك وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه اسلك فيه طريقة الفقهاء من غير زيغ عنه ولا حيد ولاميل ولا أرضى بظاهر من الكلام ومتكلف من العبارة معول على السامعين ويسبى قلوب الأعتام الجاهلين لكن اقصد لباب اللب وصفو الفطنة وزيدة الفهم وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه الاشكال بعون الله تعالى وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع لتكون عونا للناظر وحين أصل إلى باب القياس وما يتشعب منه من وجوه الكلام ومأخذ الحجة وطريقة الأسئلة والأجوبة ووجوه الأعتراض والأخذ الخصوم وتوقيف المجادلين على سواء الصراط وطلب ملازمة حدود النظر وسلوك الجدد وترك الحيد ومجانبة الزيغ والأخذ والمبين المحكم من مخاييل الظنيات وما تعلق به الاصحاب بمحض الاشتباه في كثير من المسائل ووجه صحة ذلك وفساده فسأشرح عند ذلك وأبسط زيادة بسط وشرح على حسب ما يسمح به الخاطر ويجود به الوقت والله المعين على ذلك والميسر له بمنه.
1 / 19
القول في مقدمات أصول الفقه
اعلم أن أول ما نبدأ في هذا الفصل هو معرفة الفقه وأصوله ثم نبنى عليه ما يتشعب منه فنقول.
الفقه في اللغة من قولهم فقهت الشيء إذا ادركته وادراكك علم الشيء فقه١.
قال أبو الحسن بن فارس وقيل هو في اللغة المعرفة بقصد المتكلم يقول القائل فقهت كلامك أي عرفت قصدك به٢.
وأما في عرف الفقهاء فهو العلم بأحكام الشريعة.
وقيل جملة من العلوم بأحكام شرعية.
فإن قال قائل أن في الفقه ظنيات كثيرة فكيف يسمى علما قلنا ما كان فيه من الظنيات فهى مستندة إلى العلميات ولأن الظن منى يسمى علما لأنه يؤدي إليه قال الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي يعلمون.
وقيل أن الفقه هو أستنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا أستنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الأستدلال قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ.
١ قال الفيروزآبادي الفقه: بالكسر العلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم من جهة لشرفه انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/٢٨٩.
قال الشيخ الآمدي الأشبه أن الفهم مغاير للعلم إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن من جهة تهيئة لاقتناص كل ما يريد عليه من المطالب وإن لم يكن المتصف به عالما كالعامي الفطن انظر أحكام الأحكام للآمدي ١/٧.
٢ وهذاقاله فخر الدين الرازي في المحصول والمنتخب انظر المحصول لفخر الدين الرازي ١/٩.
وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا.
وقال الآمدي هو الفهم انظر أحكام الأحكام ١/٧ قال الشيخ الأسنوي عن قول الآمدي وهو الصواب فقد قال الجوهري الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقهه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم قال الله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وقال تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ انظر نهاية السول للأسنوي ١/٨.
1 / 20
طَائِفَةٌ﴾ الآية والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد قال ذكر رسول الله ﷺ شيئا وقال ذلك أوان ذهاب العلم قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه ابنائنا فقال: "ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والأنجيل ولا يعلمون بشىء مما فيهما" ١ فدل قوله: "أن كنت اعدك من فقهاء المدينة" على أنه لما لم يستنبط علم ما اشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والأنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ماذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله ﷺ: "رب حامل فقه غير فقيه" ٢ أي غير مستنبط ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له أستدلال ولا أستنباط فيها.
"وأما أصول الفقه" فهي من حيث اللغة ما يتفرع عليه الفقه٣ وعند الفقهاء هي طريق الفقه التي يؤدى الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية٤ وهي تنقسم إلى قسمين إلى دلالة وإمارة فالدلالة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى العلم٥ والإمارة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن٦ ويقال في حد إلا صل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره.
وقيل الأصل مايقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه والعبارتان مدخولتان لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال مثل.
١ أخرجه الترمذي في العلم ٥/٣١ - ٣٢ الحديث ٢٦٥٣ وابن ماجه في الفتن ٢/١٣٤٤ الحديث ٤٠٤٨ والإمام أحمد في مسنده ٦/٣٠ الحديث ٢٤٠٤٥.
٢ أخرجه أبو داود في العلم ٣/٣٢٢ الحديث ٣٦٦ والترمذي في العلم ٥/٣٣، ٣٤ الحديث ٢٦٥٦ وابن مادجه في المقدمة ١/٨٥ الحديث ٢٣١ والدارمي في المقدمة ١/٨٦ الحديث ٢٢٨ والإمام أحمد في مسنده ١/٤٣٧ ٥/١٨٣.
٣ تقدم الكلام على هذا في أول الكتاب.
٤ تقدم الكلام عنه أيضا في أول الكتاب.
٥ أو يتوصل به إلى معرفة المدلول انظر الكفاية في الجدل لإمام الحرمين ص ٤٦ تحقيق دكتور فوقية حسين محمود.
٦ كالغيم بالنسبة إلى المطر فإنه يلزم من العلم به الظن بوجودالمطر والفرق بين الأمارة والعلامة أن العلامة ما لا ينفك عن الشيء كوجود الألف واللام على الاسم والأمارة تنفك عن الشيء كالغيم بالنسبة للمطر التعريفات للجرجاني ص ٢٩، ٣٠.
1 / 21
ماورد به الشرع من دية الجنين والقسامة وتحمل العقل فهذه أصول ليست لها فروع فالأولى أن يقال أن الأصل كل ما يثبت دليلا في ايجاد حكم من أحكام الدين وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا أو لم بجلبه ثم اختلفوا في عدد الأصول قال عامة الفقهاء الأصول أربعة الكتاب والسنة واجماع الأمة والعبرة واختصر بعضهم فقال دلائل الشرع قسمان أصل ومعقول الأصل فالأصل الكتاب والسنة والأجماع ومعقول الأصل هو القياس وأشار الشافعي ﵀ أن جماع الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والأجماع داخل تحت النص والمعنى هو القياس وقد ضم بعضهم العقل إلى هذه الأصول وجعله قسما خامسا.
وقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة والأجماع والعبرة واللغة والصحيح أن الأصول أربعة على ما قدمنا وأما العقل فليس بدليل يوجب شيئا وإنما يكون به درك الأمور فحسب أو هو آلة المعارف وأما الحس فلا يكون دليلا بحال والأمر فيه بين لأن الحس يقع فيه درك الأشياء الحاضرة فهي مالم يوجد كونا ولم يشاهد عينا فلا يكون للحس فيها تأثير وأما اللغة فهي مدرجة اللسان وفطنة لمعاني الكلام وأكثر ما فيها أنها عبارة عن الشيء باسمه تمييزا له عن غيره بوضعه ولاحظ لأمثال هذا في ايجاب شيء واثبات حكم وإذا عرفنا الفقه وأصوله فلا بد من معرفة العلم لأنا بينا أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فنقول العلم على ضربين ضروري ومكتسب ونعنى به العلم الذي هو يحدث فأما العلم القديم الذي هو للباري عز اسمه فلا نوصفه بواحد منهما فأما علم الاضرار فضربان:
أحدهما: ما كان مبدئا في النفوس كالعلم بأن المسمى لا يخلو من وجود أو عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وأن من المستحيل اجتماع الضدين وكون الجسم في محلين وزيادة الواحد على الأثنين وعلى هذا علم الأنسان بأحوال من نفسه من صحة وسقم وقوة وضعف وشجاعة وجبن ونفور وميل وغير ذلك وهذا النوع من العلم يدرك ببديهة العقل من غير أن يقوم له سبب.
والضرب الثاني: ما كان واقعا عن درك الحواس كالاشخاص المدركة بالبعد والاصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم والاجسام المدركة باللمس ويدخل في هذا الضرب العلم بالبلدان التي لم يحضرها والوقائع التي لم يشهدها وكذلك العلم بورود الرسل صلوات الله عليهم ودعائهم إلى الله ﷿.
1 / 22
وتكذيبهم وتصديقهم وأمثال هذا تكثر وضربى هذا العلم مدرك بغير نظر ولا استدلال وحده ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه بشك أو شبهة وأما العلم المكتسب فهو الواقع عن نظر واستدلال وهو على ضربين مسموع ومعقول فالمسموع ما أخذ عن توقيف صار به أصلا والمعقول ما أخذ عن اجتهاد صار به فرعا واختلفوا في حد العلم فقال بعضهم تبين المعلوم أو معرفة المعلوم أو درك المعلوم على ما هو به والأحسن هو اللفظ الأخير والذي قاله بعضهم أنه اثبات الشيء على ما هو به فاسد لأن المعدوم معلوم وهذا الحد يقتضى أن يكون شيئا وهو ليس بشيء عند أهل السنة والذي قاله بعضهم أنه اعتقاد الشيء على ما هو عليه باطل لأن الله تعالى مما لم يعلم على مانطق به الكتاب والسنة ولا نطلق عليه الاعتقاد بحال بل هو من صفات المخلوقين وإذا لم يكن الحد جامعا لم يكن صحيحا وهذا الحد حد المعتزلة وهم ضلال في كل ما ينفردون به وأما من حيث اللغة قال ابن فارس هو من قوله علمت الشيء وعلمت به وهو عرفانه على ما هو به يقال علمته علما قال وقد يكون اشتقاقه من العلم والعلامة وذلك لأن العلامة أمارة مما يميز بها الشيء عن غيره وكذلك العلم يميز به صاحبه عن غيره وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] أي نزول عيسى بن مريم به يعرف قرب الساعة وقراءة قوم: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي أمارة ودلالة.
"وأما الجهل" فهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به ولابأس بلفظ الاعتقاد في حد الجهل بخلاف العلم على ما سبق.
"وأما الشك" فهو الوقوف بين منزلتي الجهل والعلم وقيل تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر فإذا ظهرت المزية لأحدهما على الآخر فهو ظن ويقال غلبه احد طرفي التجويز فإذا قوى سمى غالب الظن وقد ورد الظن بمعنى اليقين وقد ورد بمعنى الشك بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي يشكون فاليقين منه ما كان له سبب دل عليه والشك منه ماخطر بالقلب من غير سبب يدل عليه.
فإن قال قائل إنكم قلتم أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فما أحكام الشريعة قلنا هي المنقسمة إلى كون الفعل واجبا ومندوبا إليه ومباحا ومحظورا ومكروها وليست الأحكام هي الأفعال بل هي مضافة إلى الأفعال يقال أحكام الأفعال والشيء لا يضاف إلى نفسه فالواجب مايثاب على فعله ويعاقب على تركه وهو في اللغة من.
1 / 23
السقوط١ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت فكأنه الشيء الذي سقط على المخاطب به فلزمه وأثقله كما يسقط عليه الشيء فلا يمكن دفعه عن نفسه والفرض مثل الواجب يقال فرضت عليك كذا أي اوجبته قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي أوجب على نفسه ومنه قيل لسهام الميراث فريضة.
وأما الندب: فهو ما فيه ثناء على فعله ولا يعاقب على تركه وأصله في اللغة هو المدعو له والمرغب فيه٢ يقال ندبته لكذا فانتدب له والنفل قريب من الندب إلا أنه دونه في المنزلة والنافلة من حيث اللغة الزيادة بعد الواجب وأصله من النفل وهو العطاء ومنه قول لبيد أن تقوى ربنا خير نفل.
والجائز: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في في تركه وأصله من جزت المكان إذا عبرته كأنه الشيء إذا وقع جاز ومضى ولم يحبسه مانع.
والحلال: هو الموسع في إثباته.
وأما المحظور: فهو ممنوع فعله وأصل الحظرا المنع ومنه الحظيرة التي تفعل للدواب لجمعها ومنعها من التفرق وكذلك الحرام هو الممنوع من إتيانه ومنه المحروم وهو الذي منع سعة الرزق ويقال الحرام والمحظور ما يعاقب على فعله.
والمكروه: ما تركه اولى من فعله.
والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويتحصل به المقصود.
والفاسد: مالا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود.
والصواب: [ما] ٣ أصيب به المقصود بحكم الشرع.
والخطا: نقيض الصواب في اللغة معناه مخالفة القصد والعدول عنه إلى غيره.
والحق يستعمل على وجهين أحدهما بمعنى الصواب يقال حق عليك أن تفعل كذا أي واجب والطاعة٤ مأخوذة من الطوع والأنقياد ومعناها تلقى الأمر بالقبول والمعصية ضد الطاعة.
١ انظر القاموس المحيط ١/١٣٦.
٢ قال الشيخ الفيروزآبادي ندبه إلى الأمر كنصره دعاه وحثه انظر القاموس المحيط ١/١٣١.
٣ سقط من الأصل.
٤ هذا هو المعنى الثاني للحق.
1 / 24
والحسن: كل فعل إذا فعله الفاعل لا يستحق الفاعل له ذما.
والقبح: كل فعل إذا فعله الفاعل استحق بفعله الذم.
واذا عرضنا انقسام أحكام الشرع فنقول العلم بأحكام الشريعة ضربان:
أحدهما: ما وجب فرض العلم به على الأعيان وهو ما لا يخلو مكلف من التزامه والعمل به من أفعال وتروك كالصوم والصلاة ووجوب الزكاة والحج لمن يجد المال وتحريم الزنا واباحة النكاح وتحريم الربا واباحة البيع وتحريم الخمر والقتل والسرقة وكذلك كل ما يكثر مواقعته من المحظورات ويجب على كل مكلف أن يعلم وجوبها عليه لاستدامة التزامها واختلفوا في عمله بوجوبها هل يجب أن يكون عن علمه بأصولها ودلائلها فذهب بعضهم إلى وجوب علمها بأصولها ودلائلها فيكون فرض العلم بأصولها على الأعيان كما كان فرض أحكامها على الأعيان وذهب بعضهم إلى أن فرض العلم بأصولها ساقط عنهم لأن الواجب عليهم العمل وأما العلم بالدلائل فيختص بها العلماء وهذا الوجه اوسع وأسهل وهو الأولى.
والضرب الثاني ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو ما عدا النوعين من الأحكام التي تجوز أن يخلوالمكللف من التزامها ومعنى الفرض على الكفاية أنه يجب أن ينتدب لعلمه قوم في كل عصر فيرجع من يلزمه في حكمه إلى من يعلمه وإنما لم يجب على الأعيان لأن العلم بها لا يكون إلا مع الانقطاع إليها فإذا أوجبنا على كل ذلك اختل أمر المصالح التي هي مصالح الدنيا لأنهم إذا انقطعوا إلى العلم لم يتفرغوا للقيام بمصالح الدنيا فكان الواجب على الكفاية ليقوم به قوم والباقون يقومون بمصالح الدنيا فتنتظم على هذا الوجه مصالح الدين والدنيا جميعا ويجب أن يجتمع العلم بالأصول والأحكام في كل واحد من أهل الكفاية ولا يختص بكفاية العلم بالأحكام فريق وبكفاية العلم بالأصول فريق فإن تفرد بعلم الأحكام فريق وبعلم الأصول فريق لم تسقط بواحد منهما فرض الكفاية في الأحكام والأصول لأن الأحكام فروع الأصول والأصول موضوعة للفروع فلم يجز انفراد أحدهما عن الآخر.
وذهب من قال أن العالم يجوز له تقليد العالم إلى أنه لا يلزم الجمع بينهما ووأنه إذا انفرد بكل واحد من الأمرين جعل كاجتماعهما في الواحد وسقط بذلك فرض الكفاية واختلفوا بعد هذا في كيفية الوجوب في الواجب على الكفاية فذهبت طائفة من الفقهاء والأشعرية من المتكلمين إلى أنه واجب على كل واحد من أهل الفريضة بعينه.
1 / 25
بشرط أن لم يقم به غيره١.
وذهب طائفة من الفقهاء والمعتزلة من المتكلمين إلى أنه غير واجب على احد بعينه إلا بشرط أن لا يقوم به غيره٢ فيكون على الوجه الأول فرضا إلا أن يقوم به الغير.
١ هذا هو مذهب جمهور الأصوليين ففعل البعض مسقطا للطلب الموجه إليهم كما هو مسقط للطلب الموجه إلى غيرهم فمن ظن أو علم أن غيره قد فعل الواجب سقط عنه الطلب.
واستدلوا على ذلك:
أولا: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ فالله تعالى أمر بقتال الكافرين المعتدين ووجه الخطاب إلى جميع المكلفين القادرين على القتال فإن واو الجمع من صيغ العموم والعام يتوجه فيه الخطاب إلى كل فرد من أفراده ولا شك أن قتال الكافرين المعتدين من فروض الكفاية فإذا قال به البعض سقط عن الباقين فيكون الخطاب موجها إلى الجميع لا إلى بعض غير معين.
وثانيا: بأن ترك الواجب الكفائي من الجميع موجب لتأثيم الجميع اتفاقا وتأثيم الجميع موجب لتكليف الجميع لأنه لا يؤاخذ الشخص على شيء لم يكلف به فيكون الخطاب موجها إلى الكل انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٩٥، ١٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١١٦.
٢ واستدلوا لذلك: أولا بأنه لو تعلق الخطاب بالكل لما سقط بفعل البعض لأن شأن الخطاب المتعلق بكل فرد أنه لا يسقط إلا بفعل من تعلق به الخطاب لكن سقوط الخطاب عن الكل بفعل البعض متفق عليه فدل ذلك على أن الخطاب متعلق بالعبض وهو ما ندعيه والجواب: بأن الخطاب لم يقصد بالفعل ذات الفاعل وإنما قصد تحقيق الفعل لحصول المصلحة المترتبة عليه من غير نظر إلى الفاعل.
واستدلوا ثانيا: بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ووجه الاستدلال أن طلب العلم الزائد عما يحتاج إليه كل واحد في عمله الواجب عليه عينا من فروض الكفاية وتوجيه الخطاب هنا لبعض غير معين من المسلمين ولولا الداخلة على الفعل الماضي تفيد اللوم والتنديم من شأنهما أن يكونا عن ترك واجب فأفاد ذلك أن هذه الطائفة قد تركت واجبا عليها وهوطلب العلم فيكون الوجوب متعلقا بها فقط فالخطاب حينئذ وهو الكفائي يكون موجها إلى بعض غير معين وهوالمطلوب.
والجواب: بالتعارض مع الأدلة في الكتاب على توجيه الخطاب إلى الكل والمصير إلى التأويل منعا للتعارض وهوحمل الآية على سقوط الفعل الواجب على جميع المسلمين بفعل هذه الطائفة لأن فعلها لها كاف في سقوط الطلب عن الكل فصح أن يوجه إليها اللوم عند تركها وهذا لأنه أمكن الجمع بين الآيات انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٩٧ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١٧ - ١١٨.
1 / 26