أمست تباع ولو تباع بوزنها ... درّا بكى أسفا عليها البائع
وكان للمأمون جويرية «١» من أحسن الناس وأسبقهم إلى كل نادرة فحظيت عنده، فحسدها الجواري وقلن لا حسب لها، فنقشت على خاتمها حسبي حسني، فازداد بها المأمون عجبا، فسمتها الجواري، فماتت، فجزع عليها المأمون جزعا شديدا وقال:
اختلست ريحانتي من يدي ... أبكي عليها آخر الأبد
كانت هي الأنس إذا استوحشت ... نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة كان بها مرتعي ... ومنهلا كان بها موردي
كانت يدي كان بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي
وللمتوكل في قينة:
أمازحها فتغضب ثم ترضى ... فكلّ فعالها حسن جميل
فإن غضبت فأحسن ذي دلال ... وإن رضيت فليس لها عديل «٢»
وحدّث أبو عبد الله بن عبد البر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان في المدينة رجل من بني هاشم وكان له قينتان يقال لإحداهما رشا وللأخرى جؤذر وكان بالمدينة رجل مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس المستظرفين، فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليسخر به، فلما أتاه قال له: أصلحك الله إنك لفي لذتك ولا لذة لي قال: وما لذتك؟ قال: تحضر لي نبيذا، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به، فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ وأمر أن يطرح فيه سكر العشر «٣»، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه فتناوم الهاشمي وغمز جاريتيه عليه، فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرز قال في نفسه: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين وأهل اليمن يسمون الكنف بالمراحيض، فقال لهما: يا حبيبتي أين المرحاض؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟ قالت: يقول غنياني
رحضت فؤادي فخلّيتني ... أهيم من الحب في كل وادي «٤»
فاندفعتا تغنيانه، فقال في نفسه: والله ما أظنهما فهمتا عني، وما أظنهما إلا مكيتين وأهل مكة يسمونها المخارج، فقال: يا حبيبتي أين المخرج؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟ قالت يقول غنياني:
خرجت لها من بطنه مكّة بعدما ... أقام المنادي بالعشي فأعتما
فاندفعتا تغنيانه، فقال في نفسه: لم يفهما عني، وما أظنهما إلا شاميتين وأهل الشام يسمونها المذاهب، فقال:
يا حبيبتي أين المذهب؟ فقالت إحداهما لصاحبتها:
ما يقول حبيبنا؟ قالت: يقول غنياني
ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا كل هذا التّجنب
فغنتاه الصوت، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لم يفهما عني، وما أظن القحبتين إلا مدنيتين، وأهل المدينة يسمونها بيت الخلاء، فقال: يا حبيبتي أين بيت الخلاء؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟
قالت: يقول غنياني
خلا علي بقاع الأرض إذ ظعنوا ... من بطن مكة واسترعاني الحزن
قال فغنتاه، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ما أظن الفاسقتين إلا بصريتين، وأهل البصرة يسمونها الحشوش، فقال: يا حبيبتي أين الحشوش؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟ قالت: يقول غنياني
أوحشوني وعزّ صبري فيهم ... ما احتيالي وما يكون فعالي
قال فاندفعتا تغنيانه فقال: ما أراهما إلا كوفيتين، وأهل الكوفة يسمونها الكنف، فقال لهما: يا حبيبتي أين الكنيف؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: يعيش سيدنا ما رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل. قالت: ما يقول؟ قالت:
يسأل أن تغني له
تكنّفني الهوى طفلا ... فشيّبني وما اكتهلا
1 / 403
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله