تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فو الله الذي لا إله إلا هو ما في يدي لبني أمية مال ولا وديعة، ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني عما سألتني عنه قابلت بين هذا القول الذي ذكرته الآن، وبين ذلك القول الذي ذكرته أولا، فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة. فقال: يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به، فجمعت بينهما، فلما رآه قال: هذا غلامي اختلس لي ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبق مني وخاف من طلبي له، فسعى بي عند أمير المؤمنين. قال: فشدد المنصور على الغلام وخوفه، فأقر بأنه غلامه، وأنه أخذ المال الذي ذكره وسعى به كذبا عليه وخوفا من أن يقع في يده، فقال له المنصور: سألتك أيها الشيخ أن تعفو عنه، فقال: قد عفوت عنه، وأعتقته ووهبته الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى أدفعها إليه.
فقال له المنصور: ما على ما فعلت من مزيد؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين إن هذا كله لقليل في مقابلة كلامك لي وعفوك عني، ثم انصرف. قال الربيع: فكان المنصور يتعجب منه، وكلما ذكره يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع.
وغضب الرشيد على حميد الطوسي، فدعا له بالنطع «١» والسيف فبكى، فقال له: ما يبكيك؟ فقال، والله يا أمير المؤمنين: ما أفزع من الموت لأنه لا بد منه، وإنما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا، وأمير المؤمنين ساخط عليّ، فضحك وعفى عنه، وقال: إن الكريم إذا خادعته انخدع.
وأمر زياد بضرب عنق رجل، فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: إني جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: يا مولاي إني نسيت اسم نفسي، فكيف لا أنسى اسم أبي؟ فرد زياد كمه على فمه، وضحك وعفا عنه.
وأمر الحجاج بقتل رجل فقال: أسألك بالذي أنت غدا بين يديه أذل موقفا مني بين يديك إلا عفوت عني، فعفا عنه. ولما ضرب الحجاج رقاب أصحاب ابن الأشعث أتي برجل من بني تميم، فقال: والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب ما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن الكلام مثل هذا؟ وعفا عنه وخلّى سبيله.
وكان إبراهيم بن المهدي يقول: والله ما عفا عني المأمون تقربا إلى الله تعالى، ولا صلة الرحم، ولكن له سوق في العفو يكره أن تكسد بقتلي «٢» . وسئل الفضل عن الفتوة، فقال: الصفح عن عثرات الأخوان. وفي بعض الكتب المنزلة. إن كثرة العفو زيادة في العمر. وأصله قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
«٣» . وقال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة، فقال لي: أنت القائل: أنا ركن الدولة والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها؟ لا أم لك، أي ركن، وأي ثائر أنت؟ قلت يا أمير المؤمنين: ما قلت هذا، إنما قلت:
أنا عبد الدولة، والثائر لها، فأطرق وجعل ينحلّ غضبه عن وجهه، ثم ضحك، فقلت أحسن من هذا قولي:
خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصّور
فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
وأمر مصعب بن الزبير بقتل رجل، فقال: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطواقك وأقول: أي رب سل مصعبا لم قتلني؟ فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه، قال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتك في خفض عيش.
قال قد أمرت لك بمائة ألف درهم، فقال:
أيا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
وتغيظ عبد الملك بن مروان على رجل، فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا، فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت، فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة.
وقال الحسن: إن أفضل رداء تردّى به الإنسان الحلم.
وهو والله عليك أحسن من برد الحبر. وفيه قال أبو تمام:
رفيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيّك ما ماريت في أنه برد «٤»
ويقال: الحليم سليم، والسفيه كليم. وقال محمد بن عجلان: ما شيء أشد على الشيطان من عالم معه حلم، إن تكلم تكلم بعلم، وإن سكت سكت بحلم، يقول
1 / 200
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله