Lawāmiʿ al-Anwār al-Bahiyya wa-Sawāṭiʿ al-Asrār al-Athariyya li-sharḥ al-Durra al-Muḍiyya fī ʿaqd al-Firqa al-Marḍiyya
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Shtëpia botuese
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Botimi
الثانية
Viti i botimit
1402 AH
Vendi i botimit
دمشق
Zhanre
•Hanbali
وَأَوَّلُ الْبُغْيَةِ آخِرُ الْمُدْرَكِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ - بِهَا صَارَ الْفَاعِلُ فَاعِلًا، فَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِمَطْلُوبٍ، يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ؛ كَانَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ الْفِعْلِ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدِيمًا؛ كَانَ الْفِعْلُ قَدِيمًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ يَفْعَلُ لِعِلَّةٍ قَدِيمَةٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ فَعَلَ لِعِلَّةٍ حَادِثَةٍ لَزِمَ مَحْذُورَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ؛ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ مِنْ عَدَمِهَا، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ؛ كَانَ ذَلِكَ حَادِثًا، فَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ، وَالْمَحْذُورُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْحَادِثَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْفِعْلِ هِيَ أَيْضًا مِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ لَزِمَ الْعَبَثُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا يُحْدِثُهُ أَحْدَثَهُ لِعِلَّةٍ، وَالْعِلَّةُ: مَا أَحْدَثَهُ؛ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ، الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا، أَوْ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ امْتَنَعَ حُدُوثُهَا ; لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِذَاتِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ؛ لَا يُؤَخِّرُ إِحْدَاثَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ كَالْقَوْلِ فِيهَا وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. فَهَذِهِ الْحُجَجُ مِنْ حُجَجِ مَنْ يَنْفِي تَعْلِيلَ أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحْكَامِهِ.
التَّقْدِيرُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ قَدِيمَةً كَمَا يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْفَاعِلِيَّةَ قَدِيمَةً، كَمَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَأَصْلُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمُبْدِعَ لِلْعَالَمِ - عِلَّةٌ تَامَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا مَعْلُولُهَا، وَأَعْظَمُ حُجَجِهِمْ قَوْلُهُمْ إِنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ فَاعِلًا إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ فِي الْأَزَلِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا مَعْلُولُهَا، فَإِنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ وُجِدَتْ فِي الْأَزَلِ، فَإِنَّا لَا نَعْنِي بِالْعِلَّةِ التَّامَّةِ إِلَّا مَا تَسْتَلْزِمُ الْمَعْلُولَ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهَا الْمَعْلُولُ؛ لَمْ تَكُنْ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الَّتِي هِيَ جَمِيعُ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْفِعْلِ، وَهِيَ الْمُقْتَضَى التَّامُّ لِوُجُودِ الْفِعْلِ، وَهِيَ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْفِعْلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُهَا فِي الْأَزَلِ؛ فَلَا بُدَّ إِذَا وُجِدَ الْمَفْعُولُ بَعْدَ ذَلِكَ - مِنْ تَجَدُّدِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِذَا
1 / 281