وضع الْأَلْفَاظ ووقف عباده عَلَيْهَا تَعْلِيما بِالْوَحْي أَو بِخلق علم ضَرُورِيّ فِي وَاحِد أَو جمَاعَة، وَلَيْسَت دلَالَة على الْمَعْنى لذاته كدلالته على اللافظ وَإِلَّا لوَجَبَ أَن لَا تخْتَلف اللُّغَات باخْتلَاف الْأُمَم، ولوجب أَن يفهم كل أحد معنى كل لفظ لِامْتِنَاع انفكاك الدَّلِيل على الْمَدْلُول] .
ثمَّ إِن اللَّفْظ الدَّال على الْمَعْنى لَهُ جهتان: جِهَة إِدْرَاكه بالذهن، وجهة تحَققه فِي الْخَارِج. . فَهَل الْوَضع لَهُ بِاعْتِبَار الْجِهَة الأولى أَو بِالثَّانِيَةِ أَو من غير نظر إِلَى شَيْء مِنْهُمَا، فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب:
وَالثَّانِي: أَنه مَوْضُوع للمعنى الذهْنِي وَإِن لم يُطَابق الْخَارِج لدوران الْأَلْفَاظ مَعَ الْمعَانِي الذهنية وجودا وعدمًا، فَإِن من رأى شبحًا من بعيد تخيله طللًا سَمَّاهُ طللًا، فَإِذا تحرّك فَظَنهُ شَجرا سَمَّاهُ شَجرا، فَإِذا قرب مِنْهُ وَرَآهُ سَمَّاهُ رجلا.
وَالثَّالِث: أَنه مَوْضُوع للمعنى من حَيْثُ هُوَ من غير تَقْيِيد بخارجي أَو ذهني، واستعماله فِي أَيهمَا كَانَ اسْتِعْمَال حَقِيقِيّ، وَلَيْسَ لكل معنى لفظ مَوْضُوع لَهُ فَإِن من الْمعَانِي مَا لم يوضع لَهُ لفظ كأنواع الروائح.