Kashf al-asrār fī ḥukm al-ṭuyūr waʾl-azhār
كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار
Redaktori
علاء عبد الوهاب محمد
Shtëpia botuese
دار الفضيلة
Vendi i botimit
القاهرة
مقدمة المُصنّف
الحمد لله البعيد في قُربه، القريب في بعده، المتعالي في رفيع مجده، عن الشيء وضده، الذي أوجد بقدرته الوجود بعد أن كان عَدمًا، وأودع كل موجود حكمًا، وجعل العقل بينهما حَكَمًا، ليميز بين الشيء وضدّه، وألهمه بما علّمه فعلم مُرّ مذاق مصابه من حلاوة شهده. فمن فكر بصحيح قصده، ونظر بتوفيق رُشده، علم أن كل مخلوق موثوق في قبضتي شقائه وسعده، مرزوقٌ من خزائن نعمه ورفده، قال تعالى: (مَّا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) فلو صفت عين بصيرتك، وانجلت مرآة سريرتك، وأصغيت بسمع يقظتك، لأسمعك كل شيء موجود ما يجده من
1 / 41
منتقدات وجده، وما يكابده من وجدان بعده، ألم تسمع للنسيم كيف تنسّمَ أسفًا لبكآء السحاب على جزره ومّده، وتأوّه لهفًا على تبسم البرق لما سمع قهقهة رعده؟ ألم تسمع للربيع ما هو يبشرك بورود ورده، وأخبرك بنشور ورده وشرود برده، وسعي إليك بانقلاب الشتآء لجرده ومُرده، ووشى اليك القبول بوشي الروض وبرده، وشكى إليك البان ما بان من تمايل قده، وأنهى إليك الأقحوان ما حاز من ألوان الزهر وجُنده، وحقوق أعلامه المعلمة بسعده، ووثب النرجس قائمًا للقيام بورده، وأقبل الشقيق على تشقيق ثوبه وقده، فكأنه ثلكى لا طمًا على حمرة خدّه، ووصف إليك الجلنار جُل نار هجوه وصده، وناح العندليب
1 / 42
على عوده الرطيب ورنده، وباح العاشق الكئيب بما يكابده من هوى زينبه وهنده، وهام في فلوات خلواته طربًا بما سمعه عن طيب نجده، وفرَّ هاربًا إلى من يعلم خفايا ما أبداه وما لم يُبده، فالعارف من شكر سوابغ النغم، واحتقر معادن الحكم، ولم يقنه من اللبن إلا بزبده، وعلم أن الله تعالى ما أحدث حدثًا، وأهمله عبثًا، بل كلّ واقف عند حّده، باقٍ على حفظ عهده، مقرٌّ بتصديق وعيده ووعده (وَإِن مِّن شَيْءِ إِلاَّ يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ) أحمده على كل حال وأسأله توفيق حمده، وأُصلي على سدينا محمد رسوله وعبده، الذي أنزل عليه في مُحكم كتابه العزيز مخبرًا برفيع مجده (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ..) صلى الله عليه وآله وصحبه وعشيرته وجنده.
أما بعد: فإني نظرت بعين التحقيق، ورأيتُ بنور التصديق والتوفيق، أن كل مخلوق مقر بوجود الخالق، وكل صامت في الحقيقة ناطق، فاستعربت الإشارات، واستقرأت العبارات، فرأيت كلا ناطقًا بلسان حاله ولسان قاله، لكنّي رأيت لسان الحال أفصح من لسان القال، وأصدق من كل مقال، لأن لسان الخبر يحتمل التكذيب والتصديق،
1 / 43
ولسان الحال لا ينطق إلا بالتحقيق. بالناطق بلسان الحال مخاطب لذوي الأحوال، والناطق بلسان القال مقابل لأهل الصحة والاعتلال.
وقد وضعت كتاب هذا مترجمًا عمّا استفدته من الحيوان برمزه، والجماد بغمزه، وما خاطبتني به الأزهار عن حالها، والأطيار عن مقرّها وارتحالها، وسميته: كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار، وجعلته موعظة لأهل الاعتبار، وتذكرة لذوي الاستبصار، فاعتبروا يا أولي الأبصار، قال تعالى: (إِنَّ فِيِ خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار لآَياتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ) .
فمن طالع مثالي، وفهم ضرب أمثالي، فذاك من أمثالي، ومن أعجم علي إشكالي فليس من أشكالي، فأقول والله لعبده كالي: أخرجني الفكر يومًا لأنظر ما أوجدته أيدي القدم في الحدث، وأحدثته القدرة البالغة للجدّ لا للعبث، فانتهيت إلى روضةٍ قد رق أديمها، ونمى خصيب رطيبها، وراق نسيمها، ونمَّ طيبها، وغنّى عندليبها، وتحركت عيدانها، وتمايلت أغصانها، وتنمقت أزهارها، وصّوت هزّازها، وتسلسلت جداولها، وتبلبلت بلابلها.
فقلت: يا لها من روضة ما أهناها، وخضرة ما أبهاها، وحضرة
1 / 44
ما أصفاها، فليتنى استصحبت صديقًا حميمًا يكون لطيب حضرتي نديمًا.
فناداني لسان الحال في الحال: أتريد نديمًا أحسن مني، أو مجيبًا أفصح مني؟ وليس شيء في حضرتك إلا وهو ناطق بلسان حاله، منادٍ على نفسه بدنوا ارتحاله، فاستمع له إن كنت من رجاله. وفي ذلك أقول:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ نَسِيمَ الصَّبَا ... له نَفَسٌ نَشَره صَاعِدُ
فَطَوْرًا يَفُوحُ وطورًا يَنُوحُ ... كما يَفْعَلُ الفَاقدُ الوَاجدُ
وسكبُ الغمامِ ونوحُ الحمامِ ... إذا ما شَكَى الغُصْن المايدُ
وضوءُ الأقاحِ ونُورُ الصَّباحِ ... وقد هزَّهُ البَارقُ الرَّاعِدُ
ووافَى الرَّبيعُ بمعنىً بديع ... يُترجمُ عن وِرْدِهِ الوَاردُ
وكُلٌّ لأَجْلِكَ مُسْتَنْبَطٌ ... لما فيه نَفْعُكَ يَا جَاحِدُ
وكُلٌّ لآلآئِهِ ذَاكِرٌ ... مُقرٌِّ لهُ شَاكِرٌ حامِدُ
وفى كُلّ شَيْءِ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلّ عَلَى أَنهُ وَاحِدُ
1 / 45
إشارة النسيم
فأول ما سمعت همهمة النسيم، يترنّم بصوته الرخيم، يقول بلسان حاله، عن صريح لفظه ومقاله: أنا رسول كل محب إلى حبيبه وحامل شكوى كل عليل إلى طبيبه، إن استودعت سِرًّا أديته كما استودعته، وإن حُمّلتُ نشرًا رويته كما سمعته، وإن صحبتُ مصحوبًا اتّحدتُ فيه بلطافة إيناسى، ومازجته بصفاء أنفاسى، فإن طاب طبت، وإن خبث خبثت، كما قال الشاعر:
الرَّاحُ كالرِّيّحِ إن مرَّت عَلَى عَطرٍ ... طَابت، وتَخْبُثُ إنْ مَرَّت على الجيفِ
ثم إني إن اعتللت صحّ بي العليل، وحيث حللت طاب بي المقيل، وإن تنفّست تنفّس المشتاق، وإن نمّت توسوست العشّاق،
1 / 47
فأنا لّين الإعطاف، هيّن الانعطاف، سريع الائتلاف، ولولا وجودي في الوجود لما كان مخلوق موجود، يعرف لطفى ذوو الألطاف فلا تظن اختلاف هوائي سبب إغوائي، بل أختلف في الفصول الأربع، لما هو أصلح لك وأنفع، فأهبُّ في الربيع شمالًا لألقح الأشجار، وأُعدّل فصلى الليل والنهار، وأهب في الصيف صبًّا لأنمّى الثمار، وأُصفّى الأنهار، وأهب في الخريف جنوبًا فتأخذ كل شجرة حد طيبها، وتستوفى حق تركيبها، وأهبّ في الشتاء دبورًا فآخذ عن كل شجرة حملها وأوراقها ويبقى أصلها. فأنا الذي تنمو بي الثمار، وتسمو بي الأزهار، وتتسلسل الأنهار، وتلقّح بي الأشجار، وتتروح بي الأسرار، وأبشرك في الأسحار بقرب المزار، وفي ذلك أقول:
يَاطِيب ما نقلَ النَّسيمُ لمَسْمعى ... عن طِيبِ ذيَّاك المحلّ الأرفعِ
وَافى لينشرَ ما انْطَوَى من نَشْرِهِ ... فَسَكِرتُ مِنْ طِيبِ الشَّذَا المتضوّعِ
ولربما أعتلّ النَّسيم إذا بَدَتْ ... أنفاس شوقي المستكنُ بأضلعِي
1 / 48
هبَّ الصَّبا سَحَرًا لتُبرَد عُلّتي ... فَأثارَ نار تَحرّقي وتَوجّعى
مَا ذَاكَ إِلاَّ أنَّهَا لِمَا سِرْتُ ... مرّتْ عَلى تِلْكَ الرُّبَا الأَرْبَعِ
فَتَحَمَّلتْ نَشْرَ الصَّبَا في طّيّهَا ... فَسَكرتُ وسَمِعْتُ مَا لم يُسْمَعِ
وَآفتْ تُبَشّرنى بِلَيْلى أَنَّهَا ... في حُسْنهَا سَفَرتْ فَلَم تَتَبَرْقَعِ
وَجَلتْ عَلَى عُشّاقِهَا في حَانِهَا ... وَجْهًا تمنّع في حِمىً متمنّعِ
1 / 49
إشارة الورد
ثم سمعت مجاوبة الأزاهير بألوانها، والشحاريرُ بأقنانها، فرأيت الورد يخبر عن طيب وُروده، ويعترف بَعرفه عند شهوده، ويقول: أنا الضيف، الوارد بين الشتاء، والصيف، أزور كما يزور الطيف، فاغتنموا وقتى فإن الوقت سيف. أعطيت نفس العاشق وكُسيت لون المعشوق، فأروح الناشق وأهيج المشوق، فأنا الزائر وأنا المزور، فمن طمع في بقائي فإن ذلك زور. ثم من علامة الدهر المكدور، والعيش الممرور؛ أنني حيث ما نبتّ رأيت الأشواكَ تزاحمنى، والأدغال تجاورني، فأنا بين الأدغال مطروح، وبنبال شوكى مجروح، وهذا دمى يُرى عندما يلوح،
1 / 50
فهذا حالى وأنا ألطف الأوراد، وأشرف الورّاد، فمن ذا الذي سلم الأنكاد، ومن صبر على نكد الدنيا فقد بلغ المراد.
وبينما أنا أرفل في حلل النضارة، إذ قطفتني يد النظارة، فأسلمتني من بين الأزاهير إلى ضيّق القوارير، فيذاب جسدي، ويُحرق كبدي، ويُمزق جلدي، ويقطر دمعي الندى، ولا يُقام بأودي، ولا يؤخذ بقودي، فجسدي في حُرق، وجفوني في غرق، وكبدي في قلق، وقد جعلت ما رشح من عرقي شاهدًا لما لقيت من حُرقي، فيتأسى باحتراقي أهل الاحتراق، ويتروح بنفسي ذوو الأشواق، فأنا فانٍ عنهم بأيّاي، باقٍ فيهم بمعناي، أهل المعرفة يتوقعون لقآئي، وأهل المحبة بتمنون بقآئي، وفي ذلك أقول:
فإنْ غِبْتَ جِسْمًا كنتَ بِالرُّوحِ حاضرًا ... فسِيّان قُرْبى إنْ تَأَمّلتَ والبعْدُ
فللَّهِ من أضْحَى من النَّاسِ قائلًا: ... إِنَّكَ مَاءُ الوَرْدِ إذْ ذَهَبَ الوَرْد
1 / 51