996

[4.146]

وهذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا وأخلصوا الدين لله وحده وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرين على نفاقهم، حتى يوفيهم مناياهم في الآخرة، وأن يدخلوا مداخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يحلهم مع المؤمنين محل الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيل من العطاء، فقال: وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما }. فتأويل الآية: { إلا الذين تابوا } أي راجعوا الحق، وأبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه، من نفاقهم. { وأصلحوا }: يعني وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به وأدوا فرائضه، وانتهوا عما نهاهم عنه وانزجروا عن معاصيه. { واعتصموا بالله } يقول: وتمسكوا بعهد الله. وقد دللنا فيما مضى قبل، على أن الاعتصام: التمسك والتعلق، فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه من طاعته وترك معصيته. { وأخلصوا دينهم لله } يقول: وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاء الناس ولا على شك منهم في دينهم وامتراء منهم، في أن الله محص عليهم ما عملوا، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضل عليه ربه فيعفو، متقربين بها إلى الله مريدين بها وجه الله فذلك معنى إخلاصهم لله دينهم. ثم قال جل ثناؤه: { فأولئك مع المؤمنين } يقول: فهؤلاء الذين وصف صفتهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم له مع المؤمنين في الجنة، لا مع المنافقين الذي ماتوا على نفاقهم، الذي أوعدهم الدرك الأسفل من النار. ثم قال: { وسوف يؤتى الله المؤمنين أجرا عظيما } يقول: وسوف يعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له على إيمانهم، ثوابا عظيما، وذلك درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النفاق منازل في النار، وهي السفلى منها لأن الله جل ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه. وهذا القول، هو معنى قول حذيفة بن اليمان الذي: حدثنا به ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال حذيفة: ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين! فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثم قام فتنحى. فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه، فقال: أما إن صاحبك يعلم الذي قلت! ثم قرأ { إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتى الله المؤمنين أجرا عظيما }.]

[4.147]

يعني جل ثناؤه بقوله: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم }: ما يصنع الله أيها المنافقون بعذابكم، إن أنتم تبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقتموه وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به. يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمركم به وترك ما نهاكم عنه لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاء منه له على جراءته عليه وعلى خلافه أمره ونهيه وكفرانه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمة وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم فلم تبلغه آمالكم. { وكان الله شكرا } لكم ولعباده على طاعتهم إياه باجزاله لهم الثواب عليها، وإعظامه لهم العوض منها. { عليما } بما تعملون أيها المنافقون وغيركم من خير وشر وصالح وطالح، محص ذلك كله عليكم محيط بجميعه، حتى يجازيكم جزاءكم يوم القيامة، المحسن بإحسانه والمسيء باساءته. وقد: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شكرا عليما } قال: إن الله جل ثناؤه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا.

[4.148]

اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار بضم الظاء.وقرأه بعضهم: «إلا من ظلم» بفتح الظاء. ثم اختلف الذين قرءوا ذلك بضم الظاء في تأويله فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحب الله تعالى ذكره أني جهر أحدنا بالدعاء على أحد، وذلك عندهم هو الجهر بالسوء إلا من ظلم يقول: إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، فإن الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك، لأنه قد رخص له في ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: إلا من ظلم وإن صبر فهو خير له. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } فإنه يحب الجهر بالسوء من القول. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما } عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو. حدثني الحرث، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثناهشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: هو الرجل يظلم الرجل، فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه اللهم استخرج لي حقي اللهم حل بينه وبين ما يريد ونحوه من الدعاء. ف «من» على قول ابن عباس هذا في موضع رفع، لأنه وجهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء، واستثنى المظلوم منه، فكان معنى الكلام على قوله: لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول، إلا المظلوم فلا حرج عليه في الجهر به. وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ في العربية، وذلك أن «من» لا يجوز أن يكون رفعا عندهم بالجهر،لأنها في صلة «أن»، وأن لم ينله الجحد فلا يجوز العطف عليه من الخطإ عندهم أن يقال: لا يعجبني أن يقوم إلا زيد. وقد يحتمل أن تكون «من» نصبا على تأويل قول ابن عباس، ويكون قوله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } كلاما تاما، ثم قيل: إلا من ظلم فلا حرج عليه، فيكون «من» استثناء من الفعل، وإن لم يكن قبل الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه، كما قال جل ثناؤه: لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر وكقولهم: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلا يريد الله بذلك.

ولم يذكر قبله شيء من الأسماء. و«من» على قول الحسن هذا نصب على أنه مستثنى من معنى الكلام، لا من الاسم كما ذكرنا قبل في تأويل قول ابن عباس إذا وجه «من» إلى النصب، وكقول القائل كان من كذا وكذا اللهم أن فلانا جزاه الله خيرا فعل كذا وكذا. وقال آخرون: بل معنى ذلك : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، إلا من ظلم فيخبر بما نيل منه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هو الرجل ينزل بالرجل، فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده، فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، { إلا من ظلم } قال: إلا من آثر ما قيل له. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد: { لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال: هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول. وقال آخرون: عنى بذلك الرجل ينزل بالرجل فلا يقريه، فينال من الذي لم يقره. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: إلا من ظلم قال: إلا من ظلم فانتصر يجهر بالسوء. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، مثله. وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد. وعن حميد الأعرج، عن مجاهد: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم }. قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن إليه، فقد رخص الله له أن يقول فيه. حدثني أحمد بن حماد الدولابي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر،عن مجاهد: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال: هو في الضيافة يأتي الرجل القوم فينزل عليهم فلا يضيفونه، رخص الله له أن يقول فيهم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول }... الآية، قال: ضاف رجل رجلا، فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: ضفت فلانا فلم يود حق ضيافتي، فذلك جهر بالسوء { إلا من ظلم } حين لم يود إليه ضيافته. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: إلا من ظلم فانتصر يجهر بسوء.

قال مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضفه، فنزلت { إلا من ظلم } ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك. وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، فإن الله قد أذن له في ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد من الخلق، ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم، فليس عليه جناح. ف «من» على هذه الأقوال التي ذكرناها سوى قول ابن عباس في موضع نصب على انقطاعه من الأول، والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد إلا في الاستثناء المنقطع فكان معنى الكلام على هذه الأقوال سوى قول ابن عباس: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، ولكن من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما نيل منه أو ينتصر ممن ظلمه. وقرأ ذلك آخرون بفتح الظاء: «إلا من ظلم» وتأولوه: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، إلا من ظلم، فلا بأس أن يجهر له بالسوء من القول. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبي يقرأ: «لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم» قال ابن زيد: يقول: إلا من أقام على ذلك النفاق فيجهر له بالسوء حتى ينزع. قال: وهذه مثل:

ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق

[الحجرات: 11] أن تسميه بالفسق

Faqe e panjohur