993

إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها

وأوردها على عوج طوال

يعني بقوله: وأحوذ جانبيها: غلبها وقهرها حتى حاذ كلا جانبيه فلم يشذ منها شيء. وكان القياس في قوله:

استحوذ عليهم الشيطن

[المجادله: 19] أن يأتي استحاذ عليهم، لأن الواو إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في فاء الفعل قبلها، وحولوها ألفا متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه من حال يحول، واستنار فلان بنور الله من النور، واستعاذ بالله من عاذ يعوذ. وربما تركوا ذلك على أصله، كما قال لبيد: «وأحوذ»، ولم يقل: «وأحاذ»، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله:

استحوذ عليهم الشيطن

[المجادله: 19]. وأما قوله: { فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } فلا خلاف بينهم في أن معناه: ولن يجعل الله للكافرين يومئذ على المؤمنين سبيلا. ذكر الخبر عمن قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن ذر، عن يشيع الحضرمي، قال: كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له علي: ادنه! ثم قال: { فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } يوم القيامة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن ذر، عن يسيع الكندي في قوله: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال: كيف هذه الآية: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا }؟ فقال علي: ادنه! { فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله } يوم القيامة { للكفرين على المؤمنين سبيلا }. حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذر، عن بسيع الحضرمي، عن علي بنحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، قال: سمعت سليمان يحدث عن ذر، عن رجل، عن علي رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } قال: في الآخرة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } يوم القيامة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } قال: ذاك يوم القيامة. وأما السبيل في هذا الموضع فالحجة. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } قال: حجة.]

[4.142]

قد دللنا فيما مضى قبل على معنى خداع المنافق ربه ووجه خداع الله إياهم، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع، مع اختلاف المختلفين في ذلك. فتأويل ذلك: إن المنافقين يخادعون الله باحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكم فيهم من منع دمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم، واعتقادهم الكفر، استدراجا منه لهم في الدنيا حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استنبطنوا من الكفر نار جهنم. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إن المنفقين يخدعون الله وهو خادعهم } قال: يعطيهم يوم القيامة نورا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بالسور. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: { إن المنفقين يخدعون الله وهو خادعهم } قال: نزلت في عبد الله بن أبي، وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، قال: مثل قوله في البقرة: { يخدعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم }. قال: وأما قوله: { وهو خادعهم } فيقول: في النور الذي يعطي المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سلب، وما ذكرا لله من قوله:

انظرونا نقتبس من نوركم

Faqe e panjohur