Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
[النساء: 90] حدثنا القاسم، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد، قال: بلغني أن ناسا من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا. فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون ، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام فأنزل الله: { فما لكم فى المنفقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا }.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فما لكم فى المنفقين فئتين } هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان، ولم يهاجروا. فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا. فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا. وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنها نفاقا. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فما لكم فى المنفقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا } قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية. فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداء الله المنافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها. فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، فإذا برءوا رجعوا. فقال الله: { فما لكم فى المنفقين فئتين } يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين { والله أركسهم بما كسبوا }. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أهل الإفك. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فما لكم فى المنفقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا } حتى بلغ:
ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله
[النساء: 89] قال : هذا في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم. فقال سعد بن معاذ: فإنى أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه! يريد عبد الله بن أبي ابن سلول. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى ذكره:
فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا
[النساء: 89] أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه. واختلف أهل العربية في نصب قوله: { فئتين } فقال بعضهم: هو منصوب على الحال، كما تقول: ما لك قائما، يعني ما لك في حال القيام. وهذا قول بعض البصريين وقال بعض نحويي الكوفيين: هو منصوب على فعل «ما لك»، قال: ولا يبالى كان المنصوب في مالك معرفة أو نكرة. قال: ويجوز في الكلام أن يقول: ما لك السائر معنا، لأنه كالفعل الذي ينصب بكان وأظن وما أشبههما. قال: وكل موضع صلحت فيه «فعل» و«يفعل» من المنصوب جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما ينصب كان وأظن لأنهن نواقص في المعنى وإن ظننت أنهن تامات. وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل: «ما لك قائما» القيام، فهو في مذهب كان وأخواتها وأظن وصواحباتها. القول في تأويل قوله عز وجل: { والله أركسهم بما كسبوا }. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { والله أركسهم } فقال بعضهم: معناه: ردهم كما قلنا. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: { والله أركسهم بما كسبوا } ردهم. وقال آخرون: معنى ذلك: والله أوقعهم. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { والله أركسهم بما كسبوا } يقول: أوقعهم. وقال آخرون: معنى ذلك: أضلهم وأهلكهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: { والله أركسهم } قال: أهلكهم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { والله أركسهم بما كسبوا }: أهلكهم بما عملوا. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { والله أركسهم بما كسبوا }: أهلكهم. وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبل بما أغنى عن إعادته. القول في تأويل قوله تعالى: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا }. يعني جل ثناؤه بقوله: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى الإسلام، فتوفقوا للإقرار به والدخول فيه من أضله الله عنه، يعني بذلك: من خذله الله عنه فلم يوفقه للإقرار به. وإنما هذا خطاب من الله تعالى ذكره للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، يقول لهم جل ثناؤه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام بمدافعتكم عن قتالهم من أراد قتالهم من المؤمنين؟ { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } يقول: ومن خذله عن دينه واتباع ما أمره به من الإقرار به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده، فأضله عنه، فلن تجد له يا محمد سبيلا، يقول: فلن تجد له طريقا تهديه فيها إلى إدراك ما خذله الله عنه، ولا منهجا يصل منه إلى الأمر الذي قد حرمه الوصول إليه.
]
[4.89]
يعني جل ثناؤه بقوله: { ودوا لو تكفرون كما كفروا }: تمنى هؤلاء المنافقون الذين أنتم أيها المؤمنون فيهم فئتان أن تكفروا فتجحدوا وحدانية ربكم وتصديق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، { كما كفروا } يقوله: كما جحدوا هم ذلك. { فتكونون سواء } يقول: فتكونون كفارا مثلهم، وتستوون أنتم وهم في الشرك بالله. { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله } يقول: حتى يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها الذين هم بالله مشركون إلى دار الإسلام وأهلها { فى سبيل الله } يعني في ابتغاء دين الله، وهو سبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، ويكون لهم حينئذ حكمكم. كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا } يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم، يعني: الهجرة في سبيل الله. القول في تأويل قوله: { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا }. يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أدبر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتولوا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن الكفر إلى الإسلام، فخذوهم أيها المؤمنون، واقتلوهم حيث وجدتموهم من بلادهم وغير بلادهم، أين أصبتموهم من أرض الله. { ولا تتخذوا منهم وليا } يقوله: ولا تتخذوا منهم خليلا يواليكم على أموركم، ولا ناصرا ينصركم على أعدائكم، فإنهم كفار لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم. وهذا الخبر من الله جل ثناؤه إبانة عن صحة نفاق الذين اختلف المؤمنون في أمرهم، وتحذير لمن دافع عنهم عن المدافعة عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم }: فإن تولوا عن الهجرة فخذوهم واقتلوهم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم } يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم. ]
[4.90]
Faqe e panjohur