Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
وأما قوله: { ذلك الفضل من الله } فإنه يقول: كون من أطاع الله والرسول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، { الفضل من الله } يقول ذلك عطاء الله إياهم وفضله عليهم، لا باستجابهم ذلك لسابقة سبقت لهم. فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟ قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره. وقوله: { وكفى بالله عليما } يقول: وحسب العباد بالله الذي خلقهم عليما بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصي، فإنه لا يخفى عليه شيء من ذلك ولكنه يحصيه عليهم ويحفظه حتى يجازي جميعهم، فيجزي المحسن منهم بالإحسان، والمسيء منهم بالإساءة، ويعفو عمن شاء من أهل التوحيد.
[4.71]
يعني بقوله جل ثناؤه: { يأيها الذين ءامنوا } صدقوا الله ورسوله، { خذوا حذركم }: خذوا جنتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم. { فانفروا } إليهم { ثبات } وهي جمع ثبة، والثبة: العصبة ومعنى الكلام: فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين، ومن الثبة قول زهير:
وقد أغدوا على ثبة كرام
نشاوى واجدين لما نشاء
وقد تجمع الثبة على ثبين. { أو انفروا جميعا } يقول: أو انفروا جميعا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { خذوا حذركم فانفروا ثبات } يقول: عصبا، يعني: سرايا متفرقين، { أو انفروا جميعا } يعني كلكم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { فانفروا ثبات } قال: فرقا قليلا قليلا. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فانفروا ثبات } قال: الثبات: الفرق. حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فانفروا ثبات } فهي العصبة، وهي الثبة. { أو انفروا جميعا } مع النبي صلى الله عليه وسلم. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فانفروا ثبات } يعني: عصبا متفرقين.
[4.72]
وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم، فقال: { وإن منكم } أيها المؤمنون، يعني: من عدادكم وقومكم ومن يتشبه بكم ويظهر أنه من أهل دعوتكم وملتكم، وهو منافق يبطىء من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم. { فإن أصبتكم مصيبة } يقول: فإن أصابتكم هزيمة، أو نالكم قتل أو جراح من عدوكم، قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل، وسره تخلفه عنكم شماتة بكم، لأنه من أهل الشك في وعد الله الذي وعد المؤمنين على ما نالهم في سبيله من الأجر والثواب وفي وعيده، فهو غير راج ثوابا ولا خائف عقابا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصبتكم مصيبة }... إلى قوله:
فسوف نؤتيه أجرا عظيما
[النساء: 74] ما بين ذلك في المنافقين. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وإن منكم لمن ليبطئن } عن الجهاد والغزو في سبيل الله. { فإن أصبتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا } قال: هذا قول مكذب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: المنافق يبطىء المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، قال الله: { فإن أصبتكم مصيبة } قال: بقتل العدو من المسلمين، { قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا } قال: هذا قول الشامت. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فإن أصبتكم مصيبة } قال: هزيمة. ودخلت اللام في قوله { لمن } وفتحت لأنها اللام التي تدخل توكيدا للخبر مع «إن»، كقول القائل: إن في الدار لمن يكرمك، وأما اللام الثانية التي في: { ليبطئن } فدخلت لجواب القسم، كأن معنى الكلام: وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطئن. ]
Faqe e panjohur