893

[النساء: 52]. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } ثم ذكر نحوه. وحدثني إسحاق بن شاهين، قال: أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة، قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون: احكم بيننا وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك. فقال كعب: أنتم والله خير منه. فأنزل الله تبارك وتعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب }... إلى آخر الآية. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معك نقاتله، فقالوا: إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما! ففعل. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده.

قال: بل أنتم خير وأهدى! فنزلت فيه: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا }. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين، فهموا به وبأصحابه، فأطلع الله ورسوله على ما هموا به من ذلك، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد، إنكم قوم تقرءون الكتاب، وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم، فأخبرنا: ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم! فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه. قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه! ألا ترون أن محمدا يزعم أنه بعث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء؟ وما نعلم ملكا أعظم من ملك النساء! فذلك حين يقول: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش قال: كفار قريش أهدى من محمد عليه الصلاة والسلام. قال ابن جريج: قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد فصغر أمره ويسره وأخبرهم أنه ضال. قال: ثم قالوا له: ننشدك الله نحن أهدى أم هو؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعمر البيت، ونطعم ما هبت الريح! قال: أنتم أهدى. وقال آخرون: بل هذه الصفة جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم. ذكر الأخبار بذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن قاله، قال: أخبرني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحققيق، وأبو عامر، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس فأما وحوح، وأبو عامر، وهوذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير. فلما قدموا على قريش، قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول، فاسألوهم أدينكم خير، أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت }.

.. إلى قوله: { وآتيناهم ملكا عظيما }. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت }... الآية، قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ورجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشا بموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة والسقاية وأهل الحرم. فقالا: لا، بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه. وقال آخرون: بل هذه صفة حيي بن أخطب وحده، وإياه عني بقوله: { ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا }. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب }... إلى آخر الآية، قال: جاء حيي بن أخطب إلى المشركين، فقالوا: يا حيي إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟فقال نحن وأنتم خير منهم! فذلك قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب }... إلى قوله: { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا }. وأولى الأقوال بالصحة في ذلك قول من قال: إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود، وجائز أن يكون كانت الجماعة الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعد أو يكون حييا وآخر معه، إما كعبا وإما غيره. ]

[4.52]

يعني جل ثناؤه بقوله: أولئك هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم الذين لعنهم الله، يقول: أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته بإيمانهم بالجبت والطاغوت وكفرهم بالله ورسوله، عنادا منهم لله ولرسوله، وبقولهم:

للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا

[النساء: 51]. { ومن يلعن الله } يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته، { فلن تجد له نصيرا } يقول: فلن تجد له يا محمد ناصرا ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحل به فيدفع ذلك عنه كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ما قالا، يعني من قولهما: «هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا»، وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنزل الله: { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا }. ]

[4.53]

يعني بذلك جل ثناؤه: { أم لهم نصيب من الملك } أم لهم حظ من الملك، يقول: ليس لهم حظ من الملك. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أم لهم نصيب من الملك } يقول: لو كان لهم نصيب من الملك إذا لم يؤتوا محمدا نقيرا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: قال الله: { أم لهم نصيب من الملك } قال: فليس لهم نصيب من الملك، { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذا يعطون الناس نقيرا من بخلهم. واختلف أهل التأويل في معنى النقير، فقال بعضهم: هو النقطة التي في ظهر النواة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { نقيرا } يقول: النقطة التي في ظهر النواة. حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: النقير الذي في ظهر النواة. حدثني جعفر بن محمد الكوفي المروزي، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس، قال: النقير: وسط النواة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } النقير: نقير النواة: وسطها. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } يقول: لو كان لهم نصيب من الملك إذا لم يؤتوا محمدا نقيرا، والنقير: النكتة التي في وسط النواة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني طلحة بن عمرو أنه سمع عطاء بن أبي رباح، يقول: النقير: الذي في ظهر النواة. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: النقير: النقرة التي تكون في ظهر النواة. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال: النقير: الذي في ظهر النواة. وقال آخرون: النقير: الحبة التي تكون في وسط النواة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { نقيرا } قال: النقير: حبة النواة التي في وسطها. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } قال: النقير: حبة النواة التي في وسطها.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال: النقير في النوي. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: النقير: نقير النواة الذي في وسطها. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: النقير: نقير النواة الذي يكون في وسط النواة. وقال آخرون: معنى ذلك: نقر الرجل الشيء بطرف أصابعه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يزيد بن درهم أبي العلاء، قال: سمعت أبا العالية، ووضع ابن عباس طرف الإبهام على ظهر السبابة ثم رفعهما وقال: هذا النقير. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الفرقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكا وأهل قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النقير أن يكون أصغر ما يكون من النقر، وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شاكلها من النقر. ورفع قوله: { لا يؤتون الناس } ولم ينصب ب«إذا»، ومن حكمها أن تنصب الأفعال المستقبلة إذا ابتدىء الكلام بها لأن معها فاء، ومن حكمها إذا دخل فيها بعض حروف العطف أن توجه إلى الابتداء بها مرة وإلى النقل عنها إلى غيرها أخرى، وهذا الموضع مما أريد بالفاء فيه النقل عن إذا إلى ما بعدها، وأن يكون معنى الكلام: أم لهم نصيب فلا يؤتون الناس نقيرا إذا. ]

Faqe e panjohur