888

وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كهيئة وجوه القردة، فقول لقول أهل التأويل مخالف، وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين على خطئه شاهدا. وأما قول من قال: معناه: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها فنردهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز ونجد، فإنه وإن كان قولا له وجه كما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد، وذلك أن المعروف من الوجوه في كلام العرب التي هي خلاف الأقفاء، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب في كلام من نزل بلسانه حتى يدل على أنه معني به غير ذلك من الوجوه التي ذكرت دليل يجب التسليم له. وأما الطمس: فهو العفو والدثور في استواء ومنه يقال: طمست أعلام الطريق تطمس طموسا، إذا دثرت وتعفت فاندفنت واستوت بالأرض، كما قال كعب بن زهير:

من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت

عرضتها طامس الأعلام مجهول

يعني بطامس الأعلام: داثر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذي قد تعفي غر ما بين جفني عينيه فدثر: أعمى مطموس وطميس، كما قال الله جل ثناؤه:

ولو نشآء لطمسنا على أعينهم

[يس: 66]. قال أبو جعفر: الغر: الشق الذي بين الجفنين. فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية، فهل كان ما توعدهم به؟ قيل: لم يكن لأنه آمن منهم جماعة، منهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومخيرق، وجماعة غيرهم، فدفع عنهم بإيمانهم. ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم، ما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة جميعا، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم:

" يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق "

فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر، فأنزل الله فيهم: { يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها }... الآية. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب في زمان عمر أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب أسلم! قال: ألستم تقرءون في كتابكم:

مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا

[الجمعة: 5]؟ وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، قال: فسمع رجلا من أهلها حزينا، وهو يقول: { يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها }... الآية، فقال كعب: يا رب أسلمت! مخافة أن تصيبه الآية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين. القول في تأويل قوله تعالى: { أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت وكان أمر الله مفعولا }. يعني بقوله جل ثناؤه: { أو نلعنهم }: أو نلعنكم، فنخزيكم، ونجعلكم قردة، { كما لعنا أصحب السبت } يقول: كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم، قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله: { ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم } كما قال:

Faqe e panjohur