Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
يعني تعالى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيرا ذكرا كان العامل أو أنثى، وذكر أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال الرجال يذكرون ولا تذكر النساء في الهجرة؟ فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك هذه الآية. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، تذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر؟ فنزلت: { أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى }... الآية. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت رجلا من ولد أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء! فأنزل الله تبارك وتعالى: { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى }. حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء! فأنزل الله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض }. وقيل: فاستجاب لهم، بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعر:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
بمعنى: فلم يجبه عند ذاك مجيب. وأدخلت «من» في قوله: { من ذكر أو أنثى } على الترجمة والتفسير عن قوله «منكم»، بمعنى: لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والإناث وليست «من» هذه بالتي يجوز إسقاطها وحذفها من الكلام في الجحد، لأنها دخلت بمعنى لا يصلح الكلام إلا به. وزعم بعض نحويي البصرة أنها دخلت في هذا الموضع، كما تدخل في قولهم: «قد كان من حديث» قال: «ومن» ههنا أحسن، لأن النهي قد دخل في قوله: لا أضيع. وأنكر ذلك بعض نحويي الكوفة وقال: لا تدخل «من» وتخرج إلا في موضع الجحد وقال: قوله: { لا أضيع عمل عامل منكم } لم يدركه الجحد، لأنك لا تقول : لا أضرب غلام رجل في الدار ولا في البيت فيدخل، ولا لأنه لم ينله الجحد، ولكن «من» مفسرة. وأما قوله: { بعضكم من بعض } فإنه يعني: بعضكم أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، من بعض، في النصرة والمسألة والدين، وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل على حكم أحدكم في أني لا أضيع عمل ذكر منكم ولا أنثى.
القول في تأويل قوله تعالى: { فالذين هجروا وأخرجوا من ديرهم وأوذوا فى سبيلى وقتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئتهم ولادخلنهم جنت تجرى من تحتها الأنهر ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب }. يعني بقوله جل ثناؤه: فالذين هاجروا قومهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، وأخرجوا من ديارهم، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة، وأوذوا في سبيلي، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربهم، وعبادتهم إياه، مخلصين له الدين، وذلك هو سبيل الله التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها وقتلوا، يعني: وقتلوا في سبيل الله وقاتلوا فيها، لأكفرن عنهم سيئاتهم، يعني: لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثوابها، يعني: جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله من عند الله: يعني: من قبل الله لهم والله عنده حسن الثواب، يعني: أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه، وذلك ما لا يبلغه وصف واصف، لأنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. كما: حدثنا عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري، حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:
" إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين، الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير عذاب، ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا، فيقول الرب جل ثناؤه: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: "
سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار
[الرعد: 24]. واختلفت القراء في قراءة قوله: { وقتلوا وقتلوا } فقرأه بعضهم: «وقتلوا وقتلوا» بالتخفيف، بمعنى أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين وقرأ ذلك آخرون: «وقاتلوا وقتلوا» بتشديد قتلوا، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين، وقتلهم المشركون بعضا بعد بعض وقتلا بعد قتل. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين: «وقاتلوا وقتلوا» بالتخفيف، بمعنى أنهم قاتلوا المشركين وقتلوا. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: { وقتلوا } بالتخفيف { وقاتلوا } بمعنى: أن بعضهم قتل، وقاتل من بقي منهم. والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها إحدى هاتين القراءتين، وهي: «وقاتلوا وقتلوا» بالتخفيف، أو { وقتلوا } بالتخفيف { وقاتلوا } لأنها القراءة المنقولة نقل وراثة، وما عداهما فشاذ. وبأي هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوهما قرأ قارىء فمصيب في ذلك الصواب من القراءة، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قراء الإسلام مع اتفاق معنييهما.
[3.196-197]
يعني بذلك جل ثناؤه: ولا يغرنك يا محمد تقلب الذين كفروا في البلاد، يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلد } يقول: ضربهم في البلاد. فنهى الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم مع شركهم وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره. وخرج الخطاب بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعني به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله، ولكن كان بأمر الله صادعا، وإلى الحق داعيا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلد } والله ما غروا نبي الله، ولا وكل إليهم شيئا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك. وأما قوله: { متع قليل } فإنه يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها متعة يمتعون بها قليلا، حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم، ثم مأواهم جهنم بعد مماتهم، والمأوى: المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه. ويعني بقوله: { وبئس المهاد } وبئس الفراش والمضجع جهنم.
Faqe e panjohur