Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
{ والموتى يبعثهم الله } يقول: والكفار يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتا ولا يعقلون دعاء ولا يفقهون قولا، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا يعتبرون آياته ولا يتذكرون فينزجروا عما هم عليه من تكذيب رسل الله وخلافهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إنما يستجيب الذين يسمعون } المؤمنون للذكر. { والموتى } الكفار، حين { يبعثهم الله } مع الموتى. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إنما يستجيب الذين يسمعون } قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله، والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدى ولا ينتفع به. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان الثوري، عن محمد بن جحادة، عن الحسن: { إنما يستجيب الذين يسمعون } المؤمنون. { والموتى } قال: الكفار. حدثني ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن جحادة، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } قال: الكفار. وأما قوله: { ثم إليه يرجعون } فإنه يقول تعالى: { ثم إلى الله يرجعون } ، المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول، والكفار الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئا، فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب، ويعاقب هذا الكافر بما أوعد أهل الكفر به من العقاب، لا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة.
[6.37]
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم المعرضون عن آياته: { لولا نزل عليه آية من ربه } يقول: قالوا: هلا نزل على محمد آية من ربه كما قال الشاعر:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم
بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا
بمعنى: هلا الكمي. والآية العلامة، وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها. قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقائلي هذه المقالة لك: إن الله قادر على أن ينزل آية، يعني: حجة على ما يريدون ويسألون { ولكن أكثرهم لا يعلمون } يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية، لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نزلها من البلاء، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك، ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزلها عليك لم يقولوا ذلك ولم يسألوكه، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.
[6.38]
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك المكذبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبن الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون، وكيف يغفل عن أعمالكم أو يترك مجازاتكم عليها وهو غير غافل عن عمل شيء دب على الأرض صغير أو كبير ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء؟ بل جعل ذلك كله أجناسا مجنسة وأصنافا مصنفة، تعرف كما تعرفون وتتصرف فيما سخرت له كما كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومثبت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب، ثم أنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاء أعمالها. يقول: فالرب الذي لم يضيع حفظ أعمال البهائم والدواب في الأرض والطير في الهواء حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها وأثبت ذلك منها في أم الكتاب وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء، أحرى أن لا يضيع أعمالكم ولا يفرط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها أيها الناس حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، إذ كان قد خصكم من نعمه وبسط عليكم من فضله ما لم يعم به غيركم في الدنيا، وكنتم بشكره أحق وبمعرفة واجبه عليكم أولى لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميزون والفهم الذي لم يعطه البهائم والطير الذي به بين مصالحكم ومضاركم تفرقون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { أمم أمثالكم } أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله : { إلا أمم أمثالكم } يقول: إلا خلق أمثالكم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } قال: الذرة فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب. وأما قوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } فإن معناه: ما ضيعنا إثبات شيء منه. كالذي: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } قال: لم نغفل، ما من شيء إلا وهو في الكتاب. وحدثني به يونس مرة أخرى، قال في قوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } قال: كلهم مكتوب في أم الكتاب. وأما قوله: { ثم إلى ربهم يحشرون } فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى حشرهم الذي عناه الله تعالى في هذا الموضع. فقال بعضهم: حشرها موتها. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } قال ابن عباس: موت البهائم حشرها. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ثم إلى ربهم يحشرون } قال: يعني بالحشر: الموت. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليم، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { ثم إلى ربهم يحشرون } يعني بالحشر: الموت. وقال آخرون: الحشر في هذا الموضع يعني به الجمع لبعث الساعة وقيام القيامة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، في قوله: { إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } قال: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم، والدواب، والطير، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا، فذلك يقول الكافر:
Faqe e panjohur