Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير، قوله: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } قال: شدة لدينهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } قال: قيامها أن يأمن من توجه إليها. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد } يعني قياما لدينهم، ومعالم لحجهم. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد } جعل الله هذه الأربعة قياما للناس، هو قوام أمرهم. وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفاظها، فإن معانيها آيلة إلى ما قلنا في ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كالملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالمهم عن مظلومهم والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم ومناسكهم ومتوجههم لصلاتهم وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد } حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لحاء السمر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد } قال: كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوك تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد.
قال: ويلقى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نسخ. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { والقلائد } كان ناس يتقلدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحج، فيعرفون بذلك. وقد أتينا على البيان عن ذكر الشهر الحرام والهدي والقلائد فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم }. يعني تعالى ذكره بقوله: { ذلك } تصييره الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيرت لكم أيها الناس ذلك قياما كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث مما به قوامكم، علما منه بمنافعكم ومضاركم أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاح عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم حتى يجازي المحسن منكم بإحسانه والمسيء منكم بإساءته.
[5.98]
يقول تعالى ذكره: اعلموا أيها الناس أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخفى عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يحصيها عليكم ليجازيكم بها، شديد عقابه من عصاه وتمرد عليه على معصيته إياه، وهو غفور الذنوب من أطاعه وأناب إليه فساتر عليه وتارك فضيحته بها، رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها.
[5.99]
وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد، يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم أيها الناس بإنذاركم عقابنا بين يدي عذاب شديد وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم، إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية. { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } يقول: وغير خفي علينا المطيع منكم القابل رسالتنا العامل بما أمرته بالعمل به من العاصي التارك العمل بما أمرته بالعمل به لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه. { وما تكتمون } يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر أو يقين وشك ونفاق. يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب، فحقيق أن يتقى وأن يطاع فلا يعصى.
[5.100]
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لا يعتدل الردىء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي. { ولو أعجبك كثرة الخبيث } يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلوا دون أهل معصيته، وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبن من كثرة من يعصى الله فيمهله ولا يعاجله بالعقوبة فإن العقبى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث } قال: الخبيث: هم المشركون والطيب: هم المؤمنون. وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد به بعض أتباعه، يدل على ذلك قوله: { فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون }. القول في تأويل قوله تعالى: { فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون }. يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم. { يا أولي الألباب } يعني بذلك: أهل العقول والحجا، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه. { لعلكم تفلحون } يقول: اتقوا الله لتفلحوا: أي كي تنجحوا في طلبتكم ما عنده.
[5.101]
ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام، امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا، فيقول له بعضهم: من أبي؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟ فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياء من ذلك، كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه، { إن تبد لكم تسؤكم } يقول: إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها. وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا بعض بني نفيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الجويرية، قال: قال ابن عباس لأعرابي من بني سليم: هل تدري فيما أنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم }؟ حتى فرغ من الآية، فقال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ والرجل تضل ناقته فيقول: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية. حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامر وأبو داود، قالا: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم، فقال:
Faqe e panjohur