1125

أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، ويؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوا به وآمنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق، فأثنى عليهم ما تسمعون. والصواب في ذلك من القول عندي أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس ودادا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم.

وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه. وأما قوله تعالى: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } فإنه يقول: قربت مودة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين من أجل أن منهم قسيسين ورهبانا. والقسيسون: جمع قسيس، وقد يجمع القسيس: «قسوس»، لأن القس والقسيس بمعنى واحد. وكان ابن زيد يقول في القسيس بما: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: القسيسين: عبادهم. وأما الرهبان، فإنه يكون واحدا وجمعا فأما إذا كان جمعا، فإن واحدهم يكون راهبا، ويكون الراهب حينئذ فاعلا من قول القائل: رهب الله فلان، بمعنى: خافه، يرهبه رهبا ورهبا، ثم يجمع الراهب رهبان، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعا قول الشاعر:

رهبان مدين لو رأوك تنزلوا

والعصم من شعف العقول الفادر

وقد يكون الرهبان واحدا، وإذا كان واحدا كان جمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين. ويجوز جمعه أيضا رهابنة إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا قول الشاعر:

لو عاينت رهبان دير في القلل

لانحدر الرهبان يمشي ونزل

واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } فقال بعضهم: عني بذلك قوم كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتبعوه على شريعته. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } قال: كانوا نواتي في البحر يعني ملاحين قال: فمر بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه. قال: فذلك قوله: { قسيسين ورهبانا }. وقال آخرون: بل عني بذلك القوم الذين كان النجاشي بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، قال: ثنا عنبسة عمن حدثه، عن أبي صالح في قوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } قال: ستة وستون، أو سبعة وستون، أو اثنان وستون من الحبشة، كلهم صاحب صومعة، عليهم ثياب الصوف. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } قال: بعث النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون، فقال: هم هؤلاء. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا اختارهم الخير فالخير.

فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم: يس والقرآن الحكيم فبكوا وعرفوا الحق، فأنزل الله فيهم: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون } ، وأنزل فيهم:

الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون

Faqe e panjohur