Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما، لما قد بينا قبل فيما مضى من أن كل غاية حدت ب «إلى» فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه. وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه، إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بين وحكم، ولا حكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه. القول في تأويل قوله تعالى: { وامسحوا برءوسكم }. اختلف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله: { وامسحوا برءوسكم } فقال بعضهم: وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من روؤسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا حماد بن مسعدة، عن عيسى بن حفص، قال: ذكر عند القاسم بن محمد مسح الرأس، فقال: يا نافع كيف كان ابن عمر يمسح؟ فقال: مسحة واحدة. ووصف أنه مسح مقدم رأسه إلى وجهه. فقال القاسم: ابن عمر أفقهنا وأعلمنا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني نافع أن ابن عمر كان إذا توضأ رد كفيه إلى الماء ووضعهما فيه، ثم مسح بيديه مقدم رأسه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن بكير، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يضع بطن كفيه على الماء ثم لا ينفضهما ثم يمسح بهما ما بين قرنيه إلى الجبين واحدة، ثم لا يزيد عليها في كل ذلك مسحة واحدة، مقبلة من الجبين إلى القرن. حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا شريك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ مسح مقدم رأسه. حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: يجزيك أن تمسح مقدم رأسك إذا كنت معتمرا، وكذلك تفعل المرأة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله الأشجعي، عن سفيان، عن ابن عجلان، عن نافع، قال: رأيت ابن عمر مسح بيافوخه مسحة. وقال سفيان: إن مسح شعرة أجزأه يعني واحدة. حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: أي جوانب رأسك مسست الماء أجزأك. حدثنا أبو هشام، قال: ثنا علي بن ظبيان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، مثله. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يمسح رأسه هكذا، فوضع أيوب كفه وسط رأسه، ثم أمرها على مقدم رأسه. حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن الشعبي، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يزيد بن الحباب، عن سفيان، قال: إن مسح رأسه بأصبع واحدة أجزأه. حدثنا أبو الوليد الدمشقي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: قلت لأبي عمرو: ما يجزىء من مسح الرأس؟ قال: أن تمسح مقدم رأسك إلى القفا أحب إلي. حدثني العباس بن الوليد، عن أبيه، عنه، نحوه. وقال آخرون: معنى ذلك: فامسحوا بجميع رؤوسكم. قالوا: إن لم يمسح بجميع رأسه بالماء لم تجزه الصلاة بوضوئه ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا أشهب، قال: قال مالك: من مسح بعض رأسه ولم يعم أعاد الصلاة بمنزلة من غسل بعض وجهه أو بعض ذراعه. قال: وسئل مالك عن مسح الرأس، قال: يبدأ من مقدم وجهه، فيدير يديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ منه. وقال آخرون: لا يجزىء مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه أمر بالمسح برأسه القائم إلى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولم يحد ذلك بحد لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسح به المتوضىء من رأسه فاستحق بمسحه ذلك أن يقال: مسح برأسه، فقد أدى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلى صلاته. فإن قال لنا قائل: فإن الله قد قال في التيمم: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } أفيجزىء المسح ببعض الوجه واليدين في التيمم؟ قيل له: كل ما مسح من ذلك بالتراب فيما تنازعت فيه العلماء، فقال بعضهم: يجزيه ذلك من التيمم، وقال بعضهم: لا يجزئه، فهو مجزئه، لدخوله في إسم الماسحين به. وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه، فمسلم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم، ولا حجة لأحد علينا في ذلك إذ كان من قولنا: إن ما جاء في آي الكتاب عاما في معنى فالواجب الحكم به على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له، فإذا خص منه منه شيء كان ما خص منه خارجا من ظاهره، وحكم سائره على العموم. وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. والرأس الذي أمر الله جل وعز بالمسح به بقوله: { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } هو منابت شعر الرأس دون ما جاوز ذلك إلى القفا مما استدبر، ودون ما انحدر عن ذلك مما استقبل من قبل وجهه إلى الجبهة. القول في تأويل قوله تعالى: { وأرجلكم إلى الكعبين }. اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق: { وأرجلكم إلى الكعبين } نصبا.
فتأويله: إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برؤوسكم. وإذا قرىء كذلك كان من المؤخر الذي معناه التقديم، وتكون «الأرجل» منصوبة، عطفا على «الأيدي». وتأول قارئو ذلك كذلك، أن الله جل ثناؤه إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها. ذكر من قال: عنى الله بقوله: { وأرجلكم إلى الكعبين } الغسل: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة: أن رجلا صلى وعلى ظهر قدمه موضع ظفر، فلما قضى صلاته، قال له عمر: أعد وضوءك وصلاتك. حدثنا حميد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا عبد الله بن حسن، قال: ثنا هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قال: خللوا الأصابع بالماء لا تخللها النار. حدثنا عبد الله بن الصباح العطار، قال: ثنا حفص بن عمر الحوضي، قال: ثنا مرجى، يعني ابن رجاء اليشكري، قال: ثنا أبو روح عمارة بن أبي حفصة، عن المغيرة بن حنين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه، فقال:
" بهذا أمرت "
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، قال: سمعت مصعب بن سعيد، يقول: رأى عمر بن الخطاب قوما يتوضؤون، فقال: خللوا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى، قال: سمعت القاسم، قال: كان ابن عمر يخلع خفيه، ثم يتوضأ فيغسل رجليه، ثم يخلل أصابعه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، قال: قلت للأسود: رأيت عمر يغسل قدميه غسلا؟ قال: نعم. حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لابن أبي سويد: بلغنا عن ثلاثة كلهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يغسل قدميه غسلا، أدناهم ابن عمك المغيرة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الصباح، عن محمد، وهو ابن أبان، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة: أن عمر بن الخطاب رأى رجلا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظفر، فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن شيبة بن نصاح، قال: صحبت القاسم بن محمد إلى مكة، فرأيته إذا توضأ للصلاة يدخل أصابع رجليه يصب عليها الماء، قلت: يا أبا محمد، لم تصنع هذا؟ قال: رأيت ابن عمر يصنعه.
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } قال: عاد الأمر إلى الغسل. حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا أبي، عن حفص الغاضري، عن عامر بن كليب، عن أبي عبد الرحمن، قال: قرأ علي الحسن والحسين رضوان الله عليهما، فقرءا: { وأرجلكم إلى الكعبين } فسمع علي رضي الله عنه ذلك، وكان يقضي بين الناس، فقال: «وأرجلكم»، هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب بن عبد الأعلى، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأها: { فامسحوا برءوسكم وأرجلكم } بالنصب، وقال: عاد الأمر إلى الغسل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قرأها: { وأرجلكم } وقال: عاد الأمر إلى الغسل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن المبارك، عن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: أنه كان يقرأ: { وأرجلكم } بالنصب. حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } فيقول: اغسلوا وجوهكم، واغسلوا أرجلكم، وامسحوا برؤوسكم فهذا من التقديم والتأخير. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علي، عن شيبان، قال: أثبت لي عن علي أنه قرأ: { وأرجلكم }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: { وأرجلكم } رجع الأمر إلى الغسل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خالد، عن عكرمة، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن الأعمش، قال: كان أصحاب عبد الله يقرؤونها: { وأرجلكم } فيغسلون. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، قال: اغسل القدمين إلى الكعبين. حدثني عبد الله بن محمد الزبيري، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: رأيت عليا توضأ، فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ظننت أن بطن القدم أحق من ظاهرها. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا عبد الملك، عن عطاء، قال: لم أر أحدا يمسح على القدمين. حدثني المثنى، قال: ثني الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن مجاهد أنه قرأ: { وأرجلكم إلى الكعبين } فنصبها، وقال: رجع إلى الغسل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: سمعت الأعمش يقرأ: { وأرجلكم } بالنصب. حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: سئل مالك عن قول الله: { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } أهي «أرجلكم» أو «أرجلكم»؟ فقال: إنما هو الغسل وليس بالمسح، لا تمسح الأرجل، إنما تغسل.
قيل له: أفرأيت من مسح أيجزيه ذلك؟ قال: لا. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، عن الضحاك: { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم } قال: اغسلوها غسلا. وقرأ ذلك آخرون من قراء الحجاز والعراق: «وامسحوا برءوسكم وأرجلكم» بخفض الأرجل. وتأول قارئو ذلك كذلك أن الله إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلها، وجعلوا الأرجل عطفا على الرأس، فخفضوها لذلك. ذكر من قال ذلك من أهل التأويل: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن قيس الخراساني، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن حميد. ح، وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا حميد، قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور، فقال: «اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، وإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما». فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله: «وامسحوا برءوسكم وأرجلكم» قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما. حدثنا ابن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عاصم الأحول، عن أنس، قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة الغسل. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن موسى بن أنس، قال: خطب الحجاج، فقال: «اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، ظهورهما وبطونهما وعراقيبهما، فإن ذلك أدنى إلى خبثكم». قال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله: «وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين». حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا عبد الله العتكي، عن عكرمة، قال : ليس على الرجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: امسح على رأسك وقدميك. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل جبريل بالمسح. قال: ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: أمر بالتيمم فيما أمر به بالغسل. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، أنه قال: إنما هو المسح على الرجلين، ألا ترى أنه ما كان عليه الغسل جعل عليه المسح، وما كان عليه المسح أهمل؟ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال: أمر أن يمسح في التيمم ما أمر أن يغسل في الوضوء، وأبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء الرأس والرجلان.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، قال: أمر أن يمسح بالصعيد في التيمم ما أمر أن يغسل بالماء، وأهمل ما أمر أن يمسح بالماء. حدثنا ابن أبي زياد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا إسماعيل، قال: قلت لعامر: إن ناسا: يقولون: إن جبريل صلى الله عليه وسلم نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبريل بالمسح. حدثنا أبو بشر الواسطي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن يونس، قال: ثني من صحب عكرمة إلى واسط، قال: فما رأيته غسل رجليه، إنما يمسح عليهما حتى خرج منها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين» افترض الله غسلتين ومسحتين. حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن علقمة أنه قرأ: «وأرجلكم» مخفوضة اللام. حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش ، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو الحسن العكلي، عن عبد الوارث، عن حميد، عن مجاهد أنه كان يقرأ: «وأرجلكم». حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: كان الشعبي يقرأ: «وأرجلكم» بالخفض. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الحسن بن صالح، عن غالب، عن أبي جعفر، أنه قرأ: «وأرجلكم» بالخفض. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، أنه قرأ: «وأرجلكم» بالكسر. والصواب من القول عندنا في ذلك، أن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك بهما المتوضيء كان مستحقا اسم ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء. ومسحهما: إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما. فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح، ولذلك من احتمال المسح المعنيين اللذين وصفت من العموم والخصوص اللذين أحدهما مسح ببعض والآخر مسح بالجميع اختلفت قراءة القراء في قوله: { وأرجلكم } فنصبها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أن الفرض فيهما الغسل وإنكارا منه المسح عليهما مع تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم مسحهما بالماء، وخفضها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أن الفرض فيهما المسح. ولما قلنا في تأويل ذلك إنه معني به عموم مسح الرجلين بالماء كره من كره للمتوضىء الاجتزاء بإدخال رجليه في الماء دون مسحهما بيده، أو بما قام مقام اليد توجيها منه قوله: «وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين» إلى مسح جميعهما عاما باليد، أو بما قام مقام اليد دون بعضهما مع غسلهما بالماء.
كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا نافع، عن ابن عمر. وعن الأحول، عن طاووس: أنه سئل عن الرجل يتوضأ ويدخل رجليه في الماء، قال: ما أعد ذلك طائلا. وأجاز ذلك من أجاز توجيهه منه إلى أنه معني به الغسل. كما: حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت هشاما يذكر عن الحسن في الرجل يتوضأ في السفينة، قال: لا بأس أن يغمس رجليه غمسا. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني أبو حمزة، عن الحسن في الرجل إذا توضأ على حرف السفينة، قال: يخضخض قدميه في الماء. فإذا كان في المسح المعنيان اللذان وصفنا من عموم الرجلين بالماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحا بالأدلة الدالة التي سنذكرها بعد أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والمسح فبين صواب القراءتين جميعا، أعني النصب في الأرجل والخفض، لأن في عموم الرجلين بمسحهما بالماء غسلهما، وفي إمرار اليد وما قام مقام اليد عليهما مسحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبا لما في ذلك من معنى عمومهما بإمرار الماء عليهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضا لما في ذلك من إمرار اليد عليهما، أو ما قام مقام اليد مسحا بهما. غير أن ذلك وإن كان كذلك وكانت القراءتان كلتاهما حسنا صوابا، فأعجب القراءتين إلي أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضا لما وصفت من جمع المسح المعنيين اللذين وصفت، ولأنه بعد قوله: { وامسحوا برءوسكم } فالعطف به على الرؤوس مع قربه منه أولى من العطف به على الأيدي، وقد حيل بينه وبينها بقوله: { وامسحوا برءوسكم }. فإن قال قائل: وما الدليل على أن المراد بالمسح في الرجلين العموم دون أن يكون خصوصا نظير قولك في المسح بالرأس؟ قيل: الدليل على ذلك تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار "
Faqe e panjohur