Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
الجزية قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية
[التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه.
قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه. وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: عني بقوله: { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } حرائر المؤمنين وأهل الكتاب، لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرار في الحال التي أباحهن لهم إلا أن يكن مؤمنات، فقال عز ذكره:
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت
[النساء: 25] فلم يبح منهن إلا المؤمنات، فلو كان مرادا بقوله: { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب }: العفائف، لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله:
وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم
[النور: 32]، وقد دللنا على فساد قول من قال: لا يحل نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين في موضع غير هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذمية كانت أو حربية، بعد أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يجبر على الكفر، بظاهر قول الله جل وعز: { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }. فأما قول الذي قال: عنى بذلك نساء بني إسرائيل الكتابيات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه لشذوذه والخروح عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى. وقد دللنا على فساد قول قائل هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية فكرهنا إعادته. وأما قوله: { إذا آتيتموهن أجورهن } فإن الأجر: العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها، وهو المهر. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: { آتيتموهن أجورهن } يعني مهورهن. القول في تأويل قوله تعالى: { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان }. يعني بذلك جل ثناؤه: أحل لكم المحصنات من المؤمنات،والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان. ويعني بقوله جل ثناؤه: { محصنين }: أعفاء { غير مسافحين } يعني: لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة وهو الفجور { ولا متخذي أخدان } يقول: ولا منفردين ببغية واحدة قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها. وقد بينا معنى الإحصان ووجوهه ومعنى السفاح والخدن في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وهو كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { محصنين غير مسافحين } يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة، { غير مسافحين } متعالنين بالزنا، { ولا متخذي أخدان } يعني: يسرون بالزنا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة، ومحصنة من أهل الكتاب { ولا متخذي أخدان } ذات الخدن: ذات الخليل الواحد. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن الحسن، قال: سأله رجل: أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات؟ فإن كان لا بد فاعلا، فليعمد إليها حصانا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتبعته. القول في تأويل قوله عز ذكره: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين }. يعني بقوله جل ثناؤه: { ومن يكفر بالإيمان } ومن يجحد ما أمر الله بالتصديق به من توحيد الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، وهو الإيمان الذي قال الله جل ثناؤه: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } يقول: فقد بطل ثواب عمله الذي كان يعمله في الدنيا، يرجو أن يدرك به منزلة عند الله. { وهو في الآخرة من الخاسرين } يقول: وهو في الآخرة من الهالكين الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بمحمد وعملهم بغير طاعة الله. وقد ذكر أن قوله: { ومن يكفر بالإيمان } عني به أهل الكتاب، وأنه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم تحرجوا نكاح نساء أهل الكتاب لما قيل لهم: { أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }. ذكر من قال ذلك. حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن ناسا من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم يعني نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } فأحل الله تزويجهن على علم. وبنحو الذي قلنا في تأويل الإيمان قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك. حدثنا محمد ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: { ومن يكفر بالإيمان، فقد حبط عمله } قال: بالإيمان بالله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن واصل، عن عطاء: { ومن يكفر بالإيمان } قال: الإيمان: التوحيد. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ومن يكفر بالإيمان } قال: بالله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: { ومن يكفر بالإيمان، فقد حبط عمله } قال: من يكفر بالله.
حدثنا محمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ومن يكفر بالإيمان } قال: من يكفر بالله. حدثنا محمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ومن يكفر بالإيمان } قال: الكفر بالله. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { ومن يكفر بالإيمان، فقد حبط عمله } قال: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه. فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل من وجه قوله: { ومن يكفر بالإيمان } إلى معنى: ومن يكفر بالله؟ قيل وجه تأويله ذلك كذلك أن الإيمان هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، والكفر: جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة. فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟ قيل: تأويلها: ومن يأبى الإيمان بالله ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين، فذلك تأويل الكلام على وجهه.
[5.6]
Faqe e panjohur