Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم، واضمحل الشرك، ولم يطف حول البيت عريان، فأنزل الله: { اليوم أكملت لكم دينكم }. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، بنحوه. القول في تأويل قوله تعالى: { ورضيت لكم الإسلام دينا }. يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه { دينا } يعني بذلك: طاعة منكم لي. فإن قال قائل: أو ما كان الله راضيا الإسلام لعباده، إلا يوم أنزل هذه الآية؟ قيل: لم يزل الله راضيا لخلقه الإسلام دينا، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته الإسلام ومراتبه، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية: { ورضيت لكم الإسلام دينا } بالصفة التي هو بها اليوم، والحال التي أنتم عليها اليوم منه { دينا } فالزموه ولا تفارقوه. وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله، ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام. فيقول: رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزي. وأحسب أن قتادة وجه معنى الإيمان بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان، لأن ذلك معنى الإيمان عند العرب، ووجه معنى الإسلام إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد، وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى، فلذلك قيل للإسلام: إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزي. ذكر من قال: نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت،أنزلت يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }. حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال يهودي لعمر: لو علمنا معشر اليهود حين نزلت هذه الآية: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } لو نعلم ذلك اليوم اتخذنا ذلك اليوم عيدا.
فقال عمر: قد علمت اليوم الذي نزلت فيه والساعة، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت نزلت ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات. لفظ الحديث لأبي كريب، وحديث ابن وكيع نحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن عمر، نحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حماد بن سلمة، عن عمار مولى بني هاشم، قال: قرأ ابن عباس: { اليوم أكملت لكم دينكم } وعنده رجل من أهل الكتاب، فقال: لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار: أن ابن عباس قرأ: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس نحوه. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا رجاء بن أبي سلمة، قال: أخبرنا عبادة بن نسي، قال: ثنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر إسحاق هو ابن حرشة عن قبيصة قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عيسى بن حارثة الأنصاري، قال: كنا جلوسا في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام: لقد نزلت عليكم آية لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدا ما بقي منا اثنان: «اليوم أكملت لكم دينكم». فلم يجبه أحد منا، فلقيت محمد ابن كعب القرظي، فسألته عن ذلك، فقال: ألا رددتم عليه؟ فقال: قال عمر بن الخطاب:أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيدا للمسلمين ما بقي منهم أحد. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال ثنا داود، عن عامر، قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } عشية عرفة وهو في الموقف.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، قال: قلت لعامر: إن اليهود تقول: كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأي يوم؟ قال: يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أنها نزلت يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حبيب، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب، قال: نزلت سورة المائدة يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن ليث، عن شهر ابن حوشب، قال: نزلت سورة المائدة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة على راحلته، فتنوخت لأن يدق ذراعها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة المائدة جميعا وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء قالت: فكادت من ثقلها أن يدق عضد الناقة. حدثني أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عمرو بن قيس السكوني أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية: { اليوم أكملت لكم دينكم } حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية، أعني قوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } يوم الاثنين، وقالوا: أنزلت سورة المائدة بالمدينة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عباس: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين { اليوم أكملت لكم دينكم } ورفع الذكر يوم الاثنين. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة، قال: المائدة مدنية. وقال آخرون: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في حجة الوداع. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسير في حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها.
وقال آخرون: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، وإنما معناه اليوم الذي أعلمه أنا دون خلقي، أكملت لكم دينكم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { اليوم أكملت لكم دينكم } يقول: ليس بيوم معلوم يعلمه الناس. وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القول الذي روي عن عمر بن الخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده ووهي أسانيد غيره. القول في تأويل قوله تعالى: { فمن اضطر في مخمصة }. يعني تعالى ذكره بقول: { فمن اضطر }: فمن أصابه ضر في مخمصة، يعني في مجاعة، وهي مفعلة مثل المجبنة والمبخلة والمنجبة، من خمص البطن، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع معني به اضطماره من الجوع وشدة السغب، وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسغب، ولكن من خلقة، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخمص البطن:
والبطن ذو عكن خميص لين
والنحر تنفجه بثدي مقعد
فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله خميص بالهزال الضر من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها، لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر، من ذلك، قول أعشى بن ثعلبة.
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
يعني بذلك: يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضر، فمن هذا المعنى قوله: في مخمصة. وكان بعض نحويي البصرة يقول: المخمصة: المصدر من خمصه الجوع. وكان غيره من أهل العربية يري أنها اسم للمصدر وليست بمصدر ولذلك تقع المفعلة اسما في المصادر للتأنيث والتذكير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فمن اضطر في مخمصة } يعني في مجاعة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فمن اضطر في مخمصة } أي في مجاعة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فمن اضطر في مخمصة } قال: ذكر الميتة وما فيها وأحلها في الاضطرار. { في مخمصة } يقول: في مجاعة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { فمن اضطر في مخمصة } قال: المخمصة: الجوع. القول في تأويل قوله تعالى: { غير متجانف لإثم }. يعني بذلك جل ثناؤه: { فمن اضطر في مخمصة } إلى أكل ما حرمت عليه منكم أيها المؤمنون من الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية.
Faqe e panjohur