1026

[5.3]

يعني بذلك جل ثناؤه: حرم الله عليكم أيها المؤمنون الميتة، والميتة: كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها، وأهليها ووحشيها، فارقتها روحها بغير تذكية. وقد قال بعضهم: الميتة: هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية مما أحل الله أكله. وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك في كتابنا: كتاب «لطيف القول في الأحكام». وأما الدم، فإن الدم المسفوح دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جل ثناؤه قال:

قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير

فأما ما كان قد صار في معنى اللحم كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام، لإجماع الجميع على ذلك. وأما قوله: { ولحم الخنزير } فإنه يعني: وحرم عليكم لحم الخنزير، أهليه وبريه. فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره، حرام جميعه لم يخصص منه شيء. وأما قوله { وما أهل لغير الله به } فإنه يعني: وما ذكر عليه غير اسم الله. وأصله من استهلال الصبي وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه، ومنه إهلال المحرم بالحج إذا لبى به، ومنه قول ابن أحمر:

يهل بالفرقد ركبانها

كما يهل الراكب المعتمر

وإنما عنى بقوله: وما أهل لغير الله به }: وما ذبح للآلهة وللأوثان يسمى عليه غير اسم الله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى فكرهنا إعادته. القول في تأويل قوله تعالى: { والمنخنقة }. اختلفت أهل التأويل في صفة الانخناق الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله { والمنخنقة }. فقال بعضهم بما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { والمنخنقة } قال: التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة، فتختنق فتموت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، في المنخنقة، قال: التي تختنق فتموت. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: { والمنخنقة } التي تموت في خناقها. وقال آخرون: هي التي توثق فيقتلها بالخناق وثاقها. ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { والمنخنقة } قال: الشاة توثق، فيقتلها خناقها، فهي حرام. وقال آخرون: بل هي البهيمة من النعم، كان المشركون يخنقونها حتى تموت، فحرم الله أكلها. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { والمنخنقة }: التي تخنق فتموت.

حدثنا أنس قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والمنخنقة }: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها. وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: هي التي تختنق ، إما في وثاقها، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره، لأن المنخنقة: هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها، ولو كان معنيا بذلك أنها مفعول بها لقيل: والمخنوقة، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا. القول في تأويل قوله تعالى: { والموقوذة }: يعني جل ثناؤه بقوله { والموقوذة }: والميتة وقيذا، يقال منه: وقذه يقذه وقذا: إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك، ومنه قول الفرزدق:

شغارة تقذ الفصيل برجلها

فطارة لقوادم الأبكار

Faqe e panjohur