Ḥusn al-manāqib al-sirriyya al-muntazaʿa min al-sīra al-ẓāhiriyya

حسن المناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية

[مقدمة]

بسم الله الرحمن الرحيم.

رب يسر يا كريم

الحمد لله الذي أحيا ذكر الملوك بأيامهم الزاهرة، و سيرهم التي هي بتفاصيل أحوالهم سائرة، وأشهد حلية أحوالهم التي هي بمناقبهم حالية، وطرز حلل معاليهم بإثبات هممهم العالية. نحمده على وافر نعمه، ونستزيده من مواد كرمه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة شاهدة بإخلاص ما لها من سر وعلانية. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي شيد به الدين، وثبت مبانيه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة لا تزال الألسنة بها ثانية، والأقوال مرسلة أعنتها غير ثانية.

وبعد:

فإن في إثبات سير الملوك ما يشهد الغايئب، ويعيد الذاهب، ويوقف على أحوال المعاصر وغير المعاصر، ويمتع بحسن المسامرة بما

Faqja 53

للوقائع من الموارد والمصادر. وكان السلطان السعيد الشهيد، الملك الظاهر، ركن الدين بيبرس الصالحي، قد ملك فأسجح، وسعى في ذات الله فأنجح، وقام بأعباء السلطنة أيما قيام، وسهر في إقامة منار الإسلام والناس نيام، وأعمل الركاب في فظ شوكة عدو الله من الفرنج والتتار، [و]اجتهد في الأخذ بالثأر من قديم وحديث ممن ثار، وقضى المواد من كل مراد، وبلغ المرام الجميل كل من راد، وجاء والنصر فكأنما كانا على ميعاد، فلم يزل - رحمه الله - يدأب في افتتاح الحصون المغلقة، والكنائس المعلقة، وغير المعلقة، ومهاجمة العدو في عقر الدار، واستئصال شأفة الفرنج والأرمن والتتار، [و]لم يصطلى له بنار، ولا كان لعدو معه قرار، ولا حمى من صدماته مشيد من الأسوار، ولا وجد أحد منهم من

Faqja 54

عسر حصاره يسار، ولا ليمين انهزامه من يسار، فدوخ البلاد، وسلب الطارف والتلاد، وبدأ في غزو أعداء الله بنفسه وأعاد، وهاجم وتجهم، وحكم وتحكم، وعلم وعلم، وهزم الجيوش، وأوحش حتى الوحوش، واستغرق مدة ملكه في بلاد يفتتحها، وغزوات يختمها بالنصر ويفتتحها، ولم يزل أو أفنى العداة بعزائمه الماضية، وهزائمه التي هي بالدمار على الأعداء قاضية، ومعاركته التي ما برحت لوعد الله في نصره عليهم متقاضية، أو جعل الكنائس مساجد، والبيع لذكر الله معاهد، وأعدم المغل من التتار، وأخلى منهم الدار والجار، وأدب بسيفه من جار، وأعلى كلمة الإيمان على رؤوس الأشهاد، وأنام الإسلام وأهله في أومن مهاد.

وكان كاتب سره البليغ: محي الدين

Faqja 55

أبو الفضل، عبدالله ابن شيخ الإسلام رشيد الدين عبدالظاهر، قد افتتح أيامه بنظم سيرة رتل فيها سور محاسنه، صورة صورة، وأرخ وقائعه التي هي في صحائف حسنات مسطورة، فأطال وأطاب، وخطب بأمتع خطاب، وأتى على مجموع أيامه يوما يوما، وصرح بمناقبه وإلى إبداعها أوما، لكن اقتضى الحال أن يثبت منها الغث والسمين، وأن يكرر ما يشافه به سمع سلطانه من إطرا، وإن كان فيه صادق لا يمين.

وكان - رحمه الله - قد تحدث معي في اختصارها، فلم يتفق في حياته، ولم يقع تأدبا معه، في إثبات نفيه، ونفي إثباته، وقد

Faqja 56

اختصرتها رغبة في الإيجاز، الذي هو عين البلاغة، وعذوبة مياه الفصاحة المساغة، وذكرت منها الأهم المقدم، لتلذ مطالعتها، وتروق مراجعتها، وبالله التوفيق

ذكر ما ابتدأ به السيرة المدكورة

بدأ بالتعريف بجنسه، ولم يوغل فيه، ولا بينه، بل قال: إنه تركي الجنس والظاهر أنه كان البرلى، ونسبه إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأنه كان من جمداريته، ولم يذكر عمن انتقل إليه، إجلالا له.

وهذا السلطان المذكور انتقل إلى الأمير علاء الدين البندقدار الصالحي، ثم ارتجع

Faqja 57

إلى السلطان الملك الصالح، عندما تغير على علاء الدين المذكور، ولم يزل يعرف بالبندقداري إلى أن ملك، وكان علاء الدين البندقدار المذكور أميرا في دولته. ثم أخذ - رحمه الله - ينسب إليه قتال الفرنج، بعد وفاة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بالمنصورة، ليلة الاثنين منتصف شعبان سنة سبع وأربعين وستمئة، وفيها أسر ريدافرانس، واستولوا الفرنج على دمياط وشنقت الامراء الكنانية، بسبب تسليمها لهم. وقتل الملك المعظم، ولد الملك الصالح المذكور، قتله مماليك والده البحرية، ومنهم الملك الظاهر، لما ساءت سيرته، وقبحت سريرته، وأضمر لهم غدرا، ونظر لهم بعين التغير شزرا، وفيها سلم الفرنج دمياط مفاداة للريدافرنس.

Faqja 58

ذكر ما وصفه به من الشجاعة ووفاء العهد

قال - رحمه الله - ذكر مولانا السلطان من لفظه: إن العسكر لما انفصل من المنصورة، واستقر بالقاهرة، بلغه أمر عربان الصعيد، وعبثهم في البلاد، ونفاقهم، اتفق الرأي على تجريد جماعة من العساكر، وهم مئتا فارس، وأن العربان كان جمعهم عشرة الاف فارس، أو يزيدون، وأن السلطان كان قد تقدم في جمع قليل، فلما رأى كثرتهم التجأ إلى دهروط، فآواه أهلها، ونصروه، وخدموه، إلى أن تلاحق العسكر، وضربوا مع العرب رأسا، وكان مقدم العرب إنسانا يقال له حاتم، وأن السلطان هجم عليه، وأخذ رأسه، وكان بمنيته حاتم، وأن السلطان لما أفضت نوبة الملك إليه كافأ أهل دهروط أحسن مكافأة، وسامحهم بأمور كبيرة.

Faqja 59

ذكر السبب في توجه السلطان إلى الشام

قال: لما جعل عز الدين أيبك الجاشنكيري التركماني، أحد الأمراء الصالحية، أتابكا لشجرة الدر - سرية [الملك الصالح نجم الدين أيوب، طمع بالملك، وتسمى بالملك المعز، وتسلطن، ثم خاف، فتراجع عن ذلك، إلا ان اللقب بقي له، وبدأ يرتب في صفوف الأمراء، وقتل فارس الدين أقطاي، قائد فرقة البحرية، وعلى أثر ذلك خرج بيبرس إلى الشام، وتشتت معظم البحرية، وانضم بيبرس إلى الناصر، صاحب دمشق وحلب، واجتمع عليه هناك بعض البحرية، وحرض الناصر على أخذ مصر، إلا أن الخليفة في بغداد توسط بين الناصر وبين الملك المعز، فرأى بيبرس من

Faqja 60

الناصر جفاء، ففر إلى صاحب الكرك الملك المغيث وبمساعدته هاجم مصر مرتين، دون أن ينال كبير فائدة.

وكان إخفاقه في ذلك سببا في فساد الأمر بينه وبين الملك المغيث، فبدأ بيبرس يغير بخشداشيته لصالحه على الساحل والغوريات، حتى وصل إلى قرب دمشق، فقاومه الناصر، فهزم جيش الناصر، ووصل المنهزمون إلى] دمشق، فحمله ذلك إلى أن خرج بعساكره، ونزل بالمزيريب، ورحل منها إلى بركة زيزا وأقام بها مضاجرا للسلطان، ومن معه، وطالت مدة إقامته، ولم يظفر منه بطائل، فعدل إلى استمالته بكل طريق، فلما استوثق السلطان منه، حضر إليه، وتوجه معه إلى دمشق، في أعز مكانة، وضاعف له الإحسان، وأما من

Faqja 61

كان معه من البحرية فإن الملك المغيث أوقع عليهم الحوطه، وراسله الملك الناصر فاصطلحا عليهما، وسيرهما إليه في القيد والسلسلة.

ثم إن الأخبار تواترت بطمع التتار المخذولين في البلاد عندما سمعوا هذا الخذلان، وعزموا على الحضور بقضهم وقضيضهم، والملك الناصر نازل بالمزه، مشتغل بما لا يفيد من اللهو واللعب حتى إن مماليكه عزموا على قتله، والسلطان يعرض عليه نفسه، ويقول له: جرد معي جيشا، وأنا أتوجه إلى التتار وهو لا يلوي.

فعند ذلك تركه السلطان، وعدل عنه، قاصدا الديار المصرية، فلما وصل إلى غزة تبعته جماعة كبيرة من ماليك الملك الناصر، وخواصه، ووجد بها جماعة من الشهرزوريه، قاصدين الغدر، ففتك بهم

Faqja 62