Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ألم يأتكم نبأ } خبر { الذين من قبلكم } هذا من كلام موسى بنفسه أو بالوحى، قلت يجوز أن يكون من كلام الله جل وعلا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنزله عليه يخاطب به الكفار ثم رأيت القاضى أجازه { قوم نوح } بدل من الذين أو بنيان له { وعاد } قوم هود عليه السلام { وثمود } قوم صالح عليه السلام { والذين } مبتدأ { من بعدهم } وقوله { لا يعلمهم إلا الله } خبره والجملة معترضة أو الذين معطوف على قوم نوح وجملة لا يعلمهم إلا الله معترضة والمعنى لا يعلم عددهم أفرادا ولا جملا إلا الله لكثرتهم ولو علم بعض الناس بعضا منهم، وقيل المراد أنه ما بلغهم خبرهم أصلا وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال كذب النسابون أى فى دعواهم علم الأنساب إلى آدم أو دونه وقد نفى الله علمها عن العباد وكان مالك ابن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا أبا إلى آدم لأنه لا يعلم أولئك إلا الله، قيل قد نهى صلى الله عليه وسلم أن يرفع نسبه فوق عدنان وقد رفعه بعضهم إلى آدم وسجعه بعضهم من آدم عليه السلام هكذا أنه من آدم أبى البشر ذا العلا إلى حوى وصار وأول من حالها أفضل حلى وحلاثم إلى شيث فعاد النور منه مشعلا ثم إلى إدريس الذى قرأ صحفا وتلا ثم إلى تالغ الذى فات أقرانه وما ارتكب زللا ثم إلى ولده الذى مهلا يا بذل لأهله من المال جملا ثم إلى نوح النبى الذى ركب الفلك وعلى ثم إلى سام الذى ملك نعما وخولا ثم إلى أرفخشد الذى تبوأ عند ربه منزلا ثم إلى هود الذى شهد بعلمه عقول العقلاء ثم إلى غابر الذى مات أبوه وقد كان نبيا مرسلا ثم إلى أرغوى الذى له مواطن الكرم نزلا ثم إلى شاروخ الذى كان على أخوته مفضلا ثم إلى إبراهيم الذى قال له جبريل حين ألقى فى النار ألك حاجة. قال أما إليك فلا، ثم إلى إسماعيل الذبيح الذى أرسل إلى أهل الشرف والعلا ثم إلى قيدار الذى نال البهاء والنور الجملا، ثم إلى نبت الذى أصبح بالنور مجملا ثم إلى الهميع الذى أصبح بالنسب مكملا ثم إلى اليسع الذى قادته الأنوار حللا ثم إلى أرد الذى ما ابتغى العز عنه حولا ثم إلى أد الذى أضحى تاجه بالفخر مجملا ثم إلى عدنان الذى انتهى الشرف إليه أما إلى غيره فلا ثم إلى معد الذى نار بنوره الظلا وانجلى ثم إلى مضر الذى رفعه الصعود إلى العلا ثم إلى نزار الذى كان بالجمال مسربلا ثم إلى الياس الذى كان سعده مسبلا، ثم إلى مدركة، الذى أدرك شرفا وعلى، ثم إلى خزيمة الذى نوره يتلالى ثم إلى كنانة الذى موطن شرفه من الفخر ما خلا، ثم إلى النضر الذى فاق نضارة وعلا، ثم إلى مالك الذى أصبح به النسب متصلا، ثم إلى فهر الذى قرأ آيات العلا وتلا، ثم إلى لؤى الذى ما ابتغى غير الشرف بدلا، ثم إلى كعب الذى نوره لا يبلى، ثم إلى مرة الذى عذب منهله وحلا، ثم إلى كلاب الذى عقد له الفخر حللا، ثم إلى عبد مناف الذى كسته الأنوار جملا.
ثم إلى قصى الذى ساد قومه وعلا، ثم إلى هاشم الذى له المجد والعلا، ثم إلى عبد المطلب واسمه شيبة الحمد أولا، ثم إلى عبد الله صاحب العفاف والعلا وهو أبو سيدنا وحبيبنا وشفيعنا الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المرسلين سيد الخلق أجمعين تفضيلا وجملا. { جاءتهم رسلهم بالبينات } الحجج الواضحات على صدقهم { فردوا } أى وجهوا أو وضعوا أو أدخلوا { أيديهم فى أفواههم } إلى أفواههم كما قال ابن هشام ويجوز كون فى بمعنى على وبقائها على الظرفية والمعنى ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه أنفسهم فعضوا عليها غيظا، ما جاءت به الرسل كقوله تعالى عضوا عليكم الأنامل من الغيظ وهذا قول ابن مسعود وقال ابن عباس وضعوا أيديهم على أفواههم تعجبا، وقيل وضعوها عليها استهزاء وضحكا كما يفعل الذى غلبه الضحك فإنه يضع يده عفى فيه أو كالذى لا يريد أن يرى ضاحكا أو مبتسما. وقال بعضهم ردوا يدى أنفسهم فى أفواه أنفسهم إشارة إلى رسلهم أن اسكتوا وأطبقوا أفواهكم وذكر الشيخ هود قولا قويا عن بعضهم إيضاحه أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } فى زعمكم أيها الرجال أنكم أرسلتم { وإنا لفى شك مما تدعوننا } وقرئ مما تدعونا بإدغام نون الرفع فى نون نا { إليه } من الإيمان { مريب } موقع فى الريبة فى قولك أن أرابه أى أوقعه فى الريبة أو ذى ريبة من قولك إرابة الرجل أى صار ذا ريبة، والهمزة على الأول للتصيير وعلى الثانى للصيرورة، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الشىء وإنما صح لهم الاعتراف بالشك بعد الاعتراف بالكفر لأن الشك فيما جاءت به الرسل كفر فذكر الشك بيانا له أو المراد بالكفر الجزم بالإنكار وبالشك أنا لم ندع الجزم فى قولنا فلا أقل من أن نكون شاكين وذلك إقناط للرسل من الإيمان بهم وأنه لا جواب عندنا غير ذلك، وقيل ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه أنفسهم بمعنى أنهم لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولو أجابوا بالتكذيب كقولك فى عدم الجواب أصلا رد يده إلى فيه وقال الحسن والكلبى ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه الرسل يسكتونهم ولا يتركونهم يتكلمون.
وهو أشنع رد وقيل ردوا أيديهم فى أفواه الرسل مشيرين لهم إلى السكوت وعلى القولين فيحتمل الكلام الحقيقة ويحتمل التمثيل لعدم القبول، وقال مجاهد وقتادة ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه الرسل، أى كذبوا قولهم كقولك ردد قول فلان فى فيه إذا كذبته، وقيل لأيدى جمع يد بمعنى النعمة فالمعنى ردوا نعم الرسل وهى مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إليهم من الشرائع فى أفواه الرسل أى لم يقبلوها عنهم فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت أو ردوا نعم الرسل بافواه أنفسهم بأن كذبوها وعليه ففى بمعنى الباء.
[14.10]
{ قالت } للأمم، { رسلهم } رادين عليهم فى قولهم إنا لفى شك { أفى الله } أى أفى أمر الله الذى أرسلنا به أو فى وحدانيته بالألوهية أو فى وجود الله إن أنكروا وجوده والظاهر أنهم لم ينكروه جميعا. { شك } مع ظهور الأدلة التى منها خلق السماوات والأرض كما قال { فاطر } خالق. { السموات والأرض } والاستفهام إنكارى وفى الله خبر وشك مبتدأ وشك فاعل أفى الله لاعتماده على الاستفهام وإنما قدم وأدخلت عليه الهمزة لأن الكلام فى المشكوك فيه لا فى الشك، أى إنما ندعوكم إلى الله وهو لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وكثرتها، وفاطر صفة لله ولو كان وصفا لأنه للماضى فإضافته محضة أو بدل والأول أولى لأنه الأصل فى البدل إذ لا يكون وصفا وجملة. { يدعوكم } حال من مجرور فى أو مستأنف والمعنى يدعوكم إلى الإيمان. { ليغفر لكم } بالامتثال { من ذنوبكم } أى شيئا من ذنوبكم وهو الذنوب السابقة على الإسلام سواء كانت فيما بينهم وبين الله أو فيما بينهم وبين العباد وذلك غفران مقطوع به للإيمان ولو عصوه بعد بغير الشرك وأما المعصية بعد الإيمان فلا تغفر بلا رد المظالم والتخلص، فلم يذكر غفرانها لهم وإن رجعوا إلى الشرك لم تغفر لهم الذنوب السابقة أيضا وقيل يغفر لكم شيئا من ذنوبكم وهى الذنوب التى فيما بينهم وبين الله بناء على أن الإسلام لا يكون جبا لما قبله من تبعات العباد وهو ضعيف، ومن أجاز زيادة من فى الإيجاب والمعرفة جعل من صلة للتأكيد فيكون المعنى يغفر لكم ذنوبكم كلها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى إلى فيكون المعنى يدعوكم إلى غفران الذنوب. ومن تتبع القرآن وجد لفظة من تذكر فى غفران من أسلم من الشرك ولا تذكر فى غفران من لم يكن فى الشرك ولا فى غفران ذنب صدر بعد الإسلام من الشرك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يستوى الفريقان فى الميعاد، وخص من أسلم من الشرك لأن الغفران الذى أريد التصريح لهم به على سبيل القطع إنما هو غفران الذنوب التى سبقت الإسلام وهو مترتب على مجرد الإيمان وهى بعض ذنوبهم فى الجملة على تقدير أذنابهم بعد الإسلام وأما ذنوب من لم يكن فى الشرك أو ذنوب الإنسان بعد الإسلام فحيثما ذكرت مغفرتها فإنما هى مقيدة بالطاعة والتخلص من المعاصى وهى بهذا القيد تغفر كلها فلم تناسب من التبعيضية { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وهو آخر أعماركم سالمين من العذاب بخلاف ما أصررتم على الكفر فإنكم تعذبون ثم تموتون لآخر أعماركم أو تموتون لآخر أعماركم بعذاب كما مات من قبلكم بالطوفان والصيحة ونحوهما أو يجتمع عليكم عذاب قبل الموت وعذاب عنده تموتون به.
{ قالوا } أى الأمم مجيبين لرسلهم { إن } أى ما { أنتم إلا بشر مثلنا } لا فضل لكم علينا تخصون بالنبوة والرسالة لأجله ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من هو أفضل مثل إنسان يكون جسده فى البهاء والجمال والغلظ خارجا عن العادة فى الأجساد مثل أن يكون عظيما كالجبل ووجهه يتلألأ كالقمر أو بعث غير إنسان كالملك فإنهم يعتقدون أنهم أفضل من الإنسان فليس قول الزمخشرى لجعلهم من جنس أفضل منهم وهم الملائكة متعينا فى البناء على مذهبه فى تفضيل الملك على رسل الله بل محتمل لذلك ومحتمل للبناء على معتقد الكفر كما ذكر الله عز وجل عنهم ولو شاء الله لأنزل ملائكة { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } إلى الأصنام بهذه الدعوة إلى عبادة واحد، { فأتونا بسلطان } حجة { مبين } واضح أو موضح لدعواكم أو يدل على فضلكم ومزيتكم علينا ومرادهم التعنت باقتراح آية غير الآيات التى جاءت بها الرسل.
[14.11]
{ قالت لهم رسلهم إن } أى ما، { نحن إلا بشر مثلكم } سلموا أنهم مثليهم فى البشرية ولم يذكروا فضلهم تواضعا واقتصروا على قولهم، { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } بالنبوة لعلمه بأنهم أهل لها دون سواهم وفى ظاهر الآية دليل على أن الرسالة اضطرارية لا اكتسابية وإنما هى لحسب عطاء الله وتفضله وهو الصحيح عندى وكذا النبوة وعلى أن ترجيح بعض الجائزات بمشيئة الله تعالى فإن جعل النبى غير نبى بيانا جائزا بمعنى أن من كان نبيا ليس مستحقا بالنبوة بالذات ومن لم يكن نبيا ليس مستحقا لعدم النبوة بالذات وكذا الرسالة فافهم ولا تقلد من قال بغير ذلك { وما كان } أى ما أمكن { لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } بأمره وإقداره إيانا على الإتيان به وإلا فلا طاقة لنا به { وعلى الله } لا على غيره { فليتوكل } الفاء صلة ولذلك لم تمنع تعليق ما فبلها بما بعدها { المؤمنون } فى دفع شرور أعدائهم وعنادهم أمر للمؤمنين كافة بالتوكل للإشعار بما يوجب التوكل وهو الإيمان وهم إما داخلون فى عموم كلامهم وإما غير داخلين لكن يدخلون فى وجوب التوكل بتلويح بوجود الإيمان فيهم وعلى كل حال فالمراد أولا وبالذات إغراء أنفسهم على التوكل والإخبار بأنهم أحق به كأنهم قالوا ومن حقنا أن نتوكل على الله فيما يجرى علينا منكم كما قال.
[14.12]
{ وما لنا ألا نتوكل على الله } الاستفهام للإنكار، أى لا عذر لنا فى ألا نتوكل وحذف الجار كما رأيت وهو متعلق بالاستقرار الذى تعلق به لنا وذلك هو المتبادر عندى وعليه الزمخشرى وابن هشام وقيل لا زائدة والمصدر مفعول به الجار والمجرور نظرا إلى أن المعنى ما منعنا التوكل ويرده أنه لم يعهد عمل الجار والمجرور فى المفعول به الصريح وأنه لا وجه لتضمين لنا معنى منعنا وأن الأصل عدم الزيادة، وقال الأخفش إن زائدة ناصبة، وكان يجيز عمل أن الزائدة كما يعمل الجار الزائد ويرده أن الأصل عدم الزيادة وأنها لو كانت زائدة لم تعمل لعدم اختصاصها كما يختص حرف الجر الزائد بالاسم فقد دخلت على الحرف فى قوله
Faqe e panjohur