Al-Fawz al-kabīr fī uṣūl al-tafsīr
الفوز الكبير في أصول التفسير
Shtëpia botuese
دار الصحوة
Botimi
الثانية-١٤٠٧ هـ
Viti i botimit
١٩٨٦ م
Vendi i botimit
القاهرة
Rajone
•India
Perandori & epoka
Mughal Emperors (India), 932-1274 / 1526-1858
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: الفوز الكبير في أصول التفسير
المؤلف: الإمام أحمد بن عبد الرحيم (المعروف بـ «ولي الله الدهلوي» (المتوفى: ١١٧٦هـ)
عَرَّبَه من الفارسية: سلمان الحسيني النَّدوي
الناشر: دار الصحوة - القاهرة
الطبعة: الثانية - ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
1 / 26
مقدمة الكتاب
إن آلاء الله - تعالى - ونعمة على عبده الضعيف كثيرة لا تحصى، وأجل هذه النعم توفيقه إياي لفهم كتابه الحكيم، وإن ممن سيدنا رسول الله ﷺ على أصغر أفراد أمته، منزلة، عظيمة وفيرة، وأعظمها تبليغه ﷺ لكتاب ربه ﷿.
لقد تلقى الجيل الأول منه ﷺ القرآن الكريم، وتلقى الجيل الثاني من الجيل الأول وهكذا دواليك حتى وصل إلى العبد الضعيف فنال حظه من تلاوته وفهمه وتدبره. اللهم صل على هذا النبي الكريم، سيدنا ومولانا شفيعنا أفضل صواتك وأيمن بركاتك وعلى آله وأصحابه، وعلماء أمته أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد!
يقول الفقير إلى الله، ولي الله بن عبد الرحيم - عاملهما الله - تعالى - بلطفه العظيم -: إنه لما فتح الله - تعالى - على بابا من كتابه الحكيم، خطر لي أن أقيد الفوائد النافعة التي تنفع إخواني في تدبر كلام الله ﷿ وأرجو أن مجرد فهم هذه القواعد يفتح للطلاب طريقًا واسعًا إلى فهم
1 / 27
معاني كتاب الله - تعالى -، وأنهم لو قضوا أعمارهم في مطالعة كتب التفسير، أو قراءتها على المفسرين، لا يظفرون بهذه القواعد والأصول بهذا الضبط والتناسق.
وسميتها "بالفوز الكبير في أصول التفسير" وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد جمعت مقاصد هذه الرسالة في خمسة أبواب، وهي كما يلي:
١ - الباب الأول: في العلوم الخمسة التي يدل عليها القرآن الكريم نصًا، حتى وكأن القرآن نزل بالأصالة لهذه العلوم الخمسة.
٢ - الباب الثاني: في وجوه خفاء نظم القرآن بالنسبة إلى أفهام أهل هذا العصر، وتجليتها بأوضح بيان.
٣ - الباب الثالث: في بيان لطائف نظم القرآن، والأسلوب القرآني البديع.
٤ - الباب الرابع: في مناهج التفسير، وبيان أسباب الاختلاف ووجوهه في تفسير الصحابة والتابعين.
٥ - الباب الخامس: في بيان غريب القرآن، وأسباب النزول التي لابد من حفظها للمفسر، ويحظر بدونها الخوض في التفسير.
1 / 28
الباب الأول
العلوم الخمسة الأساسية التي يشتمل عليها القرآن
ليعلم أن المعاني التي يشتمل عليها القرآن لا تخرج عن خمسة علوم:
١ - علم الأحكام: كالواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، سواء كانت من قسم العبادات أو المعاملات، أو الاجتماع أو السياسة المدنية.
ويرجع تفصيل هذا العلم وشرحه إلى الفقيه.
٢ - علم الجدل: وهي المحاجة مع الفرق الأربع الباطلة، اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين.
ويرجع في شرح هذا العلم وتعريفه إلى المتكلم.
٣ - علم التذكير بآلاء الله: كبيان خلق السموات والأرض وإلهام العباد ما يحتاجون إليه، وبيان الصفات الإلهية.
٤ - علم التذكير بأيام الله: وهو بيان تلك الوقائع والحوادث التي أحدثها الله - تعالى - إنعامًا على المطيعين ونكالا للمجرمين (كقصص الأنبياء - عليهم الصلوات
1 / 29
والتسليمات - ومواقف شعوبهم وأقوامهم معهم) .
٥ - علم التذكير بالموت وما بعد الموت: كالحشر والنشر والحساب والميزان، والجنة والنار.
ويرجع تفصيل هذه العلوم وبيانها وذكر الأحاديث والآثار المتعلقة بها إلى الواعظ والمذكر.
اسلوب القرآن الكريم في عرض العلوم القرآنية:
وقد جاءت هذه العلوم في القرآن الكريم على طريقة العرب الأولين، لا على منهج العلماء المتأخرين، فلم يلتزم في آيات الأحكام، منه، طريق الإيجاز والاختصار كمؤلفي المتون الفقهية، ولا طريق تنقيح الحدود والقيود، كما يفعله الأصوليون.
وقد التزم في آيات الجدل والمخاصمة إيراد الأدلة المشهورة المسلمة، والبراهين الخطابية، لا تنقيح البراهين، وتقسيمها على طريقة المنطقيين.
ولم يراع في الانتقال من مقصد إلى آخر، ومن موضوع إلى موضوع آخر، تلك المناسبة، التي يراعيها الأدباء المتأخرون، بل ألقى على عباده ما رآه مهمًا، سواء كان مقدمًا أو مؤخرًا.
1 / 30
حقيقة أسباب النزول:
وقد ربط عامة المفسرين كل آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى في سبب نزولها، وظنوا أنها هي سبب النزول، والحق أن نزول القرآن الكريم إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية، وإزالة العقائد الباطلة، والأعمال الفاسدة.
فالسبب الحقيقي - إذن - في نزول آيات المخاصمة هو وجود العقائد الباطلة في نفوس المخاطبين. وسبب نزول آيات الأحكام إنما هو شيوع المظالم ووجود الأعمال الفاسدة فيهم. وسبب نزول آيات التذكير (بآلاء الله وأيامه وبالموت) إنما هو عدم تيقظهم وتنبههم بما يرون ويمرون عليه من آلاء الله وأيامه، وحوادث الموت، وما سيكون بعده من وقائع هائلة.
أما الأسباب الخاصة والقصص الجزئية التي تجشم بيانها المفسرون فليس لها دخل في ذلك إلا في بعض الآيات الكريمة، التي تشتمل على تعريض بحادث من الحوادث في عهد النبي ﷺ أو قبله، بحيث يقع القارئ بعد هذا التعريض في ترقب وانتظار لما كان وراءه من قصة أو حادث أو سبب، ولا يزال ترقبه إلا بسيط القصة وبيان سبب النزول.
لأجل ذلك يلزمنا أن نشرح هذه العلوم بطريقة لا نحتاج معها إلى إيراد قصص جزئية.
1 / 31
الفصل الأول
في علم الجدل
لقد وقع الجدل في القرآن الكريم مع الفرق الأربعة الباطلة: المشركين، واليهود والنصارى والمنافقين.
طريقان للجدل في القرآن الكريم:
وكان هذا الجدل والاحتجاج على طريقين:
١ - الأول أن تذكر العقيدة الباطلة وينص على شناعتها وفسادها واستنكارها، فحسب.
٢ - الثاني أن تحدد الشبهات التي وقع فيها هؤلاء الفرق، ثم تعرض حلولها وأجوبتها بالأدلة البرهانية أو الخطابية.
مفهوم الحنيف:
وقد كان المشركون يسمون أنفسهم "حنفاء" ويدعون التدين بملة سيدنا إبراهيم ﵇.
والحنيف هو من ينتمي إلى إبراهيم ﵇ ويتدين بملته، ويلتزم شعائره.
1 / 33
شعائر الملة الإبراهيمية:
وإن شعائر الملة الإبراهيمية هي: حج بيت الله الحرام، واستقباله في الصلوات، والغسل من الجنابة والاختتان، وسائر خصال الفطرة، وتحريم الأشهر الحرم، وتعظيم المسجد الحرام، وتحريم المحرمات النسبية والرضاعية، والذبح في الحلق، والنحر في اللبة، والتقرب بالذبح والنحر إلى الله - تعالى - لاسيما في أيام الحج.
بعض شرائع الملة الإبراهيمية:
وقد كان الوضوء، والصلاة، والصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والصدقة على اليتامى والمساكين، والإعانة على نوائب الحق، وصلة الأرحام، أمورًا مشروعة في أصل ملة إبراهيم ﵇ وكانوا يتمادحون بهذه الأعمال ويرونها فضيلة ومفخرة، إلا أن جمهور المشركين تركوها وانصرفوا عنها، وأصبحت عندهم هذه الأمور والشعائر كأن لم تكن شيئًا.
وكان تحريم القتل والسرقة والزنا والربا والغصب ثابتًا معلومًا في أصل الملة الحنيفية، ويجري استنكارها عندهم في الجملة، ولكن جمهور المشركين كانوا يرتكبونها، وينساقون وراءها بحكم النفس الأمارة بالسوء.
1 / 34
العقائد الثابتة لدى المشركين وانحرافهم عنها:
وكانت عقيدة إثبات وجود الله - تعالى - وأنه خالق الأرض والسموات العلى، وأنه مدبر الحوادث العظام، وأنه قادر على إرسال الرسل، ومجاز للعباد على أعمالهم، وأنه قادر مقدر للحوادث العظيمة، قبل وقوعها، وأن الملائكة عباد الله المقربون، وأنهم يستحقون الإكرام، كل ذلك كان ثابتًا عندهم، ويدل على ذلك شعرهم، ولكن جمهور المشركين، وقعوا في شبهات كثيرة تجاه هذه المعتقدات، لاستبعاد بعض الأمور، وعدم ألفتهم لإدراكها والإحاطة بمفاهيمها.
وقد كان ضلال هؤلاء وانحرافهم في الشرك والتشبيه والتحريف، وجحود الآخرة، واستبعاد رسالة سيد المرسلين ﷺ وشيوع الأعمال القبيحة والمظالم فيما بينهم، وابتداع الطقوس والتقاليد الباطلة، واندراس العبادات والشعائر الحقة الصحيحة.
حقيقة الشرك ومظاهره وأنواعه:
والشرك هو: إثبات الصفات الخاصة بالله - تعالى - لغيره، مثل إثبات التصرف المطلق في الكون بالإدارة المطلقة التي يعبر عنها "بكن فيكون" أو إثبات العلم الذاتي الذي
1 / 35
لا يحصل بالاكتساب عن طريق الحواس والدليل العقلي، والمنام والإلهام وأمثال هذه الوسائل المادية أو الروحية، أو إثبات إيجاد شفاء المريض، أو إثبات اللعنة على شخص أو السخط عليه بحيث ينقلب نتيجة هذا اللعن والسخط معدما، أو مريضًا أو شقيًا، أو الرحمة لشخص والرضا عنه بحيث ينقلب هو بسبب هذه الرحمة والرضا غنيًا صحيحًا، معافى، سعيدًا.
وهؤلاء المشركون لا يعرفون مع الله - تعالى - شريكًا، في خلق الجواهر (أي أصول المادة) وتدبير الأمور العظام، ويعترفون بأنه لا قدرة لأحد إذا أبرم الله - تعالى - شيئًا وقضى به أن يمانعه ويقف دونه، إنما إشراكهم في أمور خاصة ببعض العباد، إذ أنهم يظنون أن سلطانًا عظيمًا من السلاطين العظام، كما يرسل عبيده وأصحابه الزلفى لديه إلى بعض نواحي مملكته للقيام ببعض الأمور الجزئية، ويجعلهم متصرفين فيها - إلى أن يصدر عنه قرار آخر - باختيارهم وسلطتهم، وأنه لا يقوم بشئون الرعية وأمورهم الجزئية بنفسه، بل يكل ذلك إلى الولاة والحكام، ويقبل منهم شفاعتهم وتزكيتهم للموظفين الذين يعملون تحت إشرافهم، والمتصلين بهم، والمتزلفين لديهم، كذلك قد خلع ملك الملوك على الإطلاق - تعالى شأنه - على بعض عباده المقربين خلعة الألوهية، وجعل سخطهم ورضاهم مؤثرًا في عباده الأخرين.
1 / 36