السكينة تحملها الملائكة كالقُبَّة، فلما دنت منهم. . تكلَّم رجلٌ منهم بباطلٍ فرُفعت عنهم" (١).
ويصح إرادة هذا بالسكينة هنا، وهي في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إما ريحٌ لها وجه إنسان، أو رأسان، أو رأس هرة وجناحان وذَنَب، أو طست من ذهب، أو رَوْح من اللَّه تعالى تبين لهم ما يختلفون فيه (٢).
واختيار القاضي عياض أنها هنا الرحمة. . مردودٌ (٣)؛ لعطفها عليها المقتضي للمغايرة في قوله: (وغشيتهم الرحمة) أي: شملتهم من كل جهةٍ لاستيعابها ذنوبهم؛ إذ الغشيان لغةً: إنما يستعمل فيما يشمل المغشي من جميع أجزائه وجوانبه، فتجوَّز به عما ذُكر مبالغةً فيه (٤)، ومر تفسيرها بأنها إرادة التفضل والإنعام، أو الإنعام نفسه.
والمراد هنا: الأثر المترتب عليه؛ إذ هو الذي يوصف بالغشيان، فهي إحسانٌ نشأ عن إحسان الذاكر بذكره، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وهذا الغشيان في حالة الذكر سببٌ لتنزل تلك السكينة من اللَّه تعالى على الذاكرين، فلا ينزعجون لطارقٍ من طوارق الدنيا؛ لعلمهم بإحاطة قدرة مذكورهم له، فسكنوا واطمأنت قلوبهم بموعود الأجر؛ لقوة رجائهم بحصوله لما وُفِّقوا إلى الاشتغال باللَّه تعالى عن كل ما سواه.
(وحفَّتهم الملائكة) أي: أحاطت بهم ملائكة الرحمة والبركة إلى السماء الدنيا كما في رواية "الصحيحين" (٥)، وفي روايةٍ لأحمد: "علا بعضهم على بعضٍ حتى يبلغوا العرش" (٦)، كل ذلك لاستماع الذكر تعظيمًا للمذكور، وإعظامًا للذاكرين على غايةٍ من القرب والملاصقة بهم بحيث لم يدَعوا للشيطان فرجةً يتوصل منها للذاكرين.
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٠/ ٤٠١).
(٢) انظر تفصيل هذه الأقوال في "الدر المنثور" (١/ ٧٥٧) وما بعدها.
(٣) انظر "إكمال المعلم" (٨/ ١٩٥).
(٤) قوله: (فتجوَّز به) أي: الغشيان (عمَّا ذُكر) أي: عن استيعاب الذنوب، فيكون شبه استيعاب الرحمة لذنوبهم بالغشيان بجامع مطلق الإخفاء والستر، وأطلق الغشيان على الاستيعاب، واشتق من الغشيان (غشي) فيكون استعارة مصرحة تبعية. اهـ "مدابغي"
(٥) تقدم تخريجه قريبًا (ص ٥٧٦).
(٦) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٥٨) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
1 / 578
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]