Dhikrá al-ʿāqil wa-tanbīh al-ghāfil
ذكرى العاقل وتنبيه الغافل
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما
يقول عبد القادر، بن محيي الدين، بن المصطفى، بن محمد، ابن المختار، بن عبد القادر، بن أحمد، بن عبد القادر، بن أحمد، ابن محمد، بن عبد القوي، بن علي، بن أحمد، بن عبد القوي ابن خالد، بن يوسف، بن أحمد، بن بشار، بن أحمد، بن محمد، ابن مسعود، بن طاوس، بن يعقوب، بن عبد القوي، بن أحمد، ابن محمد بن إدريس، بن عبد الله الكامل، بن الحسن المثنى، بن الحسن سبط الرسول، بن علي، بن أبي طالب، بن عبد المطلب، بن هاشم.
وأم الحسن، فاطمة، بنت محمد، رسول الله، بن عبد الله، ابن عبد المطلب، هاشم.
الحمد لله رب العالمين. ورضي الله تعالى عن العالمين.
أما بعد؛ فإنه بلغني: أن علماء باريز وفقهم العليم الحكيم العزيز، كتبوا اسمي في دفتر العلماء. ونظموني في سلك العظماء. فاهتززت لذلك فرحا ثم اغتممت ترحا، فرحت من حيث ستر الله علي، حتى نظر عباده، بحسن الظن إلي. واهتممت من كون العلماء، استسمنوا ذا ورم ونفخوا في غير ضرم، ثم أشار علي بعض المحبين منهم؛ بإرسال بعض الرسائل إليهم. فكتبت هذه العجالة للتشبه بالعلماء الأعلام. ورميت سهمي بين السهام.
فتشبهوا إن لم تكونوا منهم ... أن التشبه بالكرام رباح
وسميت هذه الرسالة ذكرى العاقل وتنبه الغافل ووتبتها على مقدمة، وثلاثة أبواب وخاتمة. وفي كل باب: فصل، وتنبيه، وخاتمة.
أما المقدمة، ففي الحث على النظر، وذم التقليد.
وأما الباب الأول، ففي فضل العلم والعلماء، وفيه فصل: في تعريف العقل، الذي به إدراك العلوم وتكملة في القوى الأربع، التي إذا اعتدلت في الإنسان، يكون إنسانا كاملا. وتنبيه في: فضل إدراك العقل، على إدراك الحواس، وفضل مدركات العقل، على مدركات الحواس، وخاتمة في: انقسام العلم، إلى محمود ومذموم.
وأما الباب الثاني: ففي العلم الشرعي، وفيه فصل في: إثبات النبوة، التي هي منبع العلوم الشرعية، وفيه تنبيه في: معرفة النبي، وما يتعلق بالنبوة، وخاتمة في المكذبين للأنبياء وأما الباب الثالث: ففي فضل الكتابة. وفيه فصل في: الكلام على كتابات الأمم، ومن وضعها وما ينجر إلى ذلك.
وتنبيه في: بيان حروف الكتابة العربية، وخاتمة في: احتياج الناس إلى التصنيف وما يتعلق به.
الباب الأول
تقديم في العلم والجهل
اعلموا: أنه يلزم العاقل، أن ينظر في القول، ولا ينظر إلى قائله. فإن كان القول حقا، قبله، سواء كان قائله معروفا بالحق، أو الباطل، فإن الذهب يستخرج من التراب. والنرجس، من البصل، والترياق، من الحيات ويجتنى الورد، من الشوك فالعاقل: يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال. والكلمة من الحكمة، ضالة العاقل يأخذها من عند كل من وجدها عنده، سواء كان حقيرا، أو جليلا. وأقل درجات العالم، أن يتميز عن العامي بأمور، منها: أنه لا يعاف العسل، إذا وجده في محجمة الحجام و يعرف أن الدم قذر، لا لكونه في المحجمة ولكنه قذر في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل، فكونه في ظرف الدم المستقذر، لا يكسبه تلك الصفة، ولا يوجب نفره عنه. وهذا وهم باطل، غالب على أكثر الناس. فمهما نسب كلام إلى قائل، حسن اعتقادهم فيه، قبلوه. وإن كان القول باطلا. وإن نسب القول، إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه.
Faqja 1
وإن كان حقا ودائما يعرفون الحق بالرجال. ولا يعرفون الرجال بالحق. وهذا غاية الجهل والخسران. فالمحتاج إلى الترياق إذا هربت نفسه منه، حيث علم أنه مستخرج من حية، جاهل. فيلزم تنبيهه. على أن نفرته، جهل محض. وهو سبب حرمانه من الفائدة، التي هي مطلوبة. فإن العالم، هو الذي يسهل عليه إدراك الفرق، بين الصدق والكذب، في الأقوال. وبين الحق والباطل، في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأفعال. لا بأن يكون ملتبسا عليه الحق بالباطل والكذب بالصدق، والجميل بالقبيح. ويصير يتبع غيره، ويقلده فيما يعتقد وفيما يقول. فإن هذه ما هي إلا صفات الجهال. والمتبوعين من الناس، على قسمين: قسم عالم مسعد لنفسه، ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل، لا بالتقليد، ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل، لا بأن يقلدون. وقسم مهلك لنفسه، ومهلك لغيره، وهو الذي قلد آباءه وأجداده، فيما يعتقدون، ويستحسنون، وترك النظر بعقله، ودعا الناس لتقليده.
والأعمى لا يصلح أن يقود العميان. وإذا كان تقليد الرجال مذموما، غير مرضي في الاعتقادات، فتقليد الكتب، أولى وأحرى بالذم، وأن بهيمة تقاد، أفضل من مقلد ينقاد، وإن أقوال العلماء والمتدينين، متضادة، متخالفة في الأكثر، واختيار واحد منها، واتباعه بلا دليل، باطل لأنه ترجيح بلا مرجح، فيكون معارضا بمثله.
وكل إنسان، من حيث هو إنسان، فهو مستعد لإدراك الحقائق، على ما هي عليه، لأن القلب، الذي هو محل العلم، بالإضافة إلى حقائق الأشياء، كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات، تظهر فيها كلها على التعاقب. لكن المرآة، قد لا تنكشف فيها الصور، لأسباب، أحدها: نقصان صورتها، كجوهر الحديد، قبل أن يدور ويشكل ويصقل، والثاني لخبثه وصدئه، وإن كان تام الشكل والثالث لكونه غير مقابل للجهة، التي فيها الصورة، كما إذا كانت الصورة وراء المرآة. والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة، والخامس للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذي به الصورة وجهتها.
فكذلك القلب، مرآة مستعدة، لأن ينجلي فيها صور المعلومات كلها، وإنما خلت القلوب عن العلوم، التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة. أولها: نقصان في ذات القلب، كقلب الصبي، فإنه لا تنجلي له المعلومات لنقصانه، والثاني لكدرات الأشغال الدنياوية، والخبث الذي يتراكم على وجه القلب منها، فالإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء والإعراض عن الأشياء الشاغلة القاطعة، هو الذي يجلو القلب، ويصفيه، والثالث: أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة والرابع الحجاب، فإن العقل المتجرد للفكر، في حقيقة من الحقائق، ربما لا تنكشف له، لكونه محجوبا باعتقاد، سبق إلى القلب، وقت الصبا، طريق التقليد، والقبول بحسن الظن، فإن ذلك يحول بين القلب، والوصول إلى الحق، ويمنع أن ينكشف في القلب، غير ما تلقاه بالتقليد، وهذا حجاب عظيم، حجب أكثر الخلق، عن الوصول إلى الحق لأنهم محجوبون باعتقادات تقليديه، وسخت في نفوسهم، وجمدت عليها قلوبهم والخامس؛ الجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب.
فإن الطالب لشيء، يمكنه أن يحصله، إلا بالتذكر للعلوم.
Faqja 2
التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها، ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا، يعرفه العلماء، فعند ذلك، يكون قد صادف جهة المطلوب فتظهر حقيقة المطلوب لقلبه، فإن العلوم المطلوبة، التي ليست فطرية، لا تصاد إلا بشبكة العلوم الحاصلة. بل كل علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين، يأتلفان، ويزدوجان، على وجه مخصوص، فيحصل، من ازدواجهما، علم ثالث على مثال حصول النتاج، من ازدواج الفحل والأنثى، ثم كما أن من أراد أن يستنتج فرسا، لم يمكنه ذلك من حمار وبعير، بل من أصل مخصوص، من الخيل، الذكر والأنثى، وذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص، فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان، وبينهما طريق مخصوص في الازدواج، يحصل من ازدواجهما، العلم المطلوب فالجهل بتلك الأصول وبكيفية الازدواج، هو المانع من العلم ومثاله: ما ذكرناه، من الجهل بالجهة، التي الصورة فيها بل مثاله:أن يريد الإنسان أن يرى قفاه مثلا بالمرآة، فإنه إذا رفع المرآة قبالة وجهه، لم يكن حاذى بها جهة القفا، فلا يظهر فيها القفا، وإن رفعها وراء القفا وحاذاه كان قد عدل بالمرآة عن عينيه، فلا يرى المرآة، ولا صورة القفا فيها فيحتاج إلى مرآة أخرى، ينصبها وراء القفا، وهذه المرآة، في مقابلتها، بحيث يراها، ويراعي مناسبة بين وضع المرآتين، حتى تنطبع صورة القفا، في المرآة المحاذية للقفا، ثم تنطبع صورة هذه المرآة، مع ما فيها من صورة القفا، في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين، ثم تدرك العين صورة القفا. فكذلك في اصطياد العلوم، وطلب إدراك الأشياء، طرق عجيبة، فيها انحرافات عن المطلوب أعجب مما ذكرناه في المرآة، فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب، من معرفة الحقائق، وإلا فكل قلب، فهو بالفطرة الإلهية، صالح لإدراك الحقائق، وكما أن الشيء، يكون حاضرا بين يدي الإنسان، وإذا لم يحرك حدقته، من جانب إلى جانب، تحريكات كثيرة لم ير ذلك الشيء، فكذلك العقل وكما أن العين الباصرة ، لا يمكنها إدراك العقل لا يقدر على إدراك الحقائق، دون خطأ، إلا إذا طلعت عليه أنوار التوفيق والهداية من الله تعالى.
فصل العلم والعلماء
اعلموا: أن الإنسان، من حيث حصوله، في الحيز والمكان، فجسم كسائر الأجسام، ومن حيث يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث يحس، ويتحرك بالاختيار، فحيوان ومن حيث صورته وقامته، فكالصورة المنقوشة على الحائط. وكما أن الفرس، يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر وحسن الهيئة، فيكون الفرس مخلوقا لأجل تلك الخاصية. فإن تعطلت منه، نزل إلى مرتبة الحمار، فكذلك الإنسان، يشارك الجمادات والحيوانات في أمور، ويفارقها في أمور، هي خاصيته، وبها شرفه، فما حصل له الشرف بعظم شخصه، فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع منه، ولا لأكله، فإن الجمل أوسع منه بطنا، ولا لجماعه، فإن أخس العصافير أقوى منه جماعا، وإنما شرف الإنسان وخاصيته التي يتميز بها عن جميع الموجودات، هي العلم،و بها كماله. إذا كمال كل شيء، إنما يكون بظهور خاصيته التي امتاز بها عن غيره ونقصانه هو خفاء تلك الخاصية، فبقدر ظهور تلك الخاصية. يطلق عليه اسم الكامل، وبحسب سترها فيه، يخص باسم الناقص مثلا الخاصية، التي امتاز بها الفرس، وهي الحقيقة الفرسية، أن يكون شديد العدو، ومعتدل القوائم في الطول والقصر، مدركا لإشارة الراكب من: إرادة الكر، والفر، أو الهملجة، أو الحضر أو التقريب، فإذا ظهرت هذه الخاصية: قيل: فرس كامل. ثم الإعزاز والإهانة تابعان للكمال والنقصان. وخاصية الإنسان، هي معرفة حقائق الأشياء، على الوجه الذي هي عليه، بحيث يرتفع عن بصيرته حجاب الشك. ويتيقن حقائقها، مكتشفة له. وبكمال هذه الخاصية ونقصانها، يفضل بعض أفراد الإنسان بعضا، إلى أن يعد واحد بألف.
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى المجد، حتى عد ألف بواحد
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا
ولا شيء أقبح من الإنسان، مع ما فضله الله به، من القدرة، على تحصيل الكمال بالعلم، أن يهمل نفسه، ويعريها من هذه الفضيلة.
ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على الكمال
Faqja 3
ولما كان العلم، هو كمال الإنسان، كان كل إنسان، محبا للعلم بالطبع، ويشتهيه ويفرح إذا نسب إلى العلم، ولو قليلا، ولو يعلم أن الذي وصفه بالعلم، كاذب. ويحزن إذا دفع عن ربتة العلم، ويلتذ الإنسان بالعلم، لذاته ولكماله، لا لمعنى آخر، وراء الكمال. ولا يخفى على أهل العلم: أنه لا لذة فوق لذته، لأنها لذة روحانية، وهي اللذة الخالصة من جميع الشوائب المكدرات. وأما اللذة الجسمانية، فهي، عند التحقيق، دفع ألم. إذ لذة الأكل دفع ألم الجوع ولذة الجماع، دفع ألم امتلاء أوعية المني به، بخلاف اللذة الروحانية، فإنها ألذ وأشهى ولهذا كان بعض العلماء يقول، عند ما تنحل له مشكلات العلوم: أين الملوك، وأبناء الملوك، من هذه اللذة ومن المعلوم أن اللذات، بالإضافة إلى الإنسان، من حيث اختصاصه بها، ومشاركته لغيره، ثلاثة أنواع، عقلية وجسمانية مشتركة مع بعض الحيوانات، وجسمانية مشتركة مع جميع الحيوانات. أما العقلية: فالعلم بحقائق الأشياء، إذ ليس يستلذ بها السمع والبصر والشم والذوق ولا البطن، وإنما يستلذ بها القلب لاختصاصه بصفة، يعبر عنها بالعقل، وهذه اللذة، أقل اللذات وجودا، وهي أشرف اللذات. أما قلتها، فلأن العلم لا يستلذ به إلا عالم. وما أقل أهل العلم والحكمة، وما أكثر المتسمين باسمهم، والمرتسمين برسمهم. وأما شرفها، فلأنها لازمة لا تزول أبدا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا تمل والطعام يشبع منه فيمل وشهوة النكاح، يفرغ منها، فتستثقل والعلم والحكمة، لا يتصور قط أن تمل وتستثقل والمال يسرق أو يحرق، والولاية يعزل عنها والعلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ، ولا أيدي السلاطين بالعزل، فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا، وأما قصور أكثر الخلق، عن إدراك لذة العلم، فلفساد أمزجتهم، ومرض قلوبهم، لاشتغالهم باتباع الشهوات، واستيلائها على عقولهم فإن القلب، إذا كان صحيحا لا يستلذ إلا بالعلم، فإذا كان مريضا بسوء العادات استلذ بغيره، كما يستلذ بعض الناس أكل الطين وكالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
وإما لقصور فطنتهم، إذ لم تخلق لهم الصفة، التي بها يستلذ العلم كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة الطيور السمان، ولا لذة العسل، ولا يطلب إلا اللبن.
الثانية: لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات، كلذة الرياسة والغلبة والاستيلاء... وذلك موجود في الأسد، والنمر، وبعض الحيوانات.
الثالثة: لذة يشارك الإنسان فيها جميع الحيوانات، كلذة البطن والفرج، وهذه أكثر اللذات وجودا وهي أخسها، ولذلك اشترك فيها كل ما دب وتحرك، حتى الديدان والحشرات.
ولأجل اللذة، والكمال الذي في العلم. صار للإنسان ميل طبيعي إلى العلم، غالبا، لكن من الناس من ساعده فهمه ومنهم من لم يساعده. وأما عدم الميل إلى العلم، فلأمر عارض كفساد الطبع، أو بعد المكان عن الاعتدال. والمقصود من هذا معرفة فضيلة العلم ونفاسته، وما لم تفهم الفضيلة في نفسها، لم يكمن أن يعلم وجودها، صفة للعلم، أو لغيره من الخصال فلقد غلط من طمع أن يعلم، أن فلانا حكيم، وهو لم يعرف معنى الحكمة وحقيقتها، فالفضيلة، مأخوذة من الفضل، وهو الزيادة، فإذا تشارك شيئان في صفة، واختص أحدهما بمزيد يقال: فضله، وله الفضل عليه، مهما كانت زيادة فيما هو كمال ذلك الشيء، كما يقال: إن الفرس، أفضل من الحمار بمعنى أنه يشاركه في قوة الحمل ويزيد عليه بقوة الكر و الفر وشدة العدو، وحسن الصورة، فلو فرض حمار اختص بسلعة زائدة على ظهره لم يقل: إنه أفضل لأن السلعة زيادة في الجسم، ونقصان في المعنى وليست من الكمال. والحيوان، مطلوب لمعناه، وصفاته لا لجسمه، فإذا فهمتم هذا لم يخف عليكم: أن العلم فضيلة، إن أخذتموه بالإضافة إلى جميع الحيوانات. أو أخذتموه بغير إضافة فإنه فضيلة وكمال، على الإطلاق، وبه شرف العلماء والحكماء، وهو المرغوب فيه، المطلوب لذاته، لا لغيره.
وغير خاف عليكم، أن الشيء المرغوب فيه، ينقسم إلى ما يطلب ويرغب فيه لغيره. وإلى ما يطلب ويرغب فيه لذاته، وإلى ما يطلب ويرغب فيه لذاته ولغيره جميعا والذي يطلب لذاته، أشرف وأفضل والمطلوب لغيره، الدراهم والدنانير فإنهما حجران، لا منفعة لهما، ولولا أن الله، سهل قضاء الحوائج بهما. لكانا والحجر بمنزلة واحدة لأنهما لا يدفعان جوعا، ولا بردا، ولا حرا، بأنفسهما.
وأما الذي يطلب لذاته، فالعلم. فإنه لذيذ في ذاته، وأما الذي يطلب لذاته ولغيره، فكسلامة البدن، فإن سلامة الرجل، مثلا، مطلوبة، من حيث أنها سلامة البدن عن الألم، ومطلوبة للمشي بها، والتوصل إلى الحاجات. ومن دلائل شرف العلم ولوازمه. احترام العالم. في الطباع، حتى إن أغبياء الناس وأجلافهم. يصادفون طباعهم. مجبولة على توقير شيوخهم. لاختصاصهم بعلم زائد، مستفاد من التجارب. والبهائم بطباعها توقر الإنسان لشعورها بتميز الإنسان. بكمال مجاوز لدرجاتها.
Faqja 4
وإذا ثبت فضيلة العلم. كان تعلمه أفضل. وبيانه: أن مقاصد الخلق. مجموعة في انتظام الدين والدنيا. ولا نظام للدين. إلا بانتظام الدنيا. وليس ينتظم أمر الدنيا. إلا بأعمال الآدميين. وأعمالهم وصناعاتهم وحرفهم. تنحصر في ثلاثة أقسام. أحدها: أصول لأقوام للدنيا إلا بها. وهي أربعة: الزراعة وهي للمطعم. والحياكة. وهي للملبس. والبناء. وهو للمسكن والسياسة. وهي للتألف والاجتماع والتعاون على أسباب أمر المعيشة.
القسم الثاني: ما هي مهيأة لكل واحد من هذه الصناعات وخادمة لها. كالحدادة فإنها تخدم الزراعة. وجملة من الصناعات بإعداد آلاتها. وكالحلاجة والغزل، فإنها تخدم الحياكة بإعداد عملها.
القسم الثالث: ما هي متممة للأصول كالطحن والخبز للزراعة، وكالقصارة والخياطة للحياكة. وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص، بالإضافة إلى جملته، فإنها ثلاثة أقسام: إما أصول كالقلب والكبد والدماغ وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة. وإما مكملة لها ومزينة. كالأظفار والحاجبين، وأشرف الصناعات، أصولها السياسة ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال في من يتكفل بها. مالا تطلبه سائر الصناعات. فلذلك يستخدم صاحب هذه الصناعة جميع أصحاب الصناعات.
والسياسة. على مرتبتين: سياسة الملوك والسلاطين، وتصرفهم في الخاصة والعامة، ولكن في ظواهرهم فقط لا فقط في بواطنهم والثانية: سياسة العلماء وتصرفهم في بواطن الخاصة، ولا تنتهي قوتهم، إلى التصرف في ظواهرهم، بالإلزام والقهر.
وشرف العلوم والصناعات يدرك بثلاثة أمور: إما بالالتفات إلى الآلة، التي يتوصل بها إلى معرفتها، كفضل العلوم العقلية على العلوم اللغوية، إذا تدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع. والعقل أشرف من السمع. وإما بالنظر إلى عموم النفع، كفضل الزراعة إلى الصياغة وإما بالنظر إلى المحل، الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة، إذا محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد الحيوانات الميتة،وغير خاف: أن العالم متصرف في قلوب الناس المتعلمين، ويدرك شرف العلم، مطلقا، من حيث هو علم، بشيئين، أحدهما شرف الثمرة والثاني قوة الدليل، وذلك كملم الأحكام الدينية الشرعية، وعلم الطب، فإن ثمرة علم الدين، السلامة في الدار الآخرة وهي الحياة الأبدية. وثمرة الطب السلامة في الدنيا، وهي سلامة بدنية منقطعة. فيكون علم الدين أشرف، لأنه سبب لسلامة أبدية لا تنقطع، الثاني، كعلم الحساب، وعلم النجم، فإن علم الحساب، أشرف لوثاقة أدلته وقوتها وإذا نسب الحساب إلى الطب، كان الطب أشرف، باعتبار ثمرته، والحساب أشرف باعتبار قوة أدلته وصحتها، وملاحظة الثمرة الأولى ولذلك كان الطب أشرف وإن كان أكثر الطب بالظن.
تعريف العقل
اعلموا: إن العقل منبع العلم، وأساسه ومطلعه، والعلم، يجري من العقل، مجرى الثمر من الشجر، والنور من الشمس والرؤية من العين. وكيف يخفى فضل العقل وأعظم البهائم بدنا وأشدهم ضراوة، وأقواهم سطوة إذا رأى صورة الإنسان هابه لشعوره بفضله عليه، واستيلائه، بسبب ما خص به من إدراك الحيل.
واسم العقل يطلق على أربع معان، بالاشتراك.
الأول: الوصف، الذي يفارق الإنسان به جميع البهائم، وهو الذي استعد به الإنسان لقبول العلوم النظرية الثاني: هي العلوم: التي تخرج إلى الوجود، في ذات الطفل المميز، بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد،وأن لا يكون الشخص الواحد، لا يكون في مكانين، في آن واحد، وتسمية هذه العلوم عقلا، ظاهر فلا تنكر.
Faqja 5
الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجارى الأحوال، فإن من جرب الأمور، وهذبه تخالف الأحوال، يقال: إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به، يقال: إنه غبي جاهل وهذا نوع آخر من العلم، يسمى عقلا، الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف الإنسان عواقب الأمور، ويقمع الشهوة، الداعية إلى تناول اللذة المضرة، ويقهرها فإذا حصلت هذه القوة ويسمي صاحبها عاقلا من حيث أن إقدامه وتأخره يحسب ما يقتضيه النظر في العواقب. وهذه المعاني الأربعة كلها، من خواص الإنسان ولفظ العقل موضوع في الحقيقة. لتلك الغريزة، وإطلاقه على العلوم مجاز، من حيث أنها ثمرتها، وهذه العلوم كأنها متضمنة في تلك الغريزة بالخلقة، ولا تظهر إلى الوجود، إلا إذا جرى سبب يخرجها حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج، وكأنها كانت مستكنة فيها، فظهرت، ومثاله: الماء في الأرض فإنه يظهر بالحفر، ويجتمع، ويتميز بالحس، لا بأن يساق إليه شيء جديد، وكذلك، الدهن في اللوز، وماء الورد في الورد فكل أدمي، خلق مجبولا على معرفة الأشياء على ما هي عليه أعني: أنها كالمتضمنة فيه، لقرب استعداده للإدراك.
ثم لما كانت معرفة الأشياء مركوزة في النفوس بالخلقة انقسم الناس إلى: من أعرض نفسي وهم الجهال وإلى من أجال خاطره فتذكر وهم العلماء، فكان هذا القسم، كمن حمل شهادة، فنسيها بسبب الغفلة، ثم تذكرها، وحصول هذه العلوم للإنسان لها درجتان.
إحداهما: أن يشتمل قلبه على العلوم الضرورية الظاهرة، فتكون العلوم النظرية فيه، غير حاصلة، إلا أنها صارت قريبة الحصول، ويكون حاله بال: من أعرض نفسي وهم الجهال وإلى من أجال خاطره فتذكر وهم العلماء، فكان هذا القسم، كمن حمل شهادة، فنسيها بسبب الغفلة، ثم تذكرها، وحصول هذه العلوم للإنسان لها درجتان.
إحداهما: أن يشتمل قلبه على العلوم الضرورية الظاهرة، فتكون العلوم النظرية فيه، غير حاصلة، إلا أنها صارت قريبة الحصول، ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم، كحال الكاتب، الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة، دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها.
الثانية: أن تحصل له العلوم المكتسبة، بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة عنده فإذا شاء رجع إليها، وحاله حال الحاذق بالكتابة، إذ يقال له: كاتب وأن لم يكن مباشر للكتابة لقدرته عليها، وفي هذه الدرجة، مراتب لا تحصى يتفاوت العلماء فيها، بقلة المعلومات وكثرتها، وشرف المعلومات وخستها.
واعلموا: أن العقول: متفاوتة بحسب خلقة الله تعالى، التي خلق الناس عليها، فعقول الأنبياء ليست كعقول سائر الناس. وعقل أبي علي بن سينا، فائق على كثير من العقول. يحكى، أن الرازي قال يوما للآمدي: لم حسن إهلاك الحيوانات وذبحها للإنسان فقال له الآمدي: إهلاك المفضول لمصلحة الفاضل هو عين العدل فقال له الرازي إذا، يحسن ذبحك أنت لأبي علي بن سينا.
والتفاوت. حاصل في الأقسام التي يطلق عليها أسم العقل، إلا العلم بالضروريات فإنه لا يحصل فيه تفاوت بين العقلاء وكل من يدركه يدرك إدراكا محققا، من غير شك.
وأما قسم علم التجارب. فتفاوت الناس فيه. لا ينكر فإنهم متفاوقون: بكثرة إصابة الرأي، وسرعة الإدراك ويكون سببه: إما تفاوتا في الغريزة وإما تفاوتا في ممارسة الأمور.
وأما قسم استيلاء القوة العقلية على قمع الشهوات، فلا يحفى تفاوت الناس فيه ويكون سببه، التفاوت في العلم المعروف بضرر تلك الشهوة ولهذا يقرر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة وقد لا يقدر على ذلك من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا وإن كان يعتقد فيه مضرة على الجملة ولكن لما كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد فيكون الخوف معينا للعقل على قمع الشهوات المضرة.
Faqja 6
وأما قمم الغريزة التي قلنا أنه الأصل فالتفاوت فيه لا طريف إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على الإنسان ويطلع صبحه ومبادئ إشراقه عند سن التمييز وهو تمام الأسبوع الأول أعني سبع سنين ثم لا يزال ينمو ويزداد على التدريج إلى أن يتكامل يقرب الأربعين سنة ومثاله: نور الصبح فإن أوائله تخفى حفاء بشق إدراكه ثم يتدرج إلى الزيادة، إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس، وعادة الله جارية في جميع مخلوقاته، بالتدريج وكيف ينكر تفاوت الناس في الغريزة ولولا تفاوتها لما اختلف الناس في فهم العلوم. ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم إلا بعد تعب طويل من المعلم وإلى ذكي يفهم بأقل إشارة وإلى كامل يدرك حقائق الأشياء دون تعليم فلقتسام الناس إلى من يتنبه من نفسه ويفهم وإلى من لا يفهم إلا بتنبيه وتعليم وإلى ما يجمع فيه الماء ويقوي فيتفجر بنفسه عيونا وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج الماء في الآبار وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس وذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها فكذلك هذا الاختلاف في النفوس في غريزة العقل.
والسبب الظاهر بحسب العادة، أجراها الله باختياره وبما دل عليه الاستقرار في اختلاف الناس في عقولهم وأخلاقهم وسيرهم أحوال الشمس في الحركة فإن الناس على ثلاثة أقسام: أحدها: الذين يسكنون تحت خط الاستواء إلى ما يقرب من المواضع التي يحاذيها ممر رأس السرطان واسمهم العام السودان والأجل أن الشمس تمر على رؤوسهم إما مرة أو مرتين في السنة صارت أبدانهم وشعورهم سوداء وهم أضعف الناس عقلا وأوحشهم أخلاقا وأما الذين مساكنهم، أقرب إلى ممر رأس السرطان، فعقولهم أكمل من الذين قبلهم والسواد فيهم أقل وطبائعهم معتدلة وأخلاقهم مؤنسة وأجسامهم نظيفة وهم أهل الهند، واليمن، وبعض المغاربة وكل العرب.
وأما القسم الثاني من أهل الأرض فهم الذين مساكنهم على رأس ممر السرطان إلى محاذاة بنات نعش. وهم سكان وسط هذه المعمورة وهو المسمى بإيران شهر، كأهل العراق والشام وخراسان وأصبهان فهم أكمل الناس عقلا وألطفهم أذهانا وهم مختلفون في الكمال، ويليهم في الكمال، سكان فرنسا فإنهم وسط الإقليم الخامس ويليهم في الكمال أهل الأندلس فإن بلادهم أخذت من الإقليم الخامس والسادس وأما القسم الثالث من سكان الأرض فهم الذين مساكنهم محاذية لبنات نعش وهم الروس والصقالبة فعقولهم ناقصة وأخلاقهم وحشية وطبائعهم باردة. ولكثرة بعدهم عن حر الشمس صار البرد عليهم أغلب والرطوبات أكثر لأنه ليس هنالك ما ينشفها وينضجها. فلذلك صارت ألوانهم بيضاء وشعورهم شقراء سبطة وأبدانهم عظيمة رخوة.
تكملة القوى الأربع
قوة العقل هي إحدى القوى الأربع التي إذا اعتدلت في الإنسان يكون إنسانا كاملا وهي قوة العقل وقوة الشجاعة وقوة العفة وقوة العدل.
فقوة العقل هي حالة النفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأحوال والعدل حالة للنفس بها يسوس الغضب والشهوة ويجملها على مقتضى العقل في الاسترسال والانقباض والشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها والعفة تؤدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع فمن اعتدال هذه القوى الأربع تصدر الأخلاق الجميلة كلها فمن اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأمور ومن إفراطها المذموم، تحصل الصفات المذمومة والأخلاق القبيحة، مثل: المكر والحقد والخداع والدهاء والحيلة ومن تفريط المذموم أيضا تصدر الصفات المذمومة، مثل البله والغباوة والغمارة والحمق والجنون. وأعني بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل والجنون عبارة عن اختلال القوة العملية المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة، المدركة للعواقب، بأن لا يظهر أثرها، وتتعطل أفعالها إما بسبب نقصان خلق عليه وإما بسبب خلط أو آفة. والفرق بين الحمق والحنون: أن الأحمق مقصودة صحيح ولكن سلوكه الطريق الموصل إلى الغرض وأما المجنون، فإنه يختار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره فاسدا وأما الشجاعة فيصدر عنها الكرم والنجدة والشهاة وكسر النفس، والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد إلى الناس وأمثالها وهي صفات محمودة وأما إفراط هذه القوة وهو مذموم فيحصل منه التهور والصلف والبذخ والتكبر والعجب والاستشاطة وأما تفريطها وهو مذموم أيضا فيصدر منه المهانة والمذلة والجزع والحساسة وصغر النفس ولانقباض عن تناول الحق اللازم.
Faqja 7
تنبيه العقل المدرك من الظاهر البين عند أصحاب العقول السليمة أن النفس إنما دخلت هذا العالم الجسماني لتكتسب العلم النافع والعمل الصالح وأشرف العلوم النافقة معرفة الله تعالى ومعرفة حكمته في أفعاله وفي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما وهذه المعرفة لا تدرك بحاسة من الحواس وإنما تدرك بالعقل فكان العقل لهذا أشرف ومدركاته أشرف ولما كان البدن مركبا للنفس وآلة لتحصيل الأعمال الصالحة خلق الله للإنسان الحواس الظاهرة والباطنة وأكرمه بالعقل الذي هو أشرف من الكل فخلق له حاسة اللمس حتى إذا مسته نار محرقة أو سيف جارح أحس بذلك وهرب وهذا أول حس يخلق للحيوان فلو لم يحس أصلا لم يكن حيوانا وأقل درجات الإحساس أن يحس بما يلاصقه ويماسه فإن الإحساس بما يبعد منه، إحساس أتم. وهذا موجود في كل حيوان ولو لم يحلق للإنسان إلا هذا الحس لكان ناقصا لا يقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنه بل ما يماس بدنه يحس به فيجتذبه إلى نفسه فقط فافتقر إلى حس يدرك ما بعد عنه فخلق له الشم إلا أنه يدرك به الرائحة ولا يدري من أي جهة جاءت فيحتاج إلى أن يطوف كثيرا من الجوانب وقد يعثر على الغذاء الذي شم رائحته وقد لا يعثر فيكون ناقصا لو لم يحلق له إلا ذاك فخلق له البصر ليدرك به ما بعد عنه ويدرك جهته، فيقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه لو لم يحلق له إلا هذا لكان ناقصا إذ لا يدرك ما وراء الجدران والحجب فحلق له السمع حتى يدرك به الأصوات من وراء الجدران والحجب عند جريان الحركات.
Faqja 8
لأنه لا يبصر الأشياء حاضرا وكل هذا ما كان نافعا له لو لم يكن له حس الذوق إذا يصل الغذاء إليه فلا يدرك أنه موافق له، أو محالف فيأكله فيهلك كالشجرة تصيب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذبه وربما يكون ذلك سبب هلاكها ويبسها وكل هذا لا يكفيه لو لم يحلف في مقدمة دماغه إدراك آخر يسمى حسا مشتركا تتأذى إليه هذه المحسوسات وتجتمع فيه فإنه إذا أكل شيئا أصفر مثلا فوجده مرا غير موافق له فتركه فإذا رآه مرة أخرى لا يعرف أنه مضر مر ما لم يذقه ثانيا لولا الحس المشترك لأن العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا حتى إذا رأى الصفرة حكم بأنه مر فيمتنع عن تناوله ثانيا وهذا كله تشاركه فيه الحيوانات إذ للشاة هذه الحواس فلو لم يكن له إلا هذا لكان ناقصا لأن هذه الحواس إنما هي للحاضر فأما الغائب وإدراك العواقب فلا ولما كان المقصود الأعظم من خلق الإنسان هو معرفة خالقه وعبادته والعبادة لا تكون لمن لا يعرف أكرم الله الإنسان وميزه بصفة أخرى أشرف من الكل وهي العقل فبه يفرق الإنسان خالقه ويدرك المنافع والمضار في الحال والمآل إذ أنفع الحواس وأبعدها مدركا العين الباصرة والعقل أشرف منها لأن البصر لا يدرك نفسه ولا يدرك إدراكه ولا يدرك آلته أما أنه لا يدرك نفسه ولا إدراكه فلأن القوة الباصرة وإدراكها ليسا من الأمور المبصرة بالعين الباصرة وأما أنه لا يدرك آلته فلأنها هي العين والقوة الباصرة في العين لا تدرك العين وأما العقل فإنه يدرك نفسه ويدرك إدراكه ويدرك آلته في الإدراك وهي القلب والدماغ وأيضا البصر لا يدرك الكليات والعقل يدركها ومدرك الكليات أشرف من مدرك الجزئيات أما أن البصر لا يدرك الكليات فلأن التبصر لو أدرك كل ما في الوجود ما فهو أدرك الكل لأن الكل عبارة عن كل ما يمكن دخوله في الوجود في الماضي والحال والاستقبال وأما أن العقل يدرك الكليات فلأنا نعرف أن الأشخاص الإنسانية مشتركة في الإنسانية ومتمايزة بخصوصياتها وما به المشاركة غير ما به الممايزة فالإنسانية من حيث هي إنسانية مغايرة لهذا المشخصات وأما أن إدراك الكليات أشرف فلأن إدراك الكليات ممتنع التغير وإدراك الجزئيات واجب التغير ولأن إدراك الكلي يتضمن إدراك الجزئيات، الوقعة تحته لأن ما ثبت للماهية يثبت لجميع أفرادها. وأيضا الإدراك الحسي غير منتج لأن من أحس بشيء لا يكون ذلك الإحساس سببا لحصول إحساس أخر بل لو استعمل آله الحس مرة لأحس به مرة أخرى وذلك لا يكون إنتاج إحساس لإحساس آخر. وأما أن الإدراك العقلي، ينتج فلأنا إذا عقلنا أمورا، ثم ركبناها في عقلنا توسلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم أخر وأيضا الإدراك الحسي، لا يسع الأمور الكثيرة، والعقل يتسع لها. أما أن الحس لا يتسع لها فلأن البصر ، إذا توالى عليه ألوان كثيرة التبست عليه،فأدرك لونا كأنه حاصل من اختلاط هذه الألوان والسمع إذا توالت عليه أصوات كثيرة التبست عليه ولم يحصل التمييز والعقل يتسع لها. ولأن كل من كان تحصيله للعلوم، أكثر، كانت قدرته على كسب الجديد أسهل لأن مهما حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتائج آخر وهكذا يتمادى الإنتاج وتتمادى العلوم لكن هذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدي إلى طريق التفكير وإنما منع أكثر الناس من زيادة العلوم لفقدهم رأس المال وهي المعارف التي تستثمر العلوم كالذي لا رأس مال معه فإنه لا يقدر على الربح وقد يملك رأس المال ولكن لا يحسن صناعة التجارة فلا يربح شيئا فكذلك قد يكون مع الإنسان ما هو رأس العلوم ولكن لا يحسن استعمالها وتأليفها وإيقاع الازدواج المفضي إلى النتاج وأيضا البصر لا يدرك الشيء المرئي مع غاية القرب مع غاية البعد، والعقل عنده القرب والبعد سواء فإنه يدرك ما فوق السموات، وما تحت الأرض، ويدرك ذات الله تعالى مع كونه مقدسا عن القرب والبعد والجهة وأيضا الحس قد يقع في إدراكه الغلط كثيرا فإنه يدرك الصغير كبيرا كالنار البعيدة في الظلمة وكالعنبة في الماء ترى كالإجاصة وكالنقطة من النار إذا كانت على رأس عود وحركته باستقامة فإنه يرى خطا ممدودا، من نار وإذا حركته على دائرة بسرعة يرى دائرة من نار ولا وجود لهما أصلا ويرى المعدوم موجودا كالسراب في الصحراء فإنه يري ماء ويرى المتحرك ساكنا كالظل يراه ساكنا وهو متحرك ويرى الثلج أبيض ولا بياض فيه أصلا فإنه مركب من أجزاء شفافة لا لون لها وهي الأجزاء المائية الرشية فلو لا العقل لكان معتقد صحة ما أدركه حسه مخطئا خطأ فاحشا ولهذا قال أفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس: الحسيات غير يقينية بمعنى أن جزم العقل بالحسيات ليس بمجرد الحس، بل لا بد مع الإحساس من أمور تنضم إلى الحس لا تعمل ما هي وحينئذ يجزم العقل بما جزم به من المحسوسات. وهذه القوة العقلية، باعتبار إدراكها للكليات، والحكم بينهما بالنسبة السلبية والإيجابية تسمى العقل النظري وباعتبار استنباطها للصناعات الفكرية، مما ينبغي أن يفعل أو يترك تسمى العقل العملي، وقد اعتنى علماء فرنسا ومن حذا حذوهم باستعمال العقل العملي وتصريفه فاستخرجوا الصنائع العجيبة والفوائد الغريبة فاقوا بها المتقدمين وأعجزوا المتأخرين رقوا بها أعلى المراقي وحصل لهم بها الذكر الباقي فلو استعملوا مع هذا العقل النظري في معرفة الله، وصفاته وفي معرفة حكمته في خلق السموات والأرض وما يلزم للإله من الكمال وما يتقدس عنه من النقص وما يمكن في حقه أن يفعله وأن لا يفعله لكانوا حازوا المرتبة، التي لا تدرك والمزية التي لا تشرك ولكنهم أهملوا استعمال هذه القوة النظرية حتى إنهم لا يسمع منهم لها ذاكرا ولا يعثر عليها في كتبهم ناظر حتى لقد حكى عن بعض علماء الوقت الآن أنه قال إن الضوء يمشي من الجسم المضيء إلى ما يقابله من الأجسام كذا وكذا مترا في كذا وكذا ثانية، أو دقيقة، وتلقى العامة منه هذا القول بالقول فلو استعمل هذا العالم قوته النظرية في حقيقته هذا الضوء لم يحكم بانتقاله لأن الضوء لا يحلو إما أن يكون جسما أو عرضا ولا ثالث لهما. فلو كان الضوء عرضا يمشي من الجسم المضيء إلى ما يقابله من الأجسام كان لا ينتقل إلا بانتقال الجسم الذي قام به ذلك العرض باتفاق العقلاء إذ حقيقة العرض هو مالا يقوم بنفسه ولو كان الضوء جسما كان لا يداخل الأجسام ولو دخل الضوء إلى بيت من طاق فسد إنسان الطاق دفعة واحدة كان يلزم أن تبقى الأجسام المضيئة في البيت على تقدير أن الضوء جسم وهو غير واقع بالمشاهدة وإنما هي حقيقة الضوء عرض يحدث في ظاهر الجسم الكثيف من مقابلة الجسم المضيء له، إذ كان بينهما جسم شفاف وإنما يحدث ذلك الضوء من السبب الذي يحدث منه ضوء الجسم المضيء كالشمس والسراج فالذي يخلق الضوء في الجس المضيء يخلق الضوء في الجسم المقابل له فالضوء عرض يجل في الجسم الكثيف ولا يحل في الهواء كما توهمه قوم بدليل أن القاعدة في غار طويل في الجبل لا يدري بالليل ولا بالنهار خارج الغار والهواء يدخل الغار بلا شك.
خاتمة الباب الأول
Faqja 10
العلوم تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم فالعم المحمود ما يرتبط به مصالح الدين والدنيا كالطب والحساب، وكل علم لا يستغني عنه، في قوام أمر الدين والدنيا، كأصول الصنائع من الفلاحة والحياكة، والسياسة، والحجامة بل الحجامة من العلوم اللازمة فلو خلا البلد عن الحجام تسارع الهلاك إلى أهل ذلك البلد فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فيقبح التعرض للهلاك. ومن المعلوم، أن الإنسان مدني بالطبع فهو محتاج إلى التمدن والاجتماع مع أنباء جنسه، ومهما اجتمع الناس في المنازل والبلاد وتعاملوا تولدت بينهم خصومات إذ تحدث رياسة الزوج على الزوجة ورياسة الأبوين على الولد لأنه ضعيف يحتاج على من يقوم عليه. ومهما حصلت الرياسة على عاقل أفضى إلى الخصومة، بخلاف الرياسة على البهائم إذ ليست لها قوة المخاصمة، ولو ظلمت أما المرأة فتنازع الزوج وأما الولد فينازع الأبوين هذا في المنزل وأما أهل البلد فيتعاملون في الحاجات ويتنازعون فيها ولو تركوا كذلك لتقاتلوا وهلكوا وكذلك الرعاة وأرباب الفلاحة يتنازعون على الأرض ثم قد يعجز بعض الناس عن الصناعة بعمى أو مرض أو هرم ولو ترك ضائعا لهلك ولو وكل تفقده إلى الجميع لفرطوا ولو خص واحد، من غير سبب يخصه لكان لا يذعن له. فحدث من هذه الأمور الحاصلة بالاجتماع علوم منها علم المساحة التي بها تعرف مقادير الأرض لتمكن القسمة بينهم بالعدل ومنها علم الجندية لحراسة البلد بالسيف ومنها صناعة الحكم لفصل الخصومات ومنها علم القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق ويلزموا الوقوف على حدوده حتى لا يكثر النزاع وهذه، أمور مخصوصة لا يقوم بها إلا مخصوصون بالعلم والتمييز وإذا اشتغلوا بها، لم يتفرغوا لصناعة أخرى، ويحتاجون إلى المعاش ويحتاج أهل البلد إليهم إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مع الأعداء مثلا وتعطلت الصناعات ولو اشتغل أهل الحرب والسلاح، بالصناعات وطلب القوت، تعطلت البلاد عن الحراس، وهلكت الناس. فلزم أن يدهم أهل البلد بأموالهم ليحرسوهم فتحدث الحاجة إلى الخراج، ثم يتولد بسبب الحاجة إلى الخراج علوم أخر إذ يحتاج إلى من يوظف الخراج بالعدل على أرباب الأموال وهم العمال وإلى من يستوفي منهم بالرفق وهم الجباة وإلى من يجمع عنده إلى وقت التفرقة الخزان وإلى من يفرق بالعدل وهو الفارض للعساكر وهذه الأعمال لو تولاها أناس كثيرون لا يجمعهم إنسان واحد لا نخرم النظام فحدثت الحاجة إلى ملك يدبرهم بالعلوم السياسية التي تلزم معرفتها كل ملك فيكون الخلق كلهم بالنسبة إلى العلوم المحتاج إليها ثلاثة طوائف الأول الفلاحون والمحترفون والثانية الجند الحماة بالسيوف والثالثة المترددون بين الطائفتين بالأخذ والعطاء.
ثم حدث بسبب البيع والشراء الحاجة إلى التقدير فإن من يريد أن يشتري طعاما بثوب أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم؟ هو فلا بد من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ويحتاج إلى ما يطول بقاؤه وأبقى الأموال المعادن فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس، فحدثت الحاجة إلي: دار الضرب، والنقش، والتقدي وعلم المعادن واستخراجها، وتصفيتها فهذه هي علوم الخلق وهي معايشهم، وكلها محمودة.
Faqja 11