ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال سهل : هو المجادلة في الذات دون الفروع.
وقال : ( إلا الذين كفروا ): ابتدعوا غير الحق.
قال الخواص : ما كانت زندقة ، ولا كفرا ، ولا بدعة ، ولا جرأة في الدين ، إلا من قبل الكلام ، والجدال ، والمراء ، والعجب ، وكيف يجترئ الرجل على الجدال والمراء ، والله يقول : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا. )
قوله تعالى : ( الذين يحملون العرش ومن حوله ) وصف الله عراف ملائكته الذين ألبسهم الله قوة جبروته ، ونور ملكوته ، وهم اللاهوتيون يحملون كنز الأعظم بعظمة الله وقوته ، والسكر من شراب قربه ومحبته ، وفيض مشاهدته ، يطيرون في هواء هويته بالأجنحة القدوسية ، والرفارف السبوحية ، مع مرآة الوجود ، وكنوز الجود حيث يشاء الحق سبحانه من الأماكن والمشاهد ، يسبحون مما يجدون منه القدس والتنزيه ، حمدا لأفضاله ، وبأنه منزه عن النظير والشبيه ، يؤمنون به في كل لحظة بما يرون منه من كشوف صفات الأزليات ، وأنوار حقائق الذات التي تطمس في كل لمحة مسالك رسوم العقليات ، وهم يقرون كل لحظة بجهلهم عن معرفة وجوده.
ثم بين أنهم أهل الرقة والرحمة والشفقة على أوليائه ؛ لأنهم إخوانهم في نسب المعرفة والمحبة ، يستغفرون لهم حين أقروا كلهم بأنه تعالى لا يدركه غوص الأوهام ، ولا يحويه بطون الأفهام ، سألوا غفرانهم لما جرى على قلوبهم من أنهم على شيء في معرفته : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) أوجدت الوجود برحمتك القديمة ، وعلمك الأزلي حتى لا يخلو ذرة من العرش إلى الثرى من رحمتك وعلمك ، وجعلت الكل مرآة لنفسك ، تجليت منها لأهل الخضوع من العارفين تظهر أنوار جمالك منها لأهل رحمتك ، وهم أهل المحبة والعشق والشوق ، وتبرز منها بنعت الجلال والألوهية والقدم والبقاء لأهل المعرفة والتوحيد.
( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) (7) أي : اغفر للذين تابوا من وجودهم في وجودك ، ورجعوا من دونك إليك ، واستقاموا سبيل المعرفة بعظمتك وجلالك ، وعجزهم عن إدراك عزتك بأنك تأويهم إلى أكناف قربك ، وتريحهم من صولة جبروتك ، بما تكاشف لهم من جمال سرمديتك ، عجبت من رحمة الملائكة المقربين كيف تركوا المصرين على الذنوب عن استغفار هذه قطعة زهد وقعت في مسالكهم؟ أين هم من قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم حين آذوه قومه ، قال : «اللهم اهد قومي ؛ فإنهم لا يعلمون» (1).
Faqja 229