Al-Istighrāb
الاستغراب
الاستغراب
د. عبد المجيد بن محمد الوعلان
1 / 1
المقدمة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا بحث مختصر عن الاستغراب، وتأتي أهمية الكتابة في هذا الموضوع لمعرفة هذا العلم الجديد، والموقف الصحيح منه، لأن المسلم يجب أن يكون على جانب كبير من الإدراك واليقظة والاهتمام بأمر دينه وأمته، وعلى علم وبصيرة بما يدور حوله من الآراء والمناهج والاتجاهات ليكون خير داع إلى الهدى وخير منقذ من الضلالة.
خطة البحث:
يشتمل البحث على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.
المقدمة وتشتمل على: الموضوع وأهميته، وخطة البحث.
الفصل الأول: تعريف علم الاستغراب ونشأته.
- المبحث الأول: تعريف الاستغراب.
- المبحث الثاني: تعريف التغريب.
- المبحث الثالث: الفرق بين الاستغراب والتغريب.
- المبحث الرابع: نشأة علم الاستغراب
الفصل الثاني: أهمية علم الاستغراب.
الفصل الثالث: الموقف الصحيح من علم الاستغراب.
الفصل الرابع: ضوابط دراسة علم الاستغراب.
الفصل الخامس: نماذج من دراسة الغرب.
الخاتمة: أبرز النتائج.
أسأل الله ﷿ أن يكون خالصا لوجه الكريم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د: عبد المجيد بن محمد الوعلان
awalaan@gmail.com
1 / 2
الفصل الأول: تعريف علم الاستغراب ونشاته
المبحث الأول: تعريف الاستغراب
هذا المصطلح ربما فهم منه أول ظهوره: مجموعة من أبناء الأمة الإسلامية الذين تأثروا بالغرب في سلوكهم وأخلاقهم وأفكارهم. وهذا المصطلح هو التغريب فأصبح هؤلاء يعرفون بالمستغربين. وليس كل مستغرب بهذا المعنى ينطوي تحت علم الاستغراب.
أما الاستغراب الذي نتحدث عنه فهو محاولة معرفة الغرب من الداخل معرفة علمية موضوعية موثقة.
فالاستغراب كمصطلح هو ما يقابل الاستشراق، وهذا العلم يمكننا من دراسة الغرب، فهو: العلم الذي يهتم بدراسة الغرب (أوروبا وأمريكا) من جميع النواحي العقدية، والتشريعية، والتاريخية، والجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية .. الخ.
وهذا المجال لم يصبح بعد علمًا مستقلًا، ولكن من المتوقع في ضوء النهضة العلمية التي تشهدها البلاد العربية والإسلامية أن تقوم مراكز البحث العلمي ووزارات التعليم العالي في العالم الإسلامي بشحذ الهمم وتسرع الخطى وتغذ السير لإنشاء أقسام علمية تدرس الغرب دراسة علمية ميدانية تخصصية في المجالات العقدية والفكرية والتاريخية والاقتصادية والسياسية.
وقد قدّم حسن حنفي مبرراته لتحولنا من ذات مدروسة إلى ذات دارسة بقوله عن مهمة علم الاستغراب بأنها " فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس، مهمته القضاء على الإحساس بالنقص أمام الغرب، لغة وثقافة وعلمًا ومذاهب ونظريات وآراء مما يخلق فيهم إحساسًا بالدونية ... "، ويقول في موضع آخر إن " مهمة علم الاستغراب هو القضاء على المركزية الأوروبية ... مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية بعد أن انتشر خارج حدوده أبان عنفوانه الاستعماري من خلال سيطرته على أجهزة الإعلام وهيمنته على وكالات الأنباء، ودور النشر الكبرى، ومراكز الأبحاث العلمية، والاستخبارات العامة ... " (^١).
(^١) مقدمة في علم الاستغراب، حسن حنفي، ص ٢٤، الدار الجامعية للنشر والتوزيع، بيروت ١٤١٢ - ١٩٩٢.
1 / 3
ومهمته كذلك هي القضاء على ثنائية المركز والأطراف على مستوى الثقافة والحضارة. فمهما حاول رجال السياسة والاقتصاد القضاء على هذه الثنائية في ميدان السياسة والاقتصاد دون القضاء عليها مسبقًا في الثقافة فإن تبعية الأطراف للمركز في السياسة والاقتصاد قائمة.
ومن مهمة علم الاستغراب إعادة التوازن لثقافة المجتمعات، بدل هذه الكفة الراجحة للوعي الأوروبي والكفة المرجوحة للوعي اللاأوروبي. فطالما آن الكفتين غير متعادلتين سيظل الوعي الأوروبي هو الذي يمد ثقافة المجتمعات بنتاجه الفكري والعلمي وكأنه هو النمط الوحيد للإنتاج. وبالتالي يستمر هذا الظلم التاريخي الواقع على الثقافات غير المتميزة في سبيل الثقافة المتميزة.
ولا يتضمن هذا العلم الجديد مجرد إعلان لنوايا وتعبير عن أماني لدينا جميعًا بل أنه يمكن أن يحتوي على عدة بحوث عديدة ومراجعات للمفاهيم والتصورات من أجل إيجاد رؤى بديلة عن رؤي الوعي الأوربي (^١).
ولا بد أن نبين أن المقصود بالدراسة في علم الاستغراب ليس هو فقط العدو الخارجي ولكن ثمة أناس من أبناء جلدتنا يمكن أن يكونوا أخطر من العدو الخارجي: هم أولئك الذين تأثروا بالفكر الغربي وأصبحت لهم مواقف مختلفة في النواحي الفكرية والثقافية والسياسية لا تتفق مع المنهج الإسلامي في التفكير، فقد يبدي عداءً للغرب أو للآخر الحقيقي ولكنه في الوقت نفسه يتبنى كثيرًا المواقف المنافية لمصالح الأمة الإسلامية.
(^١) مقدمة في علم الاستغراب ص ٢٤.
1 / 4
المبحث الثاني: تعريف التغريب
التغريب هو: مجموعة الأفكار والمفاهيم والممارسات المتلقاة من الكفار والتي يقصد بها صرف الأمة عن دينها. واشتقاقها من الغرب لغالبية دورهم في هذا المجال، وإلا فالكفر ملة واحدة، فالمقصود من التغريب: تحويل سلوك المسلمين، وعاداتهم، وتقاليدهم، وقيمهم، وأعرافهم، وثقافتهم لتكون تابعة للغرب. لينفوا بذلك جذور الإسلام العقائدية في تصرفات المسلمين.
فهو تيار فكرى كبير ذو أبعاد سياسيه واجتماعيه وثقافيه، ومقصده محو الهوية الإسلامية (^١). ومن أهم أفكاره:
أ - تشجيع فكرة إيجاد فكر إسلامي متطور لتحتمي في دروبه الحياة الغربية وبالتالي محو الطابع المميز للشخصية المسلمة في المأكل والملبس والتفكير والتصرفات ..... الخ
ب - الدعوة الوطنية والدعوة للحرية والقومية المجردة عن الدين.
ج - المطالبة بحقوق المرأة -زعموا-وتحريرها بعيدًا عن الدين.
د - نشر فكرة العالمية والإنسانية -العولمة-.
فالتغريب اسم للمصطلح الذي يهدف قادة الغرب وعلماؤه ومن سار على نهجهم إلى تحقيقه من وراء جهودهم التي يكيدون بها الإسلام وأهله.
فبعد أن فشلت بعض الحملات العسكرية أيام الاستعمار نشأت فكرة التغريب عند ساسة الغرب ومخططيه، وهي أنه ينبغي أن تكون الجيوش الاستعمارية بعيدة عن المواجهات لأنها تثير ردود فعل عنيفة، وأنه ينبغي أن يبذلوا الأسباب لتستسلم الأمم المسلمة للثقافة والحضارة الغربية بنفسها طواعية، وهدفها تذويب الشخصية المسلمة في الشخصية الغربية بحيث لا ترى إلا بالمنظور الغربي، ولا تعتنق من الأفكار والمناهج إلا ما هو مستورد من الغرب، وتبتعد عن قيمها وعقائدها وأخلاقها المستمدة من شريعة الإسلام وتعتنق هذه الديانة الجديدة.
(^١) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف مانع الجهني ص ٢/ ٦٩٨، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الطبعة الرابعة.
1 / 5
المبحث الثالث: الفرق بين الاستغراب والتغريب
من خلال التعريف السابق للاستغراب والتغريب يتضح لنا:
أن الاستغراب محاولة معرفة الغرب من الداخل معرفة علمية موضوعية موثقة. وهو كمصطلح يقابل الاستشراق، وهذا العلم يمكننا من دراسة الغرب، فهو: العلم الذي يهتم بدراسة الغرب (أوروبا وأمريكا) من جميع النواحي العقدية، والتشريعية، والتاريخية، والجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية .. الخ. بخلاف التغريب الذي يهدف إلى طبع العرب والمسلمين عامة بطابع الحضارة الغربية والثقافة الغربية مما يساعد على إيجاد روابط الود والتفاهم-زعموا-.
1 / 6
المبحث الرابع: نشأة علم الاستغراب
إن المسلمين في عصور ازدهارهم اهتموا بعقائد الأمم الأخرى وأسسوا علم الملل والنحل، وكتب في ذلك ابن حزم والبغدادي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم كثير.
لذلك فإن المسلمين الأوائل لم يجدوا صعوبة في التعرف على الشعوب الأخرى والتفاعل معها وأخذ ما يفيدهم مما لدى الأمم الأخرى من وسائل المدنيّة، دون أن تتأثر عقائدهم، حيث أخذوا الديوان والبريد وبعض الصناعات المهمة مثل صناعة الورق (الكاغد) التي طورّها المسلمون حتى أصبحت صناعات إسلامية.
واستمرت معرفتنا بالأخر حتى عندما التقى المسلمون بالنصارى في الحروب الصليبية فقدم لنا أسامة بن منقذ وصفًا دقيقًا لطباع الإفرنج، فهو يصف شجاعتهم وقوتهم وجلدهم، ولكنه يتعجب من ضعف غيرتهم أو عدمها على الأعراض، ويتحدث عن هذه النقطة بتفاصيل دقيقة مثيرة للاهتمام (^١).
ولعل بداية دراسة الغرب كانت فيما نقله رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما عن أوروبا وكان من أبرز ما اهتما به النظام السياسي الغربي القائم على الانتخاب والحريات السياسية. كما اهتما بجوانب من الحياة الاجتماعية في الغرب وعلاقة الرجل بالمرأة. وكانت تلك النظرة التي ظهرت في كتابات التونسي والطهطاوي في وقت كانت قوة الغرب في عنفوانها وكان العالم الإسلامي يقاسي من ويلات التخلف فلا بد أن يصاب هؤلاء بالانبهار بالنموذج الغربي وإن كانا قد حاولا أن يربطا المحاسن الغربية (في نظرهم) بما في الإسلام.
وقد تجددت الدعوة لدراسة الغرب في منتصف هذا القرن في أحد مؤتمرات المستشرقين الدولية فقد أشار رودي بارت في كتابه الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية إلى أهمية أن يتوجه العالم الإسلامي لدراسة الغرب أسوة بما يفعله الغرب في دراساته للعالم الإسلامي.
وقد تناول هذا الموضوع الدكتور السيد محمد الشاهد في خطة علمية قدمها لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤١٠ وذكر حول أهداف هذه الدراسة: " طلب علوم الغرب للإفادة من صالحها وبيان فساد طالحها، والخلفية الفكرية للفكر الغربي." (^٢)، وأوضح من ضمن الموضوعات التي يمكن دراستها:
(أ) دراسة عقيدة الغرب دراسة موضوعية بعيدًا عن الحماسة والعاطفة.
(ب) وذكر في مقالة أخرى أن " علينا أن نبحث عن مخرج من موقفنا الضعيف إلى موقع قوي مؤثر، ولا يمكن ذلك إلاّ بدراسة علمية صادقة لما عليه أعداؤنا ولا حرج أن نتعلم من تجاربهم ومناهجهم ونأخذ منها ما ينفعنا ونترك منها ما عدا ذلك" (^٣).
(^١) الاعتبار لأسامة بن منقذ، تحقيق د. قاسم السامرائي (الرياض: دار العلوم، ١٤٠٧) ص ١٥٢.
(^٢) السيد محمد الشاهد." الاستغراب " في جريدة مرآة الجامعة، عدد ١٢٠، ٢٠ جمادى الأولى ١٤١٠.
(^٣) السيد محمد الشاهد" المواجهة حضارية .. والنقد لا يكفي"، في جريدة المسلمون، عدد ٢٧٠، ١١ - ١٧ رمضان ١٤١٠.
1 / 7
كما أصدر الدكتور حسن حنفي كتابا ضخما بعنوان: مقدمة في علم الاستغراب، تناول فيه أهمية دراسة الغرب فأوضح أن مهمة علم "الاستغراب" هي: " فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس. مهمته القضاء على الإحساس بالنقص أمام الغرب لغة وثقافة وعلمًا ومذاهب ونظريات وآراء". (^١)
ومن النماذج في بداية دراسة الغرب:
١ - قيام د. محمد بن سعود البشر الأستاذ المتخصص في الإعلام بترجمة عدد من الكتب التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية وتتحدث عن واقع تلك المجتمعات وهي كتاب (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة) وكتاب (السقوط من الداخل) وغيرها من الكتب.
٢ - د. مازن مطبقاني (الغرب من الداخل: دراسة للظواهر الاجتماعية).
٣ - الشيخ الدكتور جعفر شيخ إدريس: " موقفنا من الحضارات والأديان الأخرى: رؤية شرعية" (^٢).
٤ - د. عبد الراضي عبد المحسن في كتاب المعتقدات الدينية لدى الغرب.
٥ - د. عبد الراضي عبد المحسن في كتاب ماذا يريد الغرب من القرآن.
٦ - وقد قام مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في عام ١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م بتأسيس وحدة دراسات العالم الغربي (يشمل أوروبا والأمريكيتين) إدراكًا منه بأهمية مثل هذه الوحدة المتخصصة في ترقية وتنشيط العلاقات المتبادلة بين العالم العربي الإسلامي من جهة والعالم الغربي من جهة أخرى.
وكان من أهداف الوحدة:
- تأسيس قاعدة معلومات متخصصة عن العالم الغربي تغطي ما نشر عنه في وسائط المعلومات المختلفة في شتى المجالات: الحضارية والثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
- إعداد البحوث والدراسات المتعلقة بالعالم الغربي.
- تشجيع الباحثين والدارسين من العرب والمسلمين على التخصص في مجالات الدراسات الغربية.
- الإسهام في تنمية الوعي العربي الإسلامي وتنويره بما يدور في العالم الغربي من خلال فعاليات ونشاطات الوحدة المختلفة.
- تطوير أدوات الاتصال بالعالم الغربي وفتح مجالات الحوار الأكاديمي المباشر معه من خلال الندوات والمحاضرات وغيرها.
- استثمار الطاقات العلمية العربية المهتمة والمتخصصة في دراسات الغرب وعلومه وتوظيفها والعمل على تأسيس رابطة علمية تجمعهم لإثراء الجانب المعرفي بما يخدم الصالح العربي الإسلامي
(^١) مقدمة في علم الاستغراب ص ٢٤.
(^٢) جريدة الشرق الأوسط، عدد (٦٣١١، ٦٣١٢).
1 / 8
الفصل الثاني: أهمية علم الاستغراب
لمّا كانت الحضارة الغربية بشقيها الأوروبي والأمريكي هي السائدة والمتفوقة اليوم فمن الواجب على المسلمين أن يعرفوها معرفة وثيقة وعلمية.
ولقد أضاع المسلمون كثيرًا من الوقت منبهرين بما حققه الغرب، دون أن يتأملوا ويدركوا سر حركة التاريخ في الغرب، فنرى بعضًا من الباحثين والمفكرين المسلمين بمختلف انتماءاتهم يجهلون حقيقة الحياة الغربية والحضارة الغربية بالرغم من أنهم يعرفونها نظريًا، كما أنهم ما زالوا يجهلون تاريخ حضارتها.
وإنه بدون معرفة حركة تاريخ هذه الحضارة والمنطق الداخلي الذي يحكمها، فإننا لن ندرك سر قوتها ولا مكامن ضعفها، ولن نعرف كيف تكوّنت، وكيف أنها في طريق التحلّل والزوال لِما اشتملت عليه من ألوان التناقض، وضروب التعارض مع السنن الإلهية. وتحديد الصلة بالغرب وبغيره من الكيانات الحضارية، يعطينا تحديدين مهمين:
التحديد الأول: هو التحديد السلبي، وذلك من خلال إدراك نسبية الظواهر الغربية، ومعرفة أوجه النقص فيها وأوجه القوة الحقيقية.
أما التحديد الثاني: فهو التحديد الإيجابي، من خلال تحديد ما يمكن أن نساهم به في ترشيد الحضارة الإنسانية وهدايتها (^١).
وليكن معروفًا أن دراستنا للغرب يجب أن تتم وفق أسس معينه بحيث نفيد من معطيات الحضارة الغربية المعاصرة فيما لا يتعارض مع أسس الحضارة الإسلامية وثوابتها.
فالحدود الفاصلة بين المسلم وغيره واضحة جدًا لدى المسلم، والحديث عن المسلم يحتاج إلى تحديد المعالم المميزة للنموذج الثقافي الإسلامي عن النموذج الغربي، والغير والآخر (^٢) ليس هو فقط النصراني أو اليهودي أو المنافق بل الآخر أيضًا أناس من أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسمائنا ولكنهم اختاروا نهجًا يجعلهم أقرب إلى الآخر، فهم ليسوا في الصف الإسلامي وإن زعموا أنهم حريصون على مصالح الأمة.
(^١) قراءة في كتاب (مقدمات الاستتباع)، د. بدران بن الحسن، موقع الإسلام اليوم.
(^٢) هذا المصطلحات غير الشرعية؛ وأقصد بها الكفار؛ ولكن قد استخدمها للمخاطبة بالمصطلح المستخدم في هذا العلم.
1 / 9
وعندما خرج المسلمون من الجزيرة العربية منطلقين من طيبة الطيبة، كانوا أولا يعرفون دينهم معرفة حقيقية، ويعرفون ما يدعون إليه، كما كانوا يعرفون الأمم الأخرى، دخل أحد رسل جيش سعد ابن أبي وقاص رضي الله على القائد الفارسي، وأراد أن يجلس معه على سريره، فحاول الحرس منعه، فقال لهم: (كنا نظنكم أولي أحلام تتساوون فيما بينكم، فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضا) ثم أضاف تلك المقولة البليغة: (إن قوما هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال) (^١)، وكان المسلمون يعرفون الروم ونظام حياتهم، فلذلك نجحوا تماما في دعوتهم.
وقد أهتم علماء المسلمين بعقائد الآخر وفكره وثقافته ومن هؤلاء ابن حزم في الفصل والبغدادي في الفرق والأشعري في مقالات الإسلاميين وابن تيميه في الجواب الصحيح والغزالي في تهافت الفلاسفة وفضائح الباطنية.
وفي الوقت الذي توقفنا أو تراجعنا عن معرفة أنفسنا، وكذلك عن معرفة الآخر، انتبه الغرب إلى هذا الأمر، فبدأ نشاطه العلمي بدراسة الحضارة الإسلامية ومنجزاتها في شتى المجالات.
وقد كثفت أوربا جهودها في مجالين: -بالإضافة إلى الجهود الضخمة في الترجمة والنقل عن اللغة العربية واللغات الإسلامية الأخرى- بدءوا في إرسال الرحالة المستكشفين إلى عالمنا الإسلامي، تزيا بعضهم بأزياء البلاد التي زارها، وأعلن بعضهم إسلامه ليعمقوا في معرفتنا (^٢). وساند هذا الجهد نشاط الاستشراق، فعقدوا المؤتمرات السنوية للجمعية الدولية للمستشرقين.
وليست المؤتمرات هي النشاط الوحيد، فإنهم أسسوا مئات الأقسام العلمية للدراسات العربية والإسلامية، وأنشأوا مراكز البحوث والمعاهد وعقدوا وما زالوا مئات الندوات والمؤتمرات، ونشروا ألوف أو عشرات الألوف من الكتب والدوريات، ولم يكتفوا بجهودهم وحدهم في معرفتنا، بل استقدموا أبناء الأمة الإسلامية للدراسة عندهم وبخاصة طلاب الدراسات العليا، فأصبحت رسائل الماجستير والدكتوراه تنقل إليهم أدق التفاصيل في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية والثقافية، وكذلك بعض الندوات والمؤتمرات التي تعقد في بعض البلاد العربية الإسلامية بتمويل من بعض المؤسسات العلمية الغربية حيث يحضرها بعض المراقبين من الغربيين.
حيث يقوم هؤلاء المستشرقون بدراساتهم تلك من أجل تقديم دراساتهم ونصائحهم ووصاياهم:
١) للمبشرين بغية تحقيق أهداف التنصير.
٢) وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار الفكري والعقائدي والمادي.
من هنا فإنه من الواجب علينا نحن المسلمين أن نولي اهتمامًا بالغًا بثقافتنا الحضارية وهويتنا الإسلامية.
(^١) انظر تاريخ الطبري ج ٢، ص ٤٠٢ - ٤٠٣.
(^٢) صراع الغرب مع الإسلام، لأصف حسين ترجمة مازن مطبقاني.
1 / 10