في الواقع لم يكن لدي اعتراض على الشاب نفسه؛ فهو طيب القلب، صافي النفس، لا يشرب، ولا يعرف النساء، وعلى خلق. - ولكن يا أبي فارق السن بيننا بسيط، وفي اعتقادي أنه يجب أن يكون الزوج أكثر تجربة وأكثر اختبارا للحياة؛ ليمكنه أن يقود سفينته برفق، وليمكنه أن يحل ببساطة المشاكل التي تبدو للزوجة صعبة الحل شديدة التعقيد. - إنني أنا ووالدتك كنا أسعد زوجين وتمتعنا بسعادة لا يحلم بها أحد، ومع ذلك فقد كان السن بيننا متقاربا.
لم أجرؤ أن أقول: إن الحب الذي كان يجمع بينكما هو الذي تغلب على كل المشاكل وأذاب كل العقبات.
يا بابا، إذا تقارب السن يشعر كل من الزوجين بعدم الثقة في عقلية الآخر، ويصور له غروره أنه هو المتفرد بالرجاحة والاتزان. - شاوري مخدتك وأجيبيني غدا. وحتى إذا تمت الخطبة ولم تشعري بالارتياح فيمكن التراجع فيها.
وبقيت طوال الليل تنازعني أفكار كثيرة، وتصارعني عواطف مختلفة. إنها لأكبر حيرة تملكتني، ماذا أفعل؟ ما الذي يقضيه علي الواجب؟ ما الذي يفرضه علي العقل؟ - مبروك؟
قالها أبي وعيناه تلمعان فرحا.
لم أر هذا الرجل في مثل هذه السعادة، إنها ملأت كيانه، وتبدت في كل حركة من حركاته وفي كل سكنة من سكناته.
إنه ليهز مشاعري أن أحس أنني السبب في إسعاد الرجل الذي ليس لي في الدنيا سواه، إنني أومن بالحب، ولكنني لا أحس به، ولكن أفلا تعادل فرحة أبي خفقة قلب المحبين؟ والله إنها ...
ليس معنى هذا أنني أكره هذا الشاب أو أعترض عليه، لا والله فإنني أحبه كثيرا وأراه متكاملا، إلا أنني أشعر بتباعد كبير في أفكارنا؛ فهو إنسان مطمئن النفس لا يرى الدنيا إلا في قالبها الوردي، وأراها أنا قاتمة الوجه، فكيف يجمع بين النور والحلكة وبين البساطة والتعقيد؟ ثم هو يريد - ككل شاب - أن يكون أبا ويرى أولاده يمرحون من حوله ويملئون دنياه حبا وسعادة، أما أنا فأرى في إيجاد الأطفال جريمة - وهذا الرأي خاص بي - فمن منا يضمن أنه سيعيش حتى يربي أولاده؟ ومن منا يستطيع أن يمنع ما يراه أطفاله بعده من هوان وعذاب؟ ثم إذا جاء الطفل مشوها أو متخلفا كيف أغفر لنفسي أنني أنا السبب في ذلك؟ ومن الغريب أن يكون تفكيري على هذا النحو من التشاؤم ولم أكن قد تجاوزت الثامنة عشرة، ولكن قد يكون موت أمي وأنا في العاشرة هو الذي جعلني أصدم في الدنيا وأصدم في الناس، وجعلني أرى ما يخفى عن الأطفال، فالأم تحمي أولادها كالمظلة تقيهم الحر والبرد والمطر، فإن ذهبت كشرت الدنيا عن أنيابها وزمجرت.
تمت الخطبة في منزل والدي بالزمالك في حفل عائلي نظمته زوجة أبي أمينة صدقي ابنة رئيس الوزراء السابق ما قبل الثورة إسماعيل باشا صدقي، وأضفت عليه من ذوقها الرفيع الرائع جمالا وأناقة وبقلب ينبض بحب وأمومة.
وقارنت بين نفسي المضطربة وبين نفسه المطمئنة الآمنة وخشيت الأيام، كانت فترة الخطوبة عبارة عن تحفظ دائم من ناحيتي، وعن حب متدفق كالشباب من ناحيته، كنت أراه كل يوم يتناول غداءه معنا كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، ثم يعود في المساء بابتسامة هادئة وبقلب ملتهب.
Bog aan la aqoon