في أيام الانتخابات كان منزل دسوقي باشا يمتلئ بالناس منذ الصباح الباكر وحتى آخر الليل ويقدم لهم كل الإكرام والترحيب، وكان دسوقي باشا ينجح في الانتخابات دائما، إلى أن جاءت وزارة وفدية في الأربعينيات وساعدت خصم دسوقي الوفدي مساعدات سافرة بدون أدنى تحفظ وبلا حدود، وعلى الرغم من ذلك نجح دسوقي باشا، وقد تكاتفت الأسرة شبابها وشيوخها وانتشرت في جميع أنحاء الدائرة للمراقبة والمساعدة إلى أن اطمأنوا على نجاح عميدهم. وقد تعرض فكري باشا أباظة لمضايقات بسيطة أثناء هذه الحملة الانتخابية، وقد كتب الشاعر الأستاذ العوضي الوكيل قصيدة يهنئ فيها دسوقي باشا ويسخر من فشل مناورات الحكومة، مطلعها:
قهرنا الحكومة يا عارها
ودسنا بأقدامنا غارها
2
وكانت كوثر صغرى بنات دسوقي باشا تلقيها وهي في السابعة من عمرها أمام الجموع التي تتواجد في بيت والدها، وكان منزله عبارة عن منزل أدب وشعر.
وفي الدور العلوي كانت تجيء الفلاحات ويجلسن حول سيدة البيت، وكانت تكلمهن وتسأل عن أولادهن واحدا واحدا بالاسم، وكانت تحل لهن المشاكل العائلية، حتى إنه جاءت فلاحة تشكو زوجها فقالت لها: أشركي قريبا من أقاربه، فقالت لقد فعلت وحاولت بكل الطرق إصلاحه ولكن لا فائدة. - اذهبي إلى العمدة ليصلحه بالشدة. - فعلت ولكن لا فائدة. - إذن تحملي من أجل أولادك واتركي عقابه لله. - يا سيدتي لم أعد أستطيع التحمل (قالتها بلهجتها الريفية).
واهتم ثروت بأمر هذه الفلاحة المسكينة وأحضر زوجها وقال له: امض على تعهد أنك لن تؤذي زوجتك. - أنا لا أعرف الكتابة يا بيه. - إذن فاذهب وامح أميتك. - ليه يا بيه أنا حلو كده (بكسر اللام).
وظل حلوا إلى آخر يوم في حياته و«وحشا» (بكسر الواو الثانية أو فتحها) بالنسبة لزوجته.
ولم يتركه ثروت إلا وقد أخذ منه تعهدا شفويا بحسن معاملة زوجته .
ومن غزالة كان يذهب إلى زيارة جدته لأمه وأخواله في الزقازيق، التي تبعد عن قريته بمقدار خمسة كيلومترات، وكان يقضي معهم بضعة أيام، وكان منزل سليمان بك إسماعيل أباظة ملاصقا لمنزل جدته، وكان صديقا لأولاده: إسماعيل ونبيل وعايدة ونوال، وكانوا يقضون وقتهم في مرح وسعادة. وكان لهم مربية اسمها «أم حميدة» تحب ثروت وتخصه «بالسندوتشات». ولما كبروا كانوا يتذكرون أيام الطفولة الجميلة ويسود الضحك والمعاكسات، وسألهم مرة ثروت عن «أم حميدة» فقالوا: إنها توفيت؛ فانزعج وبكاها بكاء مرا بعث في نفسه كل ذكريات الطفولة، وهذه الدموع سالت وهو في سن الخمسين؛ فالإنسان يحن إلى من أحاطه بالحب والحنان في بداية العمر.
Bog aan la aqoon