Weelka Marmarka
الوعاء المرمري
Noocyada
ولكن قلبه كان كئيبا لفراق أصدقائه الذين ساروا وراءه في فجاج الأرض حتى جاءوا معه إلى عكاظ، وشاركوه في هذه الأعوام مخاطر المعارك التي خاضها على البر وفي البحر، يقفون إلى جنبه ويحمون ظهره في المآزق. أهكذا تحل الأقدار العقد التي يعقدها البشر بضربة واحدة قاطعة؟
وسار الراكبان في صمت وكل منهما يهيم في عالمه. كان كلاهما يضرب في الأرض شريدا وحيدا ، وسأل سيف نفسه: «أية دفعة هذه التي جعلته يفعل ما فعل؟ لم أسرع وراءها حتى أدركها؟ أهي جرفة أخرى ينساق فيها منهزما مع الحقائق عندما يصطدم بها؟ وخطرت له صورة أمه ثم صورة خيلاء. ماذا تقول ريحانة إذا رأته يسير مع هذه المرأة التي قتلت رجلا من الأشراف في الشهر الحرام؟ وماذا تقول خيلاء لو خطر لها أنه يخرج في الليل هكذا مع مثل طليبة؟ أيخطر لها ذلك؟» ونظر إلى طليبة، وكانت تسير هادئة إلى جنبه، كأنها اعتادت كل حياتها أن تصاحبه. أكانت تريد أن تعود إلى الحانة لترقص حتى تعيا وتشرب حتى لا تعي ثم تنتظر قضاءها؟ وكأن الفتاة أحست بما يجول في صدره، فصرخت صرخة فزع مكتومة كأنها رأت جلاديها يقبلون نحوها. وكان نور الفجر يطل رويدا رويدا من المشرق، والنسيم الذي يرف من الشمال في وجهيهما. وانحدرت الهضبة إلى واد فسيح معشب فيه نخلات تلوح في الجانب الآخر هادئة وسنى. ونظر سيف إلى وجه الفتاة، وكان لونه المصفر يخلع عليه رقة لم يرها عليه من قبل. المسكينة! وهمز فرسه نحو النخيل، وكانت الشمس تبعث أشعتها الأولى إلى السحب المتبرجة كما تفعل دائما.
ونزلا في جانب النخلات التي تقبع في فجوة إلى جانب الوادي، تحتضنها الصخور من ورائها وتنفرج عنها إلى منبسط أصفر من طمي ناعم فيه شقوق واسعة لطول عهده بالأمطار، وتنبت فيه أشجار من السيال والسنط، وأنواع من شجيرات شوكية وصبير. وكانت أعراش الحنظل تمتد خضراء يانعة كأنها رويت منذ ساعة، وتتعلق بها ثمارها الموشاة بالنقوش مستظلة بأوراقها. وخطرت لسيف صورة خيلاء في ملابسها البيض وهي مطرقة في هودجها تصلي ولا تلتفت إليه. أما كان في مثل هذا الركن الضيق مثوى سعيد لهما؟ ولكنها آثرت أن تذهب إلى الدير ولا تخرج معه في ظلمة الليل. أيخطر لها وهي هناك أنه في تلك الساعة ينزل مع فتاة مثل طليبة في جانب واد معشب وسط الصحراء؟ أم نسيته وانصرفت بكل قلبها إلى الصورة التي اختارتها؟ ماذا تقول خيلاء لو رأتهما هناك؟
ونظر إلى طليبة وهي تأخذ مجلسها مستندة إلى الجدار الصخري، وتمد رجليها ثم تغلق عينيها كما يلقي المسافر المجهد عصاه ويطلب الراحة. أنسيت كل ما مضى؟ أهي لا تسأله عما يكون بعد ساعة؟ إنها تستجيب إلى حاجة الساعة التي هي فيها كما يستجيب كل أمثالها من ضواري الفلاة.
وذهب إلى ناحية من جانب الوادي فاستلقى مستندا برأسه إلى صخرة، ولكنه لم يغمض عينيه. فماذا يقول أصحابه غدا؟ وماذا يقول أهل عكاظ من شتى القبائل عندما يرون جثة نفيل بن حبيب؟ لن يذهب ظن أحد إلى الفتاة الراقصة، بل ستذهب كل الظنون إليه هو. ألم يخرج معه من الحانة؟ ألم يغادر عكاظ في ظلام الليل هاربا بالفتاة التي نازل ابن حبيب من أجلها؟ ولكن ماذا كان يستطيع أن يفعل؟ أكان يبقى في عكاظ ليشهد عذاب الفتاة حتى تموت قطعة قطعة؟ كانت طليبة أمة، وما كان لها إلا أن تجد عقاب أمة قتلت سيدا من الأحرار. أمة؟ أمة مثل خيلاء؟
مسكينة خيلاء! هي الأخرى ذهبت إلى الدير لأنها أمة. ولو كانت مثل هذه الراقصة الشيطانة لاستطاعت أن تغمد خنجرها في قلب يكسوم، ولكنها لا تستطيع أبدا أن تسير معه في ظلام الليل مستسلمة هادئة، ولا أن تغمض عينيها هكذا في ركن صخري من الصحراء كما تفعل هذه الأخرى. وكان النوم يمسح على ملامح طليبة ويزيل عنها هي كل أثر من العنف، فتمثلت له في صورة طفلة سعيدة، أهي طليبة حقا؟ هي الحياة التي عنفت عليها وجعلت منها الراقصة الشيطانة التي تلمع عيناها في ثورة ويرتد رأسها إلى الوراء متحديا، ولا تبالي أي قضاء ينتظرها. وقام ينظر إليها، فرأى تمثال حسناء ناعسة، بل هي خيلاء القريبة التي قاست في حياتها الكوارث والمآزق، وعرفت العنف في أعنف مآتيه والبؤس في أبعد مهاويه. هي التي تقوى على صحبته وهو يضرب في القفر مقاتلا مستيئسا، يتعرض في كل خطوة لصراع الموت والحياة. ألا ما كان أشبه ملامحها بخيلاء! وكأنه أحس في قلبه حركة نحوها.
وفتحت الفتاة عينيها كأنها أحست وقع نظراته، وقالت باسمة: أليس معنا طعام؟
فذهب يلتمس شيئا مما حمله معه في الحقيبة، وكانت الشمس تسطع صاعدة في السماء على الوادي الخالي.
وتبسم في شيء يشبه السخرية عندما أدرك الحقائق التي تحيط به، لقد صدقت ريحانة عندما قالت له إنه يعيش في الخيال ويصطدم بالحقائق وينجرف معها. •••
وتقاذفت بهما الصحراء، وكانت طليبة امرأة طليقة كالوعل والذئبة، أو كالقطاة أو أنثى الصقر، لا تعرف قيدا إلا ما تحتمه عليها الطبيعة. كانت تجوع فتطلب الطعام، وتلتمسه أنى وجدته، وتحس بالبرد فترتعد، والحر فتطلب الظل، وتحب فتهب حياتها للحب، وتكره فلا تبالي أين تندفع مع كراهتها. كانت لا تعترف بالناس لأنها لم تعرف نفسها سوى بضاعة، يملكها الناس كما يملكون الرواحل التي تحملهم ثم يذبحونها. لم تحس يوما أنها إنسانة في جماعة من الناس، كانت سلعة توهب أو تباع وتشترى، أو داجنة تقتل إذا بدا لمالكها أن يقتلها.
Bog aan la aqoon