إيطاليا وروما
1860-1861
واقتنع الطليان بأن على فنيسيه أن تصبر، إلا أنهم كانوا يتلهفون على المسير نحو روما، وكانت ممتلكات البابا عبارة عن شقة من الساحل بين الضفاف الطوسكانية والنابولية، يتفاوت عرضها من ثلاثين إلى خمسين كيلو مترا، تحتوي «فيتربه وتيفولي وفيللتري وفروسينونه»، وقد أعلنت فيتربه في الخريف انضمامها إلى ملكية فيكتور عمانوئيل فاحتلها بيبولي حاكم أومبرية إلى أن ألح الإمبراطور على إرجاعها إلى البابا رغم وعده لإنجلترة، وكان البابا يحكم تلك الأرض، والعالم كله يعلم بأن حكمه لا يستقيم أسبوعا واحدا إذا انسحبت الحامية الإفرنسية.
حقا لقد أظهر القوميون بعض النشاط في روما نفسها، وكان خمسة آلاف من خيرة رجالهم في المنفى، ومع أن الحامية الإفرنسية وقوات البابا كانت تقبض على المدينة بيد من حديد، وعلى الرغم من أن الجند والشرطة فقد وقع عشرة آلاف رجل على نداء يرحبون فيه بسياسة كافور، وأخذ الطليان يتجهون بأبصارهم نحو روما كلما امتد الزمن، وقال ريكاسولي: «إيطالية من دون روما لا شيء، أما فنيسيه فتستطيع أن تصبر وسيأتي يوم الاستيلاء عليها، أما روما فلا يسعها الانتظار.»
ولما اجتمع البرلمان اقترح - بالإجماع - على اتخاذ روما عاصمة المملكة، وكان عار الاحتلال الأجنبي يدمي في قلب الأمة ويغضبها، وبينما كان أنصار البابا يحتجون بأن السلطة الزمنية لازمة لاستقلال البابوية كان الطليان يجيبونهم بأن امتلاك روما لازم لاستقلال إيطالية.
وقد انقلب هذا الشعور إلى سخط حين أباح البابا للبوربونيين المغامرين أن يجعلوا مقرهم في روما، وأن يجهزوا عصابات الشقاوة متمتعين بحماية البابا، وهكذا انفتحت هوة سحيقة بين البابوية وإيطالية يتعذر سدها ما دامت السلطة الزمنية ذلك المرض المزمن الذي يفسد أنقى دم في الأمة.
وانتشرت الكراهية للكنيسة بسرعة ولا سيما بين الطبقات الوسطى والصناع فأخذوا يقولون: «إذا أرغمت إيطالية على الاختيار بين القومية والكاثوليكية فستختار الأولى.»
وراح رجال الماسون يبثون دعاية مستمرة صامتة في سبيل الفكر الحر، وأخذت البروتستانتية تزداد في فلورنسة، بيد أن كافور كان يدرك بأن القضية تتعدى الكفاح بين إيطالية وبلاط روما، وأن الأمر يتعلق بالسياسة الأوروبية التي لا تستطيع أن تتجاهلها إيطالية، وأن تكون بمعزل عنها، فالأمر يمس جميع الأمم الكاثوليكية، وقال للإمبراطور بأنه لن يعقد مع البابا أية معاهدة تتخلى بها إيطالية عن حقوقها في روما، وشاهد الخطر الداهم الذي يتهدد البلاد من وجود حكومة في قلبها تستند إلى حرب الأجانب، وأدرك الفائدة العملية التي تنجم عن اكتساب المدينة التي إذا ما أصبحت العاصمة اضمحلت الخصومات الناشبة بين تورينو وفلورنسه ونابولي، غير أنه لا يمكن اكتساب روما بالقوة ما دامت الحامية الإفرنسية فيها.
وأدرك كافور بأن الرأي العام الأوروبي الكاثوليكي كان قويا مخاصما، ولا سيما لأن الأحداث الأخيرة قد أسخطت أنصار البابا على بيمونته وعلى الإمبراطور أكثر من قبل، وكان استيلاء أومبريه وهزيمة لامورسيبر والقلق الذي استحوذ على روما ونفاق نابليون وجهود الحكومات الكاثوليكية؛ قد بث الذعر والغيظ في العالم الكاثوليكي، فكلما ألحقت إيالة بالمملكة سارعت إلى وضع قوانين ضد الإكليريكية، وكثيرا ما كانت هذه القوانين أشد من القوانين المرعية في بيمونته.
وقد ألغى بيبولي في أومبريه وفاليريو في المارك، وكانا يعملان - بلا شك - بموجب وصايا تورينو الأديرة وشرع النكاح المدني واستغلال أملاك اليسوعيين في تأسيس مدارس النواحي وجردا الأساقفة من محاكمهم الكنيسية وحق الإشراف على التعليم والأمور الخيرية.
Bog aan la aqoon