Wasit Fi Tarajim

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط والكلام على تلك البلاد تحديدا وتخطيطا وعاداتهم وأخلاقهم وما يتعلق بذلك

Daabacaha

الشركة الدولية للطباعة

Daabacaad

الخامسة

Sanadka Daabacaadda

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م

Goobta Daabacaadda

مصر

قَبيلَةُ إِدَوْعَلِ
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الطالب بن حبيب بن أبيج ينتهي نسبه إلى يحيى العلوي الجد الجامع لأكثر القبيلة في تلك البلاد، يعرف بـ
ابن رازكه
بكاف معقودة وهي أمه، ويعرف أبوه بمحم وجده بالغاظي (بالظاء والغين المعجمتين تصحيف القاضي) ويعرف أيضا بقاضي البراكنة العالم النحرير، المقدَّم على أهل قطره من غير نكير. كل عن مداه كل جواد، يعترف بذلك الحاضر والباد، وانتشر صيته في تلك الصحارى والأقطار، حتى صار كالشمس في رابعة النهار، وضُرب بفهمه المثل. واستوى في معرفته السهل والجبل.
وكان مولده في أرض القبلة، ثم نشأ بها إلى أن ترعرع، فطمحت نفسه إلى العلوم، فاشتغل بها حتى تضلع. وكان ذلك على طريق خرق العادة، إذ مدة طلبه لما نال ليست معتادة. ثم جعل يرجع إلى بلدة تارة والى مسقط رأسه أخرى. ثم طمحت نفسه إلى الأعتاب السلطانية. وكان ذلك في إقبال الدولة العلوية. فاتصل بأمير المؤمنين مولاي إسماعيل ﵀، فحظي عنده. وكان ذلك وقت نبوغ المولى محمد بن مولاي إسماعيل المعروف بالعالم، الذي اشتهر علمُه وفضله فكان من خاصته. وكان يكرمه بما لم يقصر عما يذكر من إكرام الرشيد وأضرابه لمن توجهوا إليه، فكان يفد إليه ثم يرجع إلى بلاده، فإذا تذكر تلك الشمائل العالمية، والأيادي الحاتمية. تتصاغر عنده الصحراء وأهلها، ثم يرجع إلى الحضرة السلطانية. وكان له صديق من الترأرزه، اسمه أعل شنذوره، جد محمد لحبيب الأمير المشهور. وكان تضطهده أبناء رزك، لشوكتهم في ذلك العصر، فأخذه مرة وتوجه به إلى مكناسة الزيتون حرسها الله، ولما قدماها ونزلا عند المولى إسماعيل أكرمهما، وقال سيدي محمد العالم يرحب بهما:

1 / 1

مكناسة الزيتون فخرًا أصبحت ... تزهو وترفلُ في ملاءِ أخضرِ
فرَحًا بعبدِ الله نجل محمدٍ ... قاضي القضاة ومن ذؤابة مغفرِ
ثم ذكرا للسلطان صولة أبناء رزك في أرض القبلة، فأمدهما بمحلة كبيرة وأمر عليها أعل شنذوره، فسار بها إلى أن وصل أرض القبلة، فأباد أبناء رزك ولم يبق إلا مواليهم من ذلك الوقت.
ولم يزل سيدي عبد الله يعود إلى ارض المغرب مرة بعد مرة، إلى أن ثار المولى محمد صاحبه بأرض السوس على أخيه، وله فيه قصيدتان جيدتان سأورد ما تذكرت منهما.
وكان عبد الله المذكور متفننا في فنون شتى. منها: النحو. والعربية. والبيان. والمنطق. والفقه. والهندسة. والرياضة. والتربيع وغير ذلك، ولم نر من أخذ عليه شيئا إلا ما قيل عن بعضهم، إنه غلطه في فائيته حيث يقول:
قفوت بها الشاميّ في الفاءِ موقنًا ... بأني وإن دون إدراكه ضعفا
قال: لأن الذي تقدمه في هذا الروي واقتفاه، هو ابن هانئ الأندلسي وهو مغربي، فكيف يقول إنه شاميّ، وهذا غير صحيح، لأن الشامي الذي يعني، هو أبو الحسن علي بن أحمد الشامي المغربي، وإنما لقب أبو الحسن هذا بالشامي، لان جده قدم من الشام على حضرة فاس حرسها الله، فاشتهرت بنوه بالنسبة إلى الشام. وأبو الحسن هذا، مات بعد الثلاثين والألف، ويدل عليه أن فائية عبد الله المذكورة في مدح نعال النبي ﷺ، كما أن قصيدة أبي الحسن الشامي كذلك. أما فائية ابن هانئ المعروف بمتنبي، المغرب فإنه مدح بها جعفر بن عليّ صاحب الزاب. قالوا وأخذ عليه أيضا قوله:
ترى عَين الفتى جناتِ عَدْنٍ ... وتُصلى قلبهُ نار الجحيم
لأن هذا البيت هو بيت المتنبي:
حَشايَ على جمرٍ ذكيّ من الغضى ... وعَينايَ في روضٍ من الحسن ترتع

1 / 2

وهذا غير صحيح، لان قوله جنات عدن، أبلغ من روض من الحسن، ولأن نار الجحيم أحر من جمر الغضى، فاستحق هذا المعنى بما زاد فيه. قالوا وأخذ عليه أيضا قوله - وكان: يقرأ بين يدي المولى إسماعيل أو ابنه مولاي محمد العالم - فقال: الوخيذ بالذال المعجمة، فأرجعه السلطان أو ابنه. فقال: إنه بالذال المعجمة وبالمهملة، فطلب منه شاهدا على ذلك فارتجل:
أقولُ لصاحبي لما ارتحلنا ... وأسرَعنا النجائبَ في الوخيذِ
تمتّع من لذيذ كلام حورا ... فما بعدَ العشيةِ من لذيذِ
وهذا مغالطة منه، والجواب عن هذا أن ذلك يغتفر كما وقع لأبي العباس المبرد فإنه ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه وقضى سلامه. قال له عيسى: أيها الشيخ! ما الشاة المجثمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها. فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد؟ قال نعم، قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد نسمه ... إلا عنيز لجبة مجثمه
فإذا الحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلما دخل عليه قال: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثمت على ركبها، وذبحت من خلف قفاها، فقال: كيف تقول ذلك، وهذا شيخ أهل العراق يقول: هي مثل اللجبة، وأنشده الشعر. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة أن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه، وإن كان هذا الشعر إلا لساعته، هذه فقال أبو العباس: صدق الشيخ، فإنني أنفت أن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه، فاستحسن منه هذا الاعتذار. ولعمري أن بيتيه أحسن من بيت أبي العباس عند المنصف.
ولنبدأ بقصيدته التي مدح بها نعله ﷺ وهي:

1 / 3

غرام سقى قلبي مدامته صرفا ... ولمّا يقمٍ للعذل عدلا ولا صرفا
قضي فيه قاضي الحب بالهجر مذ غدى ... مريضًا بداءِ لا يطبُّ ولا يُشفى
نهاريَ نهرٌ بين جَفنيَ والكرى ... وليلىَ بحرٌ مرسَلٌ دونهُ سَجفا
جريحُ سهام الحب عاث به الهوى ... فأبدى الذي أبدا وأخفى الذي أخفى
توطّنتِ الأشواقُ سوْداَء قلبهُ ... فترفعهُ ظرْفًا وتخفضهُ ظرْفا
يحاولُ سلواني الأحبة عُذَّلى ... وهل يجد السلوان مَنْ يفقد الإلفا
سهرنا فناموا ثم عابوا جفوننا ... لقد صدقونا المُرهُ لا تشبه الوُطْفا
فحسبُ المحبّ الصادقِ الودّ قلبهُ ... جفاء بشكواهُ مرارة ما يخفى
وما ضرّ أوصالَ المحبّ مقوّتًا ... رجاء وصال الحب إسناتُها عجفا
لئن فاتنا عين الحبيب فإنما ... بآثاره الحسنى اكتفاء من استكفى
فإن لم تر النعل الشريفة فانخفض ... لتمثالها واعكف على لثمها عكفا
وقف رائمًا إشمام ريا عبيرها ... حشاشة نفس ودّعت جسمها وقفا
ولا ترض في تقبيل إلف تحبهُ ... إذا أمكن التقبيل ألفًا ولا ضعفا
بدت روضة مسكية النشر أوشكت ... لطيب شذاها العين أن تحسد الأنفا
أيمكن رس ضمه الفم دونها ... أيملك جفن غضه دونها الطرفا
ترد الردى المخشىّ وشْكُ بلائه ... ولولا قضاءٌ سابقٌ ردّت الحتفا
وتجلب في سوق التكسب طرْفةً ... وتجنب في مضمارِ نيل العلى طرْفا
ورمحًا ردينيًا وسهمًا مفوَّقًا ... وسيفًا سريجيًا وسابغة زَغْفا
فشمِّر وأظهرْ كل شرّ تضمهُ ... وإياك والإضمارَ في الشرح والحذفا
وحكم لها من هنَّ بالفصلِ حُكَّم ... ثلاثتهن الشرع والعقل والعرفا

1 / 4

مضى سلف في خدمة النعل صالح ... فكن خَلَفًا فيما تعاطوه لا خَلْفا
رأوا تلك في الدنيا الدنية قربة ... إلى الله في الأخرى مقربةً زلْفى
أرى الشعراء الهائمين تشببوا ... بذكر المحاكي من يحبونه وصفا
يُذيعون ذكر البان والحقف ذي النقي ... ويطرون ذات الخشف بالقول والخشفا
فها أنا في تمثال نعليك سيدي ... مضيت على التحقيق في الوصف كالأشفا
وإني وتوصافي بديع حلاهما ... كمن همَّ بالبحرين يفنيهما غرفا
موازي ترابَ النعل بالتبر سائمٌ ... جبال شروري السمَّ أن تزن الزفا
أيا من سَقَتْ ألفًا ظماء بنانهُ ... كما وهبت ألفًا كما هزمت ألفا
يد سميت في فادح الفقر راحة ... كما سميت في كفها للعدى كفا
ومن قام في الإسراء والحشرِ خلَفه ... نبيؤ إله الحق كلهم صفا
نبي وقانا صرفيِ الدهر يمنه ... فها نحن لا أزلا نخاف ولا عنفا
له مكنة في علم كل خبيئة ... يقينًا ولم يخطط على مُهْرَقٍ حرفا
تناهي إليه علم ما كان أودعت ... بنات لبيدٍ بيرَ ذروان والجفا
وما في ذراع الشاة مما تعمدت ... يهود ولكن ما أعفّ وما أعفا
وما ملكوت العرش عنه مغيبًا ... يعاينه والعين نائمة كشفا
يجوز عليه النوم شرعا وما سهى ... له قلبه اليقظان قط وما أغفا
وما أرضة البيت الحرام تعقبت ... كتاب قريش إذ نفت كل ما ينفي
لمولدك الميمون آيٌ شهيرةٌ ... شفت غُلَّةَ الراوين من قولها الشفا
وفيما رأت عينا حليمة مذ رأت ... تبنيك هو إلا حظي شفاء من استشفى
ولو لم يجبك البدر لما دعوتهُ ... لما شئت لم ينفكُّ نصفين أو نصفا
ولم تك أمّ المؤمنين وإن سخت ... لتفنى لولا كيلها ما على الرفا

1 / 5

إلى معجزات أنجم الجوِّ دونها ... نُمُوًّا وحُسنًا وارتفاعًا ومُصْطَفا
فلا الدهرُ يحصيهنَّ عدًّا ولو غدت ... مداداُ لياليه وأيامه صُحْفا
بك الله نادى عالم العقل باليًا ... فأغواهُم عدلا ووفقهم لطفا
تأثل منك النجم كيفية الهدى ... وشمس الضحى الإشراق والعنبر العرقا
ورشدك ما أبداه فانكشف العمى ... ووجهك ما أبهى وقلبك ما أصفا
ونوَّرت أضغان العدوّ مواليًا ... عليهم هدى الآيات يشرقن والزحفا
ولي فيك عيم ما أن العين ثرة ... حكتها ولا هامى الحيا مثلها وكفا
وخد كما تحت المحيط من الثرى ... فآليته لاجف إلا إذا جفا
وفكرة حيران الحجا قذفت به ... نَوًى شُطُرٌ من حيث لم يحتسب قذفا
وقلب تولى الحب تصوير شكله ... صنوبرة ثم استبد به حلفا
فكان سواء عذبه وعذابه ... عليه فما استعفاه قط ولا أعفا
وشعر بديع لو حوى الفتح شينه ... تمنت عذارى الحيّ وارده الوحفا
فإن لم يكن حق النبيّ فزخرف ... إذا زلزلت للحشر ألفيته كهفا
قفوت بها الشاميّ في الفاءِ موقنًا ... بأدنى وإن دون إدراكه ضعفا
أنا التابع النعّات فيك مؤكدًا ... بيانهمُ أرجو به عندك العطفا
تخذتك كهفًا دون ما أنا خائفٌ ... فلم أخش في أعقاب حادثة لهفا
فرشني ومن راشت يداك جناحه ... يكن آمنًا ما عاش من دهره النتفا
وأطلق سراحي من ذنوب عظيمة ... تعاظمني إبثاقها ليتني أكفى
عيك صلاة الله جمعاء كلها ... وتسليمه ما طاش عقلٌ وما ألفى
وآلك والصحب للذين علاهُم ... أقلتهمُ أرضًا أظلتهمُ سقفا

1 / 6

وهذه قصيدة علي بن أحمد الشامي المغربي التي تقدمت الإشارة إليها:
دعوا شفة المشتاق من سقمها تشفى ... وترشف من اسآر ترب الهدى رشفا
وتلثم تمثالا لنعل كريمةٍ ... بها الدهر يستسقى الغمام ويستشفى
ولا تصرفوها عن هواها وسؤْلها ... بعدلكم فالعدل يمنعها الصرفا
ولا تعتبوها فالعتاب يزيدها ... هيامًا ويسقيها مدام الهوى صرفا
جفتها بكتم الدمع بخلا جفونها ... فمن لامها في اللثم فهو لها أجفى
لئن حجبت بالبعد عنهم فهذه ... مكارمهم لم تبق سترًا ولا سجفا
وإن كان ذاك الحيف ملفى وصالهم ... فها نفحة الإفضال قربت الملفى
فحركت الأشواق منا لروضة ... أباح لنا الإسعاد من زهرها قطفا
زمانًا به موصولنا نال عائدًا ... وأكد نعت الوصل من نحوهم عطفا
تولى كمثل الطيف أن زارفى الكرى ... وإلا كمثل البرق أن سارع الخطفا
ومنها:
كأنا وما كنا نحوب منازلا ... يود بها المشتاق لو راهق الحتفا
ولم تبصر الأبصار منها محاسنا ... ولم تسمع الآذان من ذكرها هتفا
كذاك الليالي لم تحل عن طباعها ... متى واصلت يوما تصل قطعها ألفا
فلا عيش لي أرجوه من بعد بعدهم ... وهيهات يرجو العيش من فارق الإلفا
ومنها:
أيا من نأت عنه ديارُ أحبةٍ ... فمن بعدهم مثلى على الهلك قد أشفى
لئن فاتنا وصل بمنزل خيفهم ... فها نفحة من عرفهم للحشا أشفى
وهاذيك أنفاس الرياض تنفست ... برياهُم فاستشفينَّ بها تشفى
وقل للأولى هاموا اشتياقًا لبابهم ... هلموا لعرف البان نستنشق العرفا
فصفحة هذا الطرس أبدت نعالهم ... وصارت له ظرفًا فيا حسنه ظرفًا
تعالوا نغالى في مديح علائها ... فرُب غلوٍ لم يعب ربه عُرفا
ولله قوم في هوانا تنافسوا ... وقد غرفوا من بحر أمداحها غرفا

1 / 7

وإنا وإن كنا على الكل لم نطق ... نحاول بعض البعض من بعض ما يلفى
لئن قبلوا ألفًا نزد نحن بعدهم ... على الألف ما يستغرق الفرد والألفا
وإن وصفوا واستغرقوا الوصف حسبنا ... نجيل بروض الحسن من وصفهم طرفا
ونقبس من آثارهم قدر وسعنا ... ونركض في مضمار آثارهم طِرْفا
ومن مديحها في سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر، ﷺ:
أُناديك يا خير البرية كلها ... نداء عبيد يرتجى العفو واللطفا
وأين محق في هوى حبك الذي ... يفل جيوش الهم أن أقبلت زحفًا
وما أنا فيه بالذي قال هازلا ... أليلتنا إذ أرسلت واردًا وحفًا
وأشار بهذا إلى قصيدة ابن هانئ الاندلسي، التي تقدمت الإشارة اليها ومطلعها:
أليلتنا إذ أرسلت واردًا وحفًا ... وبتنا نرى الجوزاَء في أذنها شنفًا
وهي مشهورة فلا نطيل بذكرها، وإنما الغرض تبرئة المترجم من الغلط.
وقال أيضا ملغزًا في قوله تعالى (ثم استخرجها من وعاء أخيه) ويخاطب علماء فاس عموما، ويخص العلامة ابن زكري:
شيوخ البيان الذائقين حلاوة ... من العلم لم تطعم لغير ذويه
سلام من الله السلام ورحمة ... يعمانكم من خامل ونويهِ
سؤال غريب دون شنجيط أرضه ... من البعد تيه يتصلن بتيه
إذا شبَّه الهادي بها وجه مرشد ... تشابه في عينيه وجه مُتِيهِ
قِراهُ لديكم أهْل فاس جوابهُ ... بنص بيان في البيان وجيهِ
سما بكمُ علم البيان وحقه ... إذا ما هوى ظن بمختلجيهِ
أسائلكم ما سر إظهار ربنا ... تبارك مجدًا من وعاءِ أخيهِ
فلم يأت عنه منه أو من وعائه ... لأمر دقيق جلّ ثم يخيهِ
فإن تك أسرار المعاني خفية ... فمرآتها أفكار كل نبيهِ
وأنت ابنَ زكريّ نبيهٌ محقق ... تفرَّدْتَ في الدنيا بغير شبيهِ
إذا غصت في بحث حصلت بدره ... وخليت عن سفسافِه ورديهِ

1 / 8

يمدك في إتقان علم تبثه ... قياس أصوليّ ونص فقيهِ
وقاك الذي أبداك كالنجم يتقى ... به الغيَّ من يبغي الهدى ويعيه
وقد أجاب هذا اللغز، محمد بن سعيد اليدالي الديماني، بقصيدة طويلة. قال في الذهب اقتصرنا منها على محل الفائدة وهو:
سؤال بليغ في البيان نبيه ... أديب من أرباب الهدى وذويهِ
عليه مدار العصر في العلم سيما ... علوم المعاني وهو قطب رحيه
سبوق لدى قيد الشوارد راكب ... من الفهم متنيئ لاحق ووجيه
عن السرّ في إتيان ربي بظاهرٍ ... مكان ضمير في وعاء أخيهِ
معَمًّى قد أعيا أهل فاس وغيرهم ... فكنا بحمد الله مفتتحيهِ
وكلَّفني نصحُ البرية فكّهُ ... فأعْظِمْ بما قد كان كلفنيهِ
فقلب وبالله الصَّوَابُ مجاوبًا ... له بقياسِ في الأصول وجيه
ولكنه صعْبُ المدارك معْسِرٌ ... على ضُعفَاءِ الفهم مُنْتَقَصَيه
فهذا بحمد الله إيضاح لُغْزِهِ ... مساوٍ له في بحره ورويهِ
فلو قال فرضًا ربنا من وعائه ... فذالكم بعد التفكرِ فيهِ
يؤدي إلى عود الضميرِ ليوسفٍ ... فيفسد معناه لمختبريه
لأنّ الضميرَ في الصناعة عائد ... لأقرب مذكور هناك يليه
وإن قال منه اختل أيضًا لأنه ... يؤدي لعود مضمر لأخيه
فتنزع منه الصاع لا من وعائه ... وتأنف من ذا نفس كل نزيه
لما في انتزاع من أذىً ومهانةٍ ... ولم يرد الرحمن من ذا بنبيهِ
ونص على هذا السيوطي فهاكه ... بوجه بياني ونص فقيه
ويعرف هذا الذائقون حلاوة ال ... معاني ومن يدري الهدى ويعيه
وفي فضلك اجمع شملنا ربنا كما ... فعلت بيعقوب النبي وبنيهِ
وصل على الهادي وسلم وآله ... وأصحابه طرًّا ومتبعيه

1 / 9

وقائل هذا ابن السعيد محمد ... محبُّ النبيَّ المصطفى وسميه
وله أيضا يشكو حال بعض علماء وقته:
سقى دمن الحي الحيا المتفائض ... وفي وجهه برقٌ من البشرِ وامض
يَصُبُّ عليهنّ المياهَ كأنه ... لما دنّس العصران منهن راحض
معاهد أرآم الأنيس فأصبحت ... وفيها لأرآم الفضاء مرابض
رياض لوى بيض العمائم حزنها ... كما قمِّصَت خضر الملاء الربائض
تذكرنا هاتى بتلك تشابهًا ... يبين فيخفيه الشوى والمآبض
فتلك التي يغذو صناب وناطف ... وهاتى التي يغذو كباث وبارض
أثار الدكارُ العنبرية حبها ... ففاض على الأحشاء والصبر غائض
وليل قضينا فيه للأنس حقهُ ... فتمت بما نهوى الأماني الغوائض
تدوِّم غربان الدجى فتردها ... إلى الجوحيات الشماع النضائض
زمان توانى في المصالح أهله ... وكلهم نحو المفاسد راكض
يقولون خير الدين والعلم سعيهم ... وسعيهمُ للدين والعلم هائض
عجزت فأظهرت القبول كتابع ... عجوزا يصلى خلفها وهي حائض
فلو كنت أرجو الودَّ منهم تواخيًا ... وما منهمُ إلا عدُوٌ مباغِضُ
لكنت كراج للنوافل حفظها ... لدى مَنْ مضاعاتٌ لديه الفرائض
وراج لداءٍ طب من هو مشكل ... عليه مريض الماءِ والمتمارض
كما خض ماء الشنّ جرَّا إتائه ... ومُطّلب عنّاهُ أبلق ماخض
إلى كم وهذا الجور يبرم حكمهُ ... ولم يتعقبه من العدل ناقض
ولم يبق إلا مغمض متباصر ... يخاف أذاه مبصر متغامض

1 / 10