بسم الله الرحمان الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وسلم

سألتني رحمك الله أن أكتب لك كتابا أبين لك فيه أصول الدين التي اختلفت فيها الأمة حتى صاروا طرائق قددا، وأفراقا مختلفة { كل حزب بما لديهم فرحون } (¬1) مستبشرون. وسأكتب لك من ذلك - إن شاء الله- ما لا يعتري معتريه الشكوك ولا يتعذر على المبتدئ حفظه بأبلغ ما حضر لي من البيان، وبالله أبتدئ وبه [التوفيق] (¬2) والتمام. وأقول:

¬__________

(¬1) سورة الروم: 32.

(¬2) + من ر.

Bogga 48

الحمد لله المسهل على عباده (¬1) سبيل ما تعبدهم به، وهو الموفق للصواب والهادي للرشاد، الذي جعل الظلمات والنور { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } (¬2) وأرسل محمدا { بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } (¬3) وأنزل عليه كتابا مبينا، ونورا ساطعا، ولم تبتل الأمة بشيء بعده إلا جعل لهم مخرجا منه، وفرقانا [بينا] (¬4) بين فيه الرد على جميع من خالف الحق من مشرك ومنافق { ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة } (¬5) لئلا يؤتى أحد بشبهة من قبله.

¬__________

(¬1) ب: أوليائه.

(¬2) سورة الأنعام: 01.

(¬3) سورة التوبة: 33.

(¬4) - من ت، ر. وفي ج: وبين.

(¬5) سورة الأنفال: 43.

Bogga 49

وقيل للنبي عليه السلام: من لنا بعدك يا رسول الله ؟ فقال: « تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا [أبدا] (¬1) . كتاب الله (¬2) » وقال: « ستأتي فتنة، ثلاثا » قيل له: " ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال: « كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل (¬3) الله المتين، والنور المسببين، والذكر الحكيم، والصراط /[3] المستقيم. لا تميل به الأهواء، ولا تشبع منه (¬4) العلماء، ولا يخلق من كثرة الرد. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به أفلح، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (¬5) . وإن أولى الناس بالحق من اتبع كتاب الله، وجعل محكمه إماما لمتشابهه (¬6) ، ولم يؤمر عليه القياس وما تهوي الأنفس، كما قال الله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله ابتغاء تأويله } (¬7) . فعيرهم بذلك فجعل محكمه جامعا لفتوى كثيرة من العلم بحكمة الحكيم الأعلى [ وقال: { واعتصموا بحبل الله جميعا } (¬8) ] (¬9) وقال: { واتبعوا النور الذي أنزل معه } (¬10) فأول ذلك وبالله التوفيق، وما عصمتنا إلا بالله، أن أصول الدين عشرة.

الأصل الأول منها

¬__________

(¬1) + من ب.

(¬2) انظر الحديث في مسند الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح)ج1/14. وورد في سنن أبي داود، مناسك، 56. وابن ماجه، مناسك84. والموطأ، قدر،3. وأحمد بن حنبل3، 26.

(¬3) 10) ج: وحبل.

(¬4) 11) ج: به.

(¬5) 12) البخاري: فتن1. إيمان 12. ابن ماجه: فتن9، 16.

(¬6) 13) ت: لمشابهته.

(¬7) 14) سورة آل عمران: 07.

(¬8) 15) سورة آل عمران: 103.

(¬9) 16) ما بين معقوفتين سقط من ج.

(¬10) 17) سورة الأعراف: 157.

Bogga 50

في التوحيد (¬1)

قد اجتمعت الأمة على أن الله واحد (ليس كمثله شيء)، وأنه لا نظير له في بريته. وبذلك الإقرار يخرجون من الشرك وأحكامه ويدخلون في أحكام التوحيد كلها. وقال الله عز وجل في محكم كتابه: { ليس كمثله شيء } (¬2) . وقال: { قل هو الله أحد، الله الصمد. لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد. } (¬3) . وفي قوله ليس كمثله شيء نفي لجميع صفات الحدث والعجز، وهي آية محكمة، ومعناها: ليس شيء كهو. والواحد الذي لا ثاني له (¬4) وهو كلام محكم ينتظم جميع [التوحيد] (¬5) والنفي لجميع صفات المخلوقين، وفيه الرد على جميع من ألحد في صفات الله تعالى. ولا واحد في الحقيقة إلا الله، إذ الواحد من الخلق ينعد مع غيره ويجري عليه العدد، والله لا يجري عليه العدد ولا التبعيض فينعد مع غيره [بخلاف المخلوق] (¬6) . ولم يعلم الله من لم يوحده بصفاته ويفرزها من صفات غيره، ولا يعلم الشيء من لم يعلم حقيقة ما هو به من صفاته.

¬__________

(¬1) من المتفق عليه أن الإباضية والخوارج أصحاب توحيد مثلهم مثل المعتزلة، ولعلهم سبقوا المعتزلة في ذلك. انظر عمار طالبي: آراء الخوارج الكلامية (السابق)، ج1/140. أبو زكرياء الجناوني: قواعد الإسلام، ط1، ج1/33-34. محمد بن يوسف اطفيش: الذهب الخالص، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، طبع المطبعة السلفية بمصر 1343 ه، ص23، وانظر باب في التوحيد، في كتاب شرح الرد على الجهالات، لأبي عمار عبد الكافي، نسخة مرقونة بتحقيقنا ص160 وما بعدها.

(¬2) سورة الشورى: 11.

(¬3) سورة الإخلاص: 1-4.

(¬4) في ج، م، ب: معه.

(¬5) من ج.

(¬6) + من ج.

Bogga 51

ومعنى الصمد:السيد الذي قد انتهى في السؤدد (¬1) . والذي يصمد إليه الخلائق/[4] في حوائجهم. ولم يكن له كفؤا أحد: لم يكن له أحد كفؤا. والكفء: الند، والنظير. تعالى الله على (¬2) الأنداد علوا كبيرا، ولهذا شواهد ودلائل في لغة العرب تركتها لئلا يطول بها الكتاب (¬3) . وقيل في معنى الواحد: إنه واحد في الخلق والإرسال والإنزال، لا واحد يفعل مثل فعله، ولا شريك له فيه - عز وجل عن ذلك - ورد هذه الآيات وآيات كثيرة من كتاب الله وما أجمعوا عليه، من زعم أن الله جسم وصورة على كثرة اختلافهم، وذلك أن منهم من زعم أنه نور يضيء من جميع الجهات. ومنهم من زعم [أنه] (¬4) على صورة آدم، ومنهم من زعم أنه جسم ونفى عنه صفة الأجسام. وكلهم يدعي الرؤية (¬5) والاستواء (¬6)

¬__________

(¬1) م. تزيد بعدها: خلقه.

(¬2) ج، ب: عن.

(¬3) 7*) انظر مادة: (صمد وكفي) في لسان العرب.

(¬4) + من ج، م. وفي ب: أنه جسم.

(¬5) إن جمهور الإباضية ينفون رؤية الله تعالى يوم القيامة، فهم ينزهون الله عن أن يكون جسما مرئيا، فهم يقولون: أن الله لا يرى في الدنيا ولا تمكن رؤيته في الآخرة مثل كذا وكذا فمثله بشيء من خلقه، أو حد له مكانا دون مكان، أو وصفه بنهاية أو أطراف فهو مشرك عندهم، (انظر في آخر هذا الكتاب " مسألة في الرؤية " ص175. وفي جميع كتب الإباضية).

(¬6) 10) هي من قوله تعالى { الرحمان على العرش استوى } أي استوى أمره وقدرته فوق بريته. وقال الحسن: ارتفع ذكره وثناؤه ومجده على خلقه. ولا يوصف الله تبارك وتعالى بزوال من مكان إلى مكان. وفي قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } أي استوى أمره وقدرته إلى السماء. وقوله تعالى: { ثم استوى على العرش } يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، ولا يوصف الله بصفات الخلق ولا يقع عليه الوصف كما يقع على الخلق..انظر، الجامع الصحيح (مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي) بترتيب أبي يعقوب الورجلاني، طبعة مكتبة الاستقامة سلطنة عمان، سنة 1388ه.ج2/238-239.

Bogga 52

على المعقول، وكلهم رادون لمحكم كتاب الله، لأن الجسم (¬1) وما يوصف بصفاته هو المنعد المؤلف الأجزاء الذي لا ينفك من ست جهات: أمام وخلف، ويمين وشمال، وتحت وفوق، وملاصق (لشيء) (¬2) ، ومباين للآخر. ولا بد له من مكان يحويه وقرار يستقر فيه. وهذه معاني الجسم وصفاته من الطبيعة التي لا تزايله إلا بذهابه، وهي تدل على حدثه وحاجته إلى محدث. وإلا بطلت الدلائل والنظائر.

¬__________

(¬1) 11) حقيقة الجسم عند البرادي (الإباضي): هو المنقسم على أصول القوم، وهو المتحيز على أصول الإباضية. ولا فرق بينه وبين الجوهر عندهم. والمتحيز عند الإباضية منقسم وبيان ذلك أن الجهة الموالية الشرق غير الجهة الموالية الغرب، وذلك في سائر الجهات، ولا يتقرر عندهم متحيز غير منقسم وإن صغر ودق. انظر كتاب " الحقائق " للبرادي ضمن مجموع به خمس رسائل، ص34.

(¬2) 12) - من م.

Bogga 53

وأي شيء يتقون به ويحتجون [على الدهرية] (¬1) المبطلة الذين أثبتوا قدم الجواهر على كثرة الأدلة على (¬2) حدثها من أن الجسم لا ينفك عن أعراض تحله وتتداول عليه لا يسبقها ولا يتخلف عنها، فما لم يسبق الحدث فحدث (¬3) مثله، وما لا يتخلف (¬4) ولا يبقى بعد الفاني ففان مثله. وقالوا: إنما زعمنا أن الله جسم ونور كما زعمتم أنه شيء وموجود وحي وفاعل، والحي الفاعل لا يكون إلا جسما فيما شهدنا - زعموا - قلنا لهم وبالله التوفيق: إن الله تبارك وتعالى أخبر عن/[5] نفسه أنه حي فاعل وأنه شيء موجود ولم يخبر في شيء من أخباره أنه جسم ولا صورة كما زعمتم، بل أخبر أنه ليس بجسم ونفى عن نفسه الجسمانية في قوله: { ليس كمثله شيء } . وقوله: { هل تعلم له سميا } (¬5) وقوله: { وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } (¬6) وقوله: { وهو معكم أينما كنتم } (¬7) وقوله: { ونحن أقرب إليه منكم } (¬8) و { أقرب إليه من حبل الوريد } (¬9) وقوله: { وما كنا غائبين } (¬10) ومثل هذا من كتاب الله كثير مما يدل [على] (¬11)

¬__________

(¬1) 13) + من ب، ج، م. وهذه الكلمة مأخوذة من الآية: { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر } (الجاثية: 24)، وتطلق كلمة الدهرية على أولئك الذين أنكروا الاعتقاد بوجود الله وأنكروا خلق العالم والعناية الإلهية، ولم يسلموا بما جاءت به الأديان الحقة، وقالوا بقدم الدهر، وأن المادة لا تفنى. انظر، الملل والنحل للشهرستاني، ج2/113. وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار(السابق)،ص124.

(¬2) 14) م، ح، ر: في.

(¬3) 15) ج، م، ح: فحادث.

(¬4) 16) ت: يختلف.

(¬5) 17) سورة مريم: 65.

(¬6) 18) سورة الأنعام: 03.

(¬7) 19) سورة الحديد: 04. وجاء في جميع النسخ: { وهو معكم أينما كانوا } وهذا ليس بقرآن كريم.

(¬8) 20) سورة الواقعة: 85.

(¬9) 21) سورة ق: 16.

(¬10) 22) سورة الأعراف: 07.

(¬11) 23) + من ج..

Bogga 54

أن الله ليس بجسم، مع أنا إذا قلنا: حي فاعل، عالم، قادر: فهذه صفات المدح قد نفت عنه صفات الذم والنقص، لأن من (¬1) ليس بحي فهو ميت، ومن ليس بقادر فهو عاجز ومن ليس بعالم فهو جاهل. ومن ليس بشيء ولا موجود فهو عدم وبطلان (¬2) ، لأنك إذا قلت ليس بشيء أبطلت. وإذا قلت ليس بجسم لم تنف إلا جسما مخصوصا، وصنفا مشهورا عاجزا محتاجا كما وصفنا.

¬__________

(¬1) 24) - من م.

(¬2) 25) في ت: معدوم وبصلا، وما هو مثبت من بقية النسخ.

Bogga 55

ومعنى حي أنه لا يجري [عليه] (¬1) الموت، ولا يكون في صفات الأموات. وفاعل وسميع أي قادر لا يجري عليه العجز ولا يشبه العاجزين، وكذلك في عالم وسميع وبصير، وجميع ذكر الأسماء والصفات العلى والأسماء الحسنى. وإن اتفقت الألفاظ لم تتفق المعاني، ولا يشبه الخلائق خالقها بوجه من الوجوه ولا بمعنى من المعاني، ولا في صفة ولا في ذات ولا فعل، إذ يفعلون بعلاج ومئونة ومباشرة، والله فاعل لا بعلاج ولا مئونة ولا بحركة وسكون. { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } (¬2) قول فعل لا قول مخاطبة. ولم يعلم الله بكنه صفته ويفرزه (¬3) بحقيقة التوحيد من لم يفرز صفته من/[6] صفات (¬4) المخلوقين، ويعلم أنه لم يزل كما ذكرنا.

¬__________

(¬1) 26) + من ب، م، ج.

(¬2) 27) سورة يس: 82.

(¬3) 28) هو فعل فرز فرزا، وفرزت الشيء وأفرزته إذا قسمته. والفرز: النصيب المفروز لصاحبه، واحدا كان أو إثنين. وفرزه يفرزه فرزا , وأفرزه: مازه. وقال الجوهري: الفرز مصدر قولك فرزت الشيء أفرزه إذا عزلته عن غيره ومزته، والقطعة منه فرزة (بالكسر) وفارز فلان شريكه أي فاصله وقاطعه. قال بعض أهل اللغة: الفرز قريب من الفرز: تقول: فرزت الشيء من الشيء أي فصلته. انظر في هذا مادة فرز في لسان العرب لابن منظور: ج5/391. ومتكلمي الإباضية كثيرا ما يذكرون قضية الفرز بين الأشياء مثلا: الفرز بين اللمم والكبائر وبين الإنس والجن وبين الإنسان والملائكة وبين التوحيد والإيمان، وبين المعصية والكفر أو الكفر والشرك، إلخ... أنظر مثلا: كتاب شرح الرد على الجهالات لأبي عمار عبد الكافي الإباضي بتحقيقنا، ص193-194. و ص218-219.

(¬4) 29) ج: صلاة.

Bogga 56

والدليل على صواب ما ذكرنا أنهم مجمعون على أن من وصف الله بصفته على ما هو به فهو موحد، وذلك الوصف منه توحيد، فكيف يكون توحيدا وموحدا من لم يفرزه من صفات خلقه ؟ وأن الله إنما خاطب الخلق بما يفهمون من لغاتهم كما قال { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } الآية (¬1) فبين لهم في قوله: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } (¬2) أن يؤمنوا بغيب الإيمان، ويصدقوا بما لا تقدره عقولهم، ولا تمثله أفكارهم لأن العقول، لا تدرك إلا ما أدت إليه الحواس أو مثله، أو ما علموا بالدلالة والقياس على (¬3) ذلك. وفي دلالة الأنبياء عليهم الصلاة (¬4) والسلام بيان شاف وحجة بالغة على من ألحد في صفات الله تعالى حين استشهدوا على قومهم، واحتجوا عليهم بخلقه، ولم يمثلوه بغيره، ولم يصفوه بصفة خلقه. وقال إبراهيم عليه السلام إذ حاجه الكافر: { ربي الذي يحي ويميت } (¬5) قال الكافر: { أنا أحي وأميت } (¬6) ولو أراد إبراهيم (¬7) أن يحتج عليه في ذلك لاحتج ولكن أراد (¬8) حجة لا يجد عنها محيدا فقال: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } (¬9) إذ أتى بآية لا يقدر البشر أن يأتي بها. ولو أن أحدا يفعل مثل أفعال الله تعالى لأشبهه، لأن في اشتباه الفعلين اشتباه الفاعلين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

¬__________

(¬1) 30) سورة إبراهيم: 04.

(¬2) 31) سورة الشورى: 11.

(¬3) 32) ج: عن.

(¬4) 33) + من ج.

(¬5) 34) سورة البقرة: 258.

(¬6) 35) سورة البقرة: 258.

(¬7) 36) ج: الخليل.

(¬8) 37) ج، م: زاد.

(¬9) 38) سورة البقرة: 258.

Bogga 57