Udaba Carab Fi Jahiliyya Wa Sadr Islam
أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام
Noocyada
لم يسلم زهير بن أبي سلمى من الخلاف في نسبه، شأنه شأن غيره من شعراء الجاهلية كالنابغة والحطيئة والشنفرى وسواهم. فقد جعله ابن قتيبة في غطفان، مع أن ابن الأعرابي وابن الكلبي وأبا الفرج الأصفهاني وغيرهم يردونه إلى مزينة ويقولون إنه نزل أرض غطفان وتزوج منهم، وأقام فيهم. وحجة ابن قتيبة في دفع نسبه عن مزينة أنه ليس له أو لأبنائه شعر ينتمون به إليها إلا بيت كعب بن زهير، وهو قوله:
هم الأصل مني حيث كنت وإنني
من المزنيين المصفين بالكرم
وكان مزرد بن ضرار الغطفاني قد دفع نسب كعب في غطفان، ورده إلى مزينة، فلم ينكر كعب عليه زعمه بل أثبت بهذا الشعر أنه منها. ويشرح ابن سلام ذلك بقوله: «وقد كانت العرب تفعل ذلك، لا يعزى الرجل إلى قبيلة غير التي هو منها إلا قال: أنا من الذين عنيت.» فيستدل من كلامه أنه يشك في مزنية كعب. ويقول أيضا: «وكان أبو سلمى وأهل بيته في بني عبد الله بن غطفان، فبهم يعرفون، وإليهم ينسبون.» ثم يقول: «ولقد أخبرني بعض أهل العلم من غطفان أنهم من بني عبد الله بن غطفان، وأن اعتزاءه إلى مزينة كقول هؤلاء، وأما العامة فهو عندهم مزني.»
فانتماء كعب إلى مزينة، بحسب هذه الرواية، كانتماء العرب الذين ينسبون إلى قبائل غريبة، فيقولون: «أنا من الذين عنيت.» ولكن ابن سلام، مع ما ألقى من الشك على مزنية زهير، لم يسعه إلا أن يجاري العامة عند ذكر نسبه، فجعله من المزنيين، ونرى أن رواية الغطفاني لا تسلم من الجرح، فليس من الغريب أن تدعي غطفان شاعرا مشهورا كزهير عاش مجاورا لها يمدح ساداتها ويدافع عنها أصدق دفاع. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «وكانت محلتهم في بلاد غطفان، فيظن الناس أنه من غطفان، أغني زهيرا، وهو غلط.»
ولم يصل إلينا شعر كثير عن كعب، ولا عن غيره من ولد زهير وحفدائه لنجد في أقوالهم ما يدل على نسبهم سوى هذا البيت لكعب، وبيت آخر لأخيه بجير يقول فيه: «وألف من بني عثمان واف.» والمراد عثمان بن مزينة. رواه ابن سلام وقال: «وقد يجوز أن يكون يعني غير قومه من المزنيين.» ولعل اختلاطهم بغطفان في السكنى والزواج هو الذي صرفهم عن التفاخر بمزينة كما صرف والدهم زهيرا من قبل، فإن أشعاره - على كثرتها بالإضافة إلى أشعارهم - لا تهدي راويتها إلى أصله ونسبه، بل نجدها تشتمل على مناقب مرة ومآثر غطفان، يمدح ساداتهم وفرسانهم، ويرد على أعدائهم منافحا عنهم. وكان والده أبو سلمى ربيعة هجر قبيلته واجدا عليها، وأقام في غطفان متزوجا إليها، فنشأ الابن فيهم تعطفه الخئولة من ذبيان، ولا تهزه العمومة من مزينة، فعاش بينهم وأصهر إليهم وخص شعره بهم، حتى شك ابن سلام في مزنيته، وجزم ابن قتيبة، فجعله من غطفان.
ولم يجتمع لشاعر في الجاهلية حظ من الشعر كما اجتمع لزهير. فقد كان أبوه ربيعة شاعرا، وخاله بشامة بن الغدير الغطفاني شاعرا، وأختاه سلمى والخنساء
47
شاعرتين، وابناه كعب وبجير شاعرين، وحفيده عقبة بن كعب الملقب بالمضرب شاعرا، وابن حفيده العوام بن عقبة شاعرا. وكان زوج أمه أوس بن حجر شاعرا مشهورا فروى له زهير ونظم الشعر ففاقه، وأخمل ذكره.
وأقام زهير في بني مرة مكرما مسموع الكلمة. وكثر ماله وتزوج امرأة تكنى أم أوفى، ثم جمع بينها وبين ضرة يقال لها كبشة بنت عمار من غطفان، فولدت له كعبا وبجيرا. فغارت أم أوفى منها لأن أولادها ماتوا، وأخذت تسيء إلى زهير حتى طلقها. ثم ندم وأخذ يذكرها في شعره كلما خطرت له في بال.
Bog aan la aqoon