475

واعلم - كما أسلفت لك - أن الدعاوى مشتركة بين جميع الفرق، وكلهم يدعي أنه أولى بالحق، وأن ساداته وكبراءه أولوا الطاعة، وأهل السنة والجماعة، ومن المعلوم أنه لا يقبل قول إلا ببرهان، كما وضح به البيان من أدلة الألباب، ومحكم السنة والكتاب، وقد علم الله تعالى وهو بكل شيء عليهم أنا لم نبن أمرنا كله إلا على الإنصاف والتسليم لحكم الرب الجليل، بمقتضى الدليل: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم:30].

وأقول: قسما بالله العلي الكبير، قسما يعلم صدقه العليم الخبير أن لا غرض ولا هوى لنا غير النزول عند حكم الله، والوقوف على مقتضى أمره، وأنا لو علمنا الحق في جانب أقصى الخلق من عربي أو عجمي أو قرشي أو حبشي لقبلناه منه، وتقبلناه عنه، ولما أنفنا من اتباعه، ولكنا من أعوانه عليه وأتباعه، فليقل الناظر ما شاء ولا يراقب إلا ربه، ولا يخشى إلا ذنبه، فالحكم الله والموعد القيامة، وإلى الله ترجع الأمور.

هذا، وأنت أيها الناظر لدينه الناصح لنفسه، الباحث في كتاب ربه وسنة نبيه، إذا أخلصت النظر في الدليل، ومحضت الفكر لمعرفة السبيل، واقتفيت حجج الله وبيناته، واهتديت بهدي الله ونير آياته، علمت أنها لم تقم الشهادة العادلة من كتاب رب العالمين، وسنة الرسول الأمين، بإجماع جميع المختلفين، لطائفة على التعيين، ولا لفرقة معلومة من المسلمين إلا لأهل بيت الرسول، وعترته وورثته صلوات الله عليهم، فقد علم في حقهم ما وضحت به الحجة على ذوي الأبصار، واشتهر اشتهار الشمس رابعة النهار، وامتلأت به دواوين الإسلام، وشهد به الخاص والعام من الأنام، ونطقت به ألسنة المعاندين، وأخرج الله به الحق من أفواه الجاحدين، لإقامة حجته، وإبانة محجته، على كافة بريته {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} [الأنفال:42].

Bogga 485