Daawada Nabiga
الطب النبوي لابن القيم - الفكر
Daabacaha
دار الهلال
Lambarka Daabacaadda
-
Goobta Daabacaadda
بيروت
وَفِي كَوْنِهَا سَبْعًا خَاصِّيَّةٌ أُخْرَى، تُدْرَكُ بِالْوَحْيِ، وفي «الصحيحين» من حديث عامر ابن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ لم يمرّه ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ» .
وَفِي لَفْظٍ: مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ سَمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ» «١» .
وَالتَّمْرُ حَارٌّ فِي الثَّانِيَةِ، يَابِسٌ فِي الْأُولَى. وَقِيلَ: رَطْبٌ فِيهَا. وَقِيلَ: مُعْتَدِلٌ، وَهُوَ غِذَاءٌ فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصِّحَّةِ لَا سِيَّمَا لِمَنِ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَغْذِيَةِ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ وَالْحَارَّةِ الَّتِي حَرَارَتُهَا فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ لَهُمْ أَنْفَعُ مِنْهُ لِأَهْلِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، لِبُرُودَةِ بَوَاطِنِ سُكَّانِهَا، وَحَرَارَةِ بَوَاطِنِ سُكَّانِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَلِذَلِكَ يُكْثِرُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالطَّائِفِ، وَمَا يَلِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ الْمُشَابِهَةِ لَهَا مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْحَارَّةِ مَا لَا يَتَأَتَّى لِغَيْرِهِمْ، كَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ، وَشَاهَدْنَاهُمْ يَضَعُونَ فِي أَطْعِمَتِهِمْ مِنَ الْفُلْفُلِ وَالزَّنْجَبِيلِ فَوْقَ مَا يصنعه غَيْرُهُمْ نَحْوَ عَشَرَةِ أَضْعَافٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَأْكُلُونَ الزَّنْجَبِيلَ كَمَا يَأْكُلُ غَيْرُهُمُ الْحَلْوَى، وَلَقَدْ شَاهَدْتُ مَنْ يَتَنَقَّلُ بِهِ مِنْهُمْ كَمَا يَتَنَقَّلُ بِالنَّقْلِ، وَيُوَافِقُهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّهُمْ لِبُرُودَةِ أَجْوَافِهِمْ وَخُرُوجِ الْحَرَارَةِ إِلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ، كَمَا تُشَاهَدُ مِيَاهُ الْآبَارِ تَبْرُدُ فِي الصَّيْفِ، وَتَسْخَنُ فِي الشِّتَاءِ، وَكَذَلِكَ تُنْضِجُ الْمَعِدَةُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْغَلِيظَةِ فِي الشِّتَاءِ مَا لَا تُنْضِجُهُ فِي الصَّيْفِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَالتَّمْرُ لَهُمْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ لِغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قُوتُهُمْ وَمَادَّتُهُمْ، وَتَمْرُ الْعَالِيَةِ مِنْ أَجْوَدِ أَصْنَافِ تَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ مَتِينُ الْجِسْمِ، لَذِيذُ الطَّعْمِ، صَادِقُ الْحَلَاوَةِ، وَالتَّمْرُ يَدْخُلُ فِي الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، وَهُوَ يُوَافِقُ أَكْثَرَ لأبدان، مُقَوٍّ لِلْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ، وَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الْفَضَلَاتِ الرَّدِيئَةِ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، بَلْ يَمْنَعُ لِمَنِ اعْتَادَهُ مِنْ تَعَفُّنِ الْأَخْلَاطِ وَفَسَادِهَا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْأَمْكِنَةِ اخْتِصَاصًا بِنَفْعِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ غيره، فيكون الدواء الذي يَنْبُتُ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَافِعًا مِنَ الدَّاءِ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ النَّفْعُ إِذَا نَبَتَ فِي مَكَانٍ غَيْرِهِ لِتَأْثِيرِ نَفْسِ التُّرْبَةِ أَوِ الهواء، أو هما جميعا فإن للأرض
_________
(١) أخرجه الإمام البخاري في الأطعمة، ومسلم في الأشربة والإمام أحمد وأبو داود.
1 / 73