Dhaqankeenna Waajahaya Casriga
ثقافتنا في مواجهة العصر
Noocyada
وإننا لندخل في مبحث طويل ، إذا طفقنا نعدد الجوانب الإنسانية التي يمكن لعلماء الطبيعة أن يحققوها، فضلا عن أنهم يهيئون «للإنسان» بيئة أصلح لعيشه، فهم في كل جهد يبذلونه إنما يستهدفون قيمة من القيم الإنسانية العليا، ألا وهي قيمة «الحق»؛ إذ يكشفون عن حقيقة العالم وأسراره.
العلوم الإنسانية علوم، والعلوم الطبيعية علوم؛ هذه تدرس البيئة، وتلك تدرس موضع الإنسان من تلك البيئة مكانا وزمانا؛ فهل نعيش لنرى يوما يفيق الإنسان إلى وحدته مع بيئته فتتدخل المجموعتان من العلوم في جهد بشري واحد، لا يكون فيه عالم للطبيعة جاهلا بتاريخ الإنسانية وأهدافها، ولا يكون فيه دارس للإنسان جاهلا بالبيئة الطبيعية التي يسكنها الإنسان؟!
الإعلاء من شأن الإنسان غاية متفق عليها، لكننا قد أخطأنا في سبيل تحقيقها خطأين؛ وقع أحدهما في ثلاثينيات هذا القرن حين ظننا أن ذلك لا يكون إلا إذا سلكنا السبيل نفسها التي سلكتها أوروبا في قرون نهضتها من عودة إلى تراث اليونان والرومان ففاتنا أن المهم هو رجوع الأمة المعينة إلى تراثها لتصل حاضرها بماضيها، ولكل أمة تراث. وأما الخطأ الثاني فنحن اليوم في سبيل الوقوع فيه، وهو التفرقة غير المشروعة بين علوم وعلوم، بحيث تفوتنا الوحدة التي يجب أن تتسق بها جوانب الإنسان كائنا واحدا، فيه العاطفة التي تميل نحو أهداف، وفيه العقل الذي يرسم مراحل السير مسددة نحو أهدافه.
سارتر في حياتنا الثقافية
1
عندما كتبت منذ بضع سنوات عن الفكر الفلسفي في بلادنا، ورددت نشاطنا في هذا الميدان إلى محورين، هما «العقل والحرية»، وقلت إنه إذا كان أسلافنا من فلاسفة العرب قد أداروا أعمالهم الفلسفية حول محاولة التوفيق بين «العقل» و«النقل»، فنحن أبناء اليوم - في محاولة شبيهة بتلك - نسعى إلى الجمع في خط واحد بين «التعقيل» و«التحرر»: التعقيل الذي نتخلص به من أوهام الخرافة وأخلاط الجهل وغيبوبة الدراويش، والتحرر الذي ننطلق به من أغلال المستعمر الأجنبي واستبداد الحاكم الداخلي؛ أقول أنني عندما كتبت هذا منذ بضع سنوات، لم أكن قد التفت إلى العلاقة الوثيقة بين هذا الموقف الفكري من جهة، وما جاء جان بول سارتر ليدعو إليه، دعوة تحمل التعبير القوي العميق الصادق عن روح العصر كله من بعض نواحيه.
فلما أن توجهت بفكري إلى هذا الضيف الكبير؛ إذ هو في زيارتنا هذه الأيام (مارس 1967م) بدعوة من جريدة الأهرام، تبين لي في جلاء هذه العلاقة القوية بين ما نحن جاهدون في سبيله، وما يدعو إليه الفيلسوف الفرنسي؛ ما لم يدع أمامي موضعا لتساؤل عن سر الجاذبية العقلية الشديدة التي قربت سارتر من جماعة المثقفين على اختلاف درجاتهم في هذه البلاد، وليس يعني هذا أن فكرنا نسخة من فكره؛ إذ يكفي أن نقول إن وجهتنا الفكرية قد بدأت أوائلها منذ منتصف القرن الماضي، وأخذت تتجمع قواها على مر السنين وعلى أيدي قادة الفكر منا، رائدا بعد رائد؛ يضاف إلى ذلك أن جانبا أساسيا من نظرة سارتر - وهو الجانب الخاص بفكرته عن الله - لم يكن - ولن يكون - جزءا من بنائنا الفكري؛ لكن الذي أعنيه هو أننا إذ نفكر في ظروفنا وفي عصرنا، نجد روح الفكرة عندنا متسقة في نواح رئيسية منها مع روح الدعوة التي يدعو إليها سارتر.
وإنك لتجد في حياتنا الفكرية ضروبا من النشاط، قد يخيل إليك أنها أشتات متناثرة لا وحدة بينها ولا رباط، لكنك ما إن تنظر إليها على ضوء مبدأ شامل ومحور جامع، حتى تجدها قد تجمعت وكأنما هي خطوات سائر واحد على طريق واحد، يسير نحو هدف محدد مقصود؛ فها هم أولاء أفراد بارزون من جماعة المثقفين في بلادنا، قد عنوا عناية خاصة بالوجودية بصفة عامة، وبوجودية جان بول سارتر بصفة خاصة، ينقلون عنها النصوص ويعلقون عليها بالبحوث، فنظن للوهلة الأولى أنها اهتمامات فردية خاصة لا تندمج ولا تتلاحم مع تيارنا الفكري العام، على حين أنها جهود تقع في صميم الصميم من ذلك التيار، ما دامت الروح السائدة فيه هي - كما كنت قد أوضحت في المناسبة التي أشرت إليها في أول هذا الحديث - نفسها الروح التي تسود العصر كله، والتي كان الفلاسفة الوجوديون بغير شك من أفصح الألسنة التي نطقت بالتعبير عنها.
وفي طليعة الطليعة ممن توجهوا بجهودهم في هذا الاتجاه الدكتور عبد الرحمن بدوي، الذي أثرى حياتنا الفكرية بنتاجه الخصب الغزير، فلم يكفه أن يخرج لنا في الأربعينيات الأولى فلسفة وجودية تدعو إلى الحرية العقلية وحرية الفعل دعوة قوية صريحة، بل طفق منذ ذلك الحين يلفت أنظارنا إلى المعالم الرئيسية في وجودية الفلاسفة الآخرين من رجال الغرب الحديث، ومن العرب الأقدمين، على السواء؛ ونخص بالذكر من جهوده العظيمة هذه آخر أعماله في هذا السبيل، وهو عمل ضخم كان وحده يكفي أن يكون ثمرة حياة نشيطة، وأعني به ترجمته لكتاب سارتر «الوجود والعدم»، وكأنما أراد الدكتور بدوي أن يقول لنا - بهذا العمل المضني - إذا أردتم أن تربطوا تياركم الفكري بتيار العصر كله؛ فلا يكون ذلك بالثرثرة الخفيفة المخطوفة الخاطفة، التي تجمع حبة من هنا وحبة من هناك، وإنما يكون بالرجوع إلى الأسس والأصول، وهاكم مني هذا الأصل والأساس.
ومن أهم النقول السارترية قبل ذاك، كانت الترجمة العربية التي أداها خير أداء الدكتور محمد غنيمي هلال لكتاب سارتر «ما الأدب؟» أو إن شئت دقة فهو - وإن يكن قد حمل هذا العنوان نفسه في أصله الفرنسي - ليس في أصله كتابا قائما بذاته، إنما هو الجزء الأكبر من المجلد الثاني من كتاب سارتر الذي عنوانه «مواقف»، والذي ظهر في عدة مجلدات. وأهمية هذا الكتاب في حياتنا الفكرية عظيمة، وحسبك أن تعلم أنه أدق وأوفى عرض لفكرة الأدب الملتزم؛ فما أكثر ما نتبادل الحديث عن التزام الأديب في مرحلتنا الاجتماعية والسياسية الراهنة! ولكن ما أقل ما يتسم حديثنا عنه بالدقة التي تحدده، مما عساه أن يؤدي إلى خلط واضطراب.
Bog aan la aqoon