Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عن حالة من ركب سفينة الشريعة بقوله: { وقيل يأرض ابلعي مآءك } [هود: 44] ماء شهواتها، { ويسمآء } [هود: 44] الفضاء، { أقلعي } [هود: 44] عن إنزال مطر الآفات، { وغيض المآء } [هود: 44] أي: ماء الفتن أي: نقض ظلمتها بنور الشرع وسكنت سورتها، { وقضي الأمر } [هود: 44] أي: انقضى ما كان مقدار من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، { واستوت } [هود: 44] أي: سفينة الشريعة، { على الجودي } [هود: 44] وهو مقام التمكين يعني: أيام الطوفان كانت مقام التكوين في معرض الآفات والهلاك، فلما مضت تلك الأيام إلى الأمر إلى مقام التمكن وفيه النجاة والثبات ونيل الدرجات، { وقيل بعدا } [هود: 44] أي: فرقة وهلاكا، { للقوم الظالمين } [هود: 44] الذين ظلموا أنفسهم بالتقاعد عن ركوب الشريعة.
[11.45-49]
ثم أخبر عن آفة الطبيعة مع أهل الشريعة بقوله تعالى: { ونادى نوح } [هود: 45] أي: نوح الروح، { ربه فقال رب إن ابني } [هود: 45] أي: النفس المتولدة من ازدواج الروح والقالب، { من أهلي وإن وعدك الحق } [هود: 45] وذلك أن الله تعالى لما أراد بحكمته أن ينزل الأرواح المقدسة العلوية من أعلى عليين جواره، وقربه إلى أسفل سافلين القلب قالت أرواح الأنبياء والأولياء وخواص المؤمنين: يا ربنا وإلهنا تنزلنا من أعلى مقامات قربك إلى أسفل دركات بعدك، ومن عالم البقاء إلى عالم الفناء، ومن دار السرور واللقاء إلى دار الحزن والبلاء، ومن منزل التجرد والتواصل إلى منزل التوالد والتناسل، ومن رتبة الاصطفاء والاجتباء إلى مرتبة الاجتهاد والابتلاء، فوهبهم الله من عواطف إحسانه بأن ينجيهم وأهليهم من ورطات الهلاك، فكان من قضية حكمته أن يكون لنوح عليه السلام أربعة بنين: ثلاثة منهم مؤمنون وواحد كافر، فكذلك حكم أن يكون للروح أربعة بنين: ثلاثة منهم مؤمنون وهم: القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس، فكما كان ثلاثة من بني نوح معه في السفينة، وكان واحد في معزل منه، فكذلك ثلاثة من بني الروح معه كانوا معه في سفينة الشريعة وكان واحد وهو كافر النفس في معزل منه من الدين والشريعة، فلما أشرف ولده الكافر على الغرق في بحر الدنيا وطوفان الآخرة.
{ رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين } [هود: 45] يعني: فإن أنجيته أو أغرقته أنت أعدل العادلين فيما تفعل؛ لأنك حكيم وأحكم الحكماء لا تخلو أفعالك من حكمة وعدل أنت أعلم بها.
{ قال } [هود: 46] أي: الرب تعالى للروح، { ينوح إنه ليس من أهلك } [هود: 46] أي: من أهل دينك وملتك والأهلية على نوعين: أهلية القرابة والدين وما نفى أهلية القرابة لتولدها من الروح ثم أظهر علة نفي الأهلية الدينية فقال: { إنه عمل غير صالح } [هود: 46] أي: خلق الأمارية بالسوء وهذه سيرتها أبدا، ثم أدب الروح آداب أهل القربة فقال: { فلا تسئلن ما ليس لك به علم } [هود: 46] أي: علم حقيقي بأن يجوز أهل القربة على بساط القرب هذا الانبساط { إني أعظك } [هود: 46] يا روح القدس { أن تكون } [هود: 46] أي: على البساط بهذا الانبساط.
{ من الجاهلين } أي: من النفوس الجاهلة الظالمة، وفيه إشارة إلى أن الروح العالم العلوي يصير بمتابعة النفس وهواها جاهلا سفلي الطبع دنيء الهمة، { قال } [هود: 47] أي: الروح { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } [هود: 47] من التماس نجاة النفس الممتحنة بآفات الدنيا وشهواتها من طوفان الفتن، { وإلا تغفر لي } [هود: 47] تؤدبني بأنوار المغفرة { وترحمني } [هود: 47] على عجزي عن الاهتداء بغير هداك { أكن من الخاسرين } [هود: 47] يشير إلى الرحمة وهي المانعة للروح من الخسران.
{ قيل ينوح } [هود: 48] أي: نوح الروح، { اهبط } [هود: 48] إنزل من سفينة الشريعة وتحمل تكاليفها عند مفارقة الجسد وخلاص طوفان النفس، { بسلام منا وبركات عليك } [هود: 48] السلام: هو النجاة، والبركات: هي الدرجات، { وعلى أمم ممن معك } [هود: 48] في سفينة الشريعة من القلب والسر والنفس والعقل، { وأمم } [هود: 48] أي: النفوس التي لم تكن مع الروح في سفينة الشريعة، { سنمتعهم } [هود: 48] من الحظوظ النفسانية الدنيوية، { ثم يمسهم منا } [هود: 48] من بعدنا، { عذاب أليم } [هود: 48] تمنعها من الحظوظ، وتمرنها على الانقياد.
ثم أخبر أن هذه الإشارات في تربية الروح والنفس في بيان حالها وفساد أمرها أمور غيبية فقال: { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك } [هود: 49] يا محمد، { ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا } [هود: 49] أي: من قبل أن أشرنا بها إليك وعلمناكها، { فاصبر } [هود: 49] على تربية الروح والنفس على ما أشرنا به إليك، { إن العاقبة } [هود: 49] أي: الخاتمة الحسنة، { للمتقين } [هود: 49] لمن اتقى عن طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى بسفينة الشريعة عن تشييد هذه القاعدة.
[11.50-53]
وتأكيد هذه الفائدة بقوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } [هود: 50] القصة، { وإلى عاد أخاهم هودا } [هود: 50] يشير بهود إلى القلب، وبعاد إلى النفس وصفاتها، فإن القلب أخو عاد النفس؛ لأنها قد تولد من ازدواج الروح والقالب، والمعنى : إنا أرسلنا هود القلب إلى عاد النفس كما أرسلنا نوح الروح إلى قومه، وبهذا المعنى يشير إلى أن القلب قابل لفيض الحق تعالى، كما أن الروح قابل لفيضه.
Bog aan la aqoon