Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[البقرة: 171]، وإن شاء جعل الأجسام بوصف الأرواح تنطق وتسمع، وتبصر وتعقل؛ ولهذا قال: { وهو خلقكم أول مرة } [فصلت: 21]؛ يعني: خلق الأرواح بوصفها حين خلقها { وإليه ترجعون } [فصلت: 21] كما يشاء بوصف الأرواح أم بوصف الأجسام، { وما كنتم تستترون } [فصلت: 22]؛ لأنه لم يكن في حسابكم ما استقبلتم { أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } [فصلت: 22]؛ لأنها كانت أجساما صامتة غير ناطقة، وبقوله: { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } [فصلت: 22] يشير إلى معتقد الفلاسفة الزنادقة أنهم يعتقدون أن الله لا يكون عالم الجزيئات، فرد عليهم بقوله: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } [فصلت: 23] أهلككم { فأصبحتم من الخاسرين } [فصلت: 23] الذين خسروا على بذرا لأرواحهم في أرض أجسادهم بأن لم يصل إليه ماء الإيمان والعمل الصالح، ففسد حتى صار بوصف الأجساد
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171]، كما قال:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3] { فإن يصبروا } [فصلت: 24] على ما هم فيه من الخسران { فالنار مثوى لهم } [فصلت: 24] نار الطرد والقطيعة والبعد، { وإن يستعتبوا } [فصلت: 24] فعلى ما قال: { فما هم من المعتبين } [فصلت: 24].
[41.25-29]
وبقوله: { وقيضنا لهم قرنآء } [فصلت: 25] يشير إلى أنه تعالى إذا أراد بعبد سوء قيض له إخوان وقرناء شرهم الأضداد لهم فيما رموا، وإذا أراد بعبد خيرا قيض له قرناء خيرا يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها، وإذا كان إخوان سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها ومن ذلك الشيطان، فإنه مقيض على الإنسان مسلط يوسوس إليه بالمخالفات، وشر من ذلك النفس الأمارة بالسوء، وبئس القرين النفس تدعو اليوم إلى ما فيه هلاكها وهلاك العبد، وتشهد غدا عليه بما دعته إليه، وشر قرين للمرء نفسه، ثم الشياطين، ثم شياطين الإنس { فزينوا لهم ما بين أيديهم } [فصلت: 25] من طول الأمل { وما خلفهم } [فصلت: 25] من نسيان الزلل، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة { وحق عليهم القول } [فصلت: 25] بالتقدير الأزلي { في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } [فصلت: 25] بالشقاوة، { إنهم كانوا خاسرين } [فصلت: 25] بإفساد استعدادهم الفطري.
ثم أخبر عن أحوال أهل الكفر ومقالهم بقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } [فصلت: 26] يشير إلى طبيعة النفوس المتمردة الأمارة بالسوء إن من شأنها: انتشار الهواجس النفسانية، وإلقاء الخواطر المنتسبة من الأوصاف الحيوانية، وإثارة الوساوس الشيطانية والهجو من الكلام، وإنشاء اللغو والباطل، وحديث النفس على الدوام اشتغالا للقلوب بها عن استماع الإلهامات الربانية والإشارات الوحدانية؛ لعلها تغلب على القلوب والأرواح، وتسلب العقول والأفهام، ولم تعلم أن القلوب التي نورت بالإيمان وأبدت بعواطف الإحسان، والأرواح التي كوشفت بعوارف الحرمان ولطائف العيان؛ فهي التي شرفت بسماع أسرار الغيب المبرأة عن الريب، والقلوب التي هي في ظلمات جهلها لا يدخل الإيمان فيها، ولا يباشر السماع سرها.
وبقوله: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا } [فصلت: 27] يشير إلى أنه تعالى إذا تجلى على النفوس الكافرة المتمردة يعذبها بها عذابا شديدا يؤدي إلى إفنائها، ثم قال: { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } [فصلت: 27]؛ أي: نجزي النفوس بسطوة نار نور التجلي عند احتراق صفاتها وإفناء ذواتها، { أسوأ } ما كانت تعمل في شغل القلوب عن استماع كلام الحق، { ذلك جزآء أعدآء الله } [فصلت: 28]؛ أي: النفوس المتمردة، { النار } [فصلت: 28] نار أنوار التجلي { لهم فيها } [فصلت: 28] ما يشاءون، { دار الخلد } [فصلت: 28]؛ أي: بدوام التجلي في مقام التمكن { جزآء بما كانوا بآياتنا } [فصلت: 28] من شواهد الحق { يجحدون } [فصلت: 28] ينكرونها لئلا يصل إلى القلوب.
وبقوله: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا } [فصلت: 29] يشير إلى أن النفوس إذا فنيت عن أوصافها بنار أنوار التجلي، وذاقت حلاوة الشرب تلتمس من ربها اطلاعها على بقايا الأوصاف الشيطانية والحيوانية التي جبلت النفوس عليها؛ ليمكنها منها، فتجعلها تحت أقدام جهة إفنائها فيعلوا بها إلى مقامات القرب، كما قال تعالى:
Bog aan la aqoon