Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وثالثها: الشكاية عن العباد أن الشاكر منهم قليل، كما قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، وشكر هذه النعم في استعمالها في طلحة المنعم وعبودية، فشكر السمع: حفظا عن استماع المنهيات وأن لا يسمع إلا لله وبالله وعن الله، وشكر البصر: حفظ عن النظر إلى المحرمات وإنه ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر القلب: تصفيته عن درن الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين ولا يشهد غير لله ولا يحب إلا الله.
وبقوله تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون } [المؤمنون: 79] يشير إلى أن الحادثات من الله بدت وإليه تعود وليس لشيء إمكان الرجوع إلى الحضرة إلا الإنسان ودليله قوله تعالى:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28] { وهو الذي يحيي } [المؤمنون: 80] قلوب عباده بنور من الله وتأييد روح منه ليصلح للرجوع إلى الحضرة وعبث النفوس من صفاتها الذميمة لئلا يزاحم القلب بتكدير صفاته وتدنيسه برين مكاسبها فإنه يمرضه ويمنعه عن الرجوع إلى الحضرة، وأيضا يحيي بعض النفوس باستيفاء شهواتها واتباع هواها { ويميت } بعض القلوب باستيلاء ظلمات صفات النفوس عليها فإنها سم قاتل للقلوب { وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون } [المؤمنون: 80] اختلاف ليالي المحبين قصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار لا إلى ونهارهم في قصر ليالي الفراق وطول نهار الوصال، وعلى مثل هذا في معاني الستر والتجلي { بل قالوا مثل ما قال الأولون } [المؤمنون: 81] من غاية الغفلة ونهاية الضلالة.
{ قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } [المؤمنون: 82] وإنهم لفي غفلة عما يميت القلوب ويحييها، ويميت النفوس ويحييها كما يميت الأرض كل حسنة ثم يحييها، فيقيسوا البعث والنشور على ذلك بل قالوا بجهلهم وعمى قلوبهم { لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين } [المؤمنون: 83] فيه إشارة إلى أن الناس كلهم أهل التقليد من المتقدمين والمتأخرين إلا من هداه الله نور الإيمان إلى التصديق بالتحقيق فإنه المتأخرين هاهنا يقلدون آباءهم المتقدمين في تكذيب الأنبياء والجحود وإنكار البعث.
ثم استدل بقوله تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون } [المؤمنون: 84-85] بأن الذي هو قادر على الإبراء والإماتة يكون قادرا على الإحياء والإعادة فلا تقلدوا جهالة آبائكم { قل من رب السموت السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون } [المؤمنون: 86-87] فيجتنبون التقليد وبهذا استدل على جهلهم وضلالتهم ليكن حجة عليهم.
[23.88-92]
ثم أخبر عن استدلال آخر على استقلال عقولهم بقوله تعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء } [المؤمنون: 88] إلى أن لكل شيء ملكوت وهو روحه في عالم الملكوت الذي هو قائم له يسبح الله تعالى به لقوله عز وجل:
Bog aan la aqoon