Taariikhda Ummadda Casriga Is-waafajinta
عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)
Noocyada
وشرع في بناء كثير من المعاهد والقصور الفخمة التي تليق بالخلافة كقصر الزهراء العظيم، وأصبحت قرطبة في عهده أجمل مدن أوروبا، بل من أجمل مدن العالم، ولا تكاد تضارعها في ذلك مدينة سوى بغداد، ولم تعرف قرطبة عهدا بلغ فيه غناها وثروتها وفخارها وفخامتها مثل عهد عبد الرحمن الناصر، ولا بلغت الدولة الأندلسية في عهد من عهودها الزاهرة ما بلغته في عهده من الفخامة والجاه، والسلطان، والبناء، والرقي، والعلم، والحضارة.
فلما مات خلفه الحكم الثاني (961-976م) وتلقب بالمستنصر بالله، وكان أحسن سيرة وعدلا من الناصر، وفي زمانه حاول الأمير «أرذون» استعادة عرش مملكته ليون فلم يفلح، وانصرف المستنصر إلى الإصلاح والعمران وبعث البعوث، وبناء الدور والقصور، وإشادة الجوامع والجامعات، وفي عهده ازدهرت جامعة قرطبة التي أسسها عبد الرحمن الثالث أيما ازدهار لما كان يتمتع به من حب العلم، ورعاية أهل الفكر، ولم يضارعها في العالم جامعة سوى جامعة المدرسة النظامية في بغداد، وجامعة الجامع الأزهر في القاهرة.
ولما مات خلفه ابنه هشام الثاني (976-1009) وتلقب بالمؤيد، وكان طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة، فكانت أمه السيدة صبيح البشكنسية الأصل «الباسكية» هي المصرفة للأمور، وكان مولاها وكاتم سرها محمد بن أبي عامر المعافري هو المتولي لإدارة الدولة، فاستبد بالأمر وبدا له أن يحجز الخليفة ففعل ، وترك قصر الزهراء وابتنى لنفسه قصرا خارج قرطبة سماه «المدينة الزاهرة»، وتقرب من الفقهاء والشعراء والأعيان فأحبوه، ونظم الجيش، وغزا به واتخذ لنفسه لقبا هو «المنصور بدين الله»، وظل على هذا الديدن من السلطان حتى هلك في إحدى غزوات الفرنجة، وهي غزوة مدينة قشتالة (كاستيل) وهي الغزوة السادسة والخمسون من غزواته الموفقة.
2
فلما مات الحاجب المنصور بدين الله في سنة 1002م وكان هو القوة الناظمة لشئون الدولة، والمحرك الحقيقي لجهازها، والدكتاتور المطلق في أمورها وأعمالها الإدارية والثقافية والعمرانية والحربية، وبموته خلت الساحة، وظلت الأندلس طوال قرابة قرن مسرحا للطامعين من العرب والبربر والصقالبة والقوط، على الرغم من أن الحاجب المنصور كان قد سمى ابنه عبد الملك المظفر خلفا له فجعل الحجابة وراثية، ولكن المظفر بن المنصور لم يستطع أن يملأ فراغ أبيه على ما كان عليه من الصفات إلى أن مات في سنة 1008م مسموما، فخلفه على الحجابة أخوه عبد الرحمن بن المنصور، وكان أهوج أخرق، فأعلن أنه صاحب الحق في الخلافة، وثار الناس عليه لذلك، ولم يكن الخليفة قويا ليستطيع أن يضعه عند حده، وكان الحكام الحقيقيون هم الأجناد ومتغلبة الوجوه من أهل قرطبة أو الصقالبة أو البربر أو القوط، إلى أن انتهى الأمر بتنازل هشام عن الخلافة لابن عمه محمد في سنة 1009م فتلقب بالمهدي، فلم يكن أحسن سيرة من ابن عمه؛ فقد كان مهملا سكيرا، فخلع بعد فترة قصيرة، ثم استخلف ابن عمه سليمان، ثم ابن عمه عبد الرحمن الرابع، ثم ابن عمه عبد الرحمن الخامس، فكانوا كلهم ضعافا مغلوبا على أمرهم يستخلفون ويخلعون، وقد عرف ثلاثة منهم بأنهم ولوا الخلافة غير مرة وخلعوا عنها غير مرة، وبويع أحدهم (هشام الثاني) مرتين وخلع مرتين ثم ضاع! أما عبد الرحمن الخامس الملقب بالمستظهر بالله فكان على الرغم من سذاجته خليفة صالحا، وقد استطاع وزيره العالم الفقيه ابن حزم الأندلسي أن يرفع من شأنه بين العامة بعض الشيء، ولكن ما لبث أن ساءت سيرته فيهم، فثاروا عليه فاختبأ منهم وتعقبوه، فهرب من قميم حمام، وأخرج وهو في قميص مسود وعلى شكل مزر، فجيء به إلى محمد الثالث الملقب بالمستكفي وضربت عنقه بين يديه، ولم يكن محمد المستكفي أصلح من أسلافه، فقد كان همه منصرفا إلى الطعام والنساء، ولم تكن نهايته أحسن من نهاية سلفه، فقد ثار الناس عليه وخرج متزييا بزي النساء، وانتهى به المطاف أن سمه بعض حاشيته سنة 1025م، وتغلبوا على البلاد، وضاع شأن الخلافة، إلى أن كانت سنة 1027 فظهر أحد أبناء هذه الأسرة، وهو هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر فاستعاد عرش الأمويين، وتلقب بالخليفة المعتد، ولكنه لم يستطع أن يمتلك زمام الأمور، فضاق أهل قرطبة بالخلافة والخلفاء وخلعوه في سنة 1031م، وهكذا انقضى عهد الخلافة الأموية في الأندلس، وتولى الأمر ملوك الطوائف في المقاطعات.
الفصل الرابع
فترة الطوائف
انقضى عهد الخلافة الأموية في الأندلس، وقامت على أنقاضها طوائف متعددة، تشكل دويلات صغيرة في شبه الجزيرة كلها؛ فقرطبة وما إليها تحت تصرف بني جهور، وإشبيلية ومقاطعاتها تحت سلطان بني عباد، وغرناطة وما حولها تحت إمرة بني زيري من البربر، وغرناطة وجوارها تحت إدارة وزير يهودي يسمى إسماعيل بن نغرالة «صمويل بن نجزيله»، ومالقة والمقاطعات المجاورة لها تحت إدارة بني حمود، ثم انتقلت إلى بني زيري، وطليطلة تحت إدارة بني ذي النون البربر، وسرقسطة وما حولها خاضع لحكم بني هود.
وهكذا تفسخت بلاد الأندلس، تفرق أهلها مذاهب وأحزابا، وكان النفوذ البربري هو الغالب، بينما أخذ ظل السلطان العربي ينزوي. ومما هو جدير بالذكر أن الإسلام إنما استطاع أن يثبت في الأندلس بعض الوقت على الرغم من تناحر أهله، فما ذلك إلا لتناحر خصوم المسلمين من قادة النصرانية وملوكها، وأنهم حين استطاعوا توحيد كلمتهم استطاعوا ضرب الإسلام في الصميم، وقضوا على آخر معاقله في شبه الجزيرة.
وليس في تاريخ هذه الأسر المتغلبة ما يستحق الذكر، كما أنه ليس من بينها أسرة يجدر أن نعنى بها إلا أسرة بني عباد أصحاب إشبيلية.
Bog aan la aqoon