355

فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الاثار بظهره خرج كأنه هارب وأظهر أن عمرا فعل به ذلك وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء فسار قصير حتى قدم على الزباء فقيل لها إن قصيرا بالباب فأمرت به فأدخل عليها فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب فقالت ما الذي أرى بك يا قصير فقال زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله وزينت له السير إليك وغششته ومالأتك عليه ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فألطفته وأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملوك فلما عرفت أنها قد استرسلت إليه ووثقت به قال لها إن لي بالعراق أموالا كثيرة وبها طرائف وثياب وعطر فابعثيني إلىالعراق لأحمل مالي وأحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما وبعض مالا غنى بالملوك عنه فإنه لا طرائف كطرائف العراق فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيرا فقالت انطلق إلى العراق فبع بها ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتى الحيرة متنكرا فدخل على عمرو بن عدي فأخبره بالخبر وقال جهزني بالبز والطرف والأمتعة لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك تقتل عدوك فأعطاه حاجته وجهزه بصنوف الثياب وغيرها فرجع بذلك كله إلى الزباء فعرضه عليها فأعجبها ما رأت وسرها ما أتاها به وازدادت به ثقة وإليه طمأنينة ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى فسار حتى قدم العراق ولقي عمرو بن عدي وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ولم يترك جهدا ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فأخبر عمرا الخبر وقال اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيء لهم الغرائر والمسوح قال ابن الكلبي وقصير أول من عمل الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف

ففعل عمرو بن عدي وعمل الرجال في الغرائر على ما وصفه له قصير ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدم قصير إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل وما عليها من الأحمال فإني جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلا وقال ابن الكلبي وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها فقالت يا قصير ... ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا ... أم صرفانا باردا شديدا ...

فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة وهو نبطي بيده منخسة فنخس بها الغرائر التي تليه فتصيب خاصرة الرجل الذي فيها فضرط فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعني بقوله بشتابسقا في الجوالق شر وأرعب قلبا فذهبت مثلا فلما توسطت الإبل المدينة أنيخت ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك وأراه إياه وخرجت الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح وقام عمرو بن عدي على باب النفق وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله وأبصرت عمرا قائما فعرفته بالصورة التي كان صورها لها المصور فمصت خاتمها وكان فيها سم وقالت بيدي لا بيدك يا عمرو فذهبت مثلا وتلقاها عمرو بن عدي فجللها بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من أهل المدينة وانكفأ راجعا إلى العراق فقال عدي بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمر بن عدي إياها قصيدته ... أبدلت المنازل أم عفينا ... تقادم عهدها أم قد بلينا ...

إلى آخرها

Bogga 368