لا نحيد ولا ننحرف لسببين:
الأول:
أننا نحرص على ألا نبدو متناقضين، وهذا أخف السببين، بل أتفههما.
والثانى:
أن الأفكار الأولى التي حفزتنا على التأليف الأول تبقى حية تنمو وتكبر، فنتوسع فيها بما لها من خاصة التوسع، وليس لحرصنا على التزامها.
إن الذين قرءوا جان جاك روسو يذكرون كيف أن فكرة الطبيعة فاجأته وهو يمشي على طريق ريفي بين الحقول. فما هو أن وجد شجرة حتى ارتمى تحتها وأخذ يجتر الفكرة: إن الإنسان كان سعيدا في سذاجته وبدائيته، ثم عرف العلم والحضارة فتعس.
الفكرة بسيطة بل مخطأة أيضا، ولكن لها زاوية تستحق التنقيب والبحث. وأخرجها روسو في رسالة قصيرة قرأها الناس ودهشوا بها. ولكن الشيء الذي يلفت نظرنا هنا أن حياة روسو نفسه تأثرت بهذه الرسالة. فإنه بعد تأليفها شرع يتوسع في معانيها ويحيي هذه المعاني في سلوكه وأخلاقه وأفكاره.
هذه الرسالة التي ألفها روسو عادت فألفت حياته هو ووجهته وعينت أهدافه. وكل منا - نحن المؤلفين - له مثل هذا الشأن إذا كان مؤلفا أمينا يقول ما يعتقد وما يتعقل. أما إذا كان مأجورا للدفاع عن مذهب فليس لمؤلفاته تأثير عليه سوى ذلك التأثير الذي يقال عن الكاذب يكرر ويدمن الكذب حتي يصدقه.
حتى القصة يؤلفها الكاتب في الخيال ويعين لبطلها صفات وميزات تعود بعد ذلك فتؤثر في هذا المؤلف نفسه حتى ليتخذ هذه الصفات والميزات لنفسه. ألسنا نرى في قصص تولستوي أبطالا يشبهون تولستوي نفسه؟
قد تقول هنا إن أبطال تولستوي في قصصه يشبهونه في الأخلاق؛ لأن أخلاقه هو كانت كذلك قبل أن يخلقهم. وهذا ممكن ولكنه ليس ضروريا. ولكنه وهو يدون صفاتهم ويفصلها ويعين ميزاتهم، كان يتبنى شخصياتهم ويستلهمها في حياته، ثم أيضا يرتبط بها.
Bog aan la aqoon